مصعب أبو توهة... عبَر من غزة إلى نيويورك في «طريق غير آمن»

الكاتب والشاعر يتسلّم قريباً جائزة «بوليتزر» الممنوحة للمرة الأولى لفلسطيني

مصعب أبو توهة خرج من غزة في نوفمبر 2023 ويحلم بالعودة إليها (صور الشاعر)
مصعب أبو توهة خرج من غزة في نوفمبر 2023 ويحلم بالعودة إليها (صور الشاعر)
TT

مصعب أبو توهة... عبَر من غزة إلى نيويورك في «طريق غير آمن»

مصعب أبو توهة خرج من غزة في نوفمبر 2023 ويحلم بالعودة إليها (صور الشاعر)
مصعب أبو توهة خرج من غزة في نوفمبر 2023 ويحلم بالعودة إليها (صور الشاعر)

في غزة، ترك مصعب أبو توهة خلفه الورود التي زرعها والده أمام باب الدار، ورائحة قالب حلوى عيد ميلاده الذي حضّرته أمّه في الخيال. ودّع الكاتب والشاعر الفلسطيني أول دفاتره، ولم يتسنَّ له الالتفات مرةً أخيرة إلى ألبومات الذكريات. فالمنزل في بيت لاهيا صار ركاماً، والرحيل ترفٌ كبير لا يمكن رفضه. حمل معه نسخةً مهترئة من ديوانه الشعري الأول وسار من جباليا إلى معبر رفح، متأبطاً حقيبة وعائلته الصغيرة: زوجته مرام، وأولاده مصطفى، ويزن، ويافا.

كانت الحرب قد شارفت على شهرها الثالث، والأطفال في عين القذائف والغارات الإسرائيلية على غزة، فاقتضى الرحيل. مصطفى الابن البكر يحمل الجواز الأميركي، لأنه وُلد في نيويورك يوم كان مصعب (32 عاماً) يتخصص في الكتابة الإبداعية في جامعة سيراكيوز.

وُلد أبو توهة في بيت لاهيا ولم يخرج من غزة قبل سن الـ26 للتخصص في أميركا (صور الشاعر)

طريق الخروج المحفوف بالنيران والإذلال والرعب، هو أكثر ما يتذكّره الكاتب عن أيامه الأخيرة في غزة نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. «أما المشهد الذي لا يفارق خيالي»، يخبر أبو توهة «الشرق الأوسط» في حوارٍ خاص عبر الفيديو بين نيويورك وبيروت، «فهو عندما توقَّفتْ بنا الشاحنة حيث كنت مختطفاً من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. سمعتُ صوت إطلاق رصاص متقطّعاً، وظننت أنّ لحظة تصفيتي قد حانت. صلّيت حينها كي يتوقف قلبي عن الخفقان».

«طريقٌ غير آمن». عنوانٌ سردَ تحته أبو توهة القصة كلها؛ منذ الصاروخ الأول الذي أطلقته «حماس» على إسرائيل صباح 7 أكتوبر، حتى وصوله والعائلة إلى منزل إحدى الصديقات في مصر بعد الإفراج عنه وعبور معبر رفح. تلك اليوميات، بما فيها من اعتقالٍ وتعذيبٍ وتجريدٍ من الملابس على أيدي الجنود الإسرائيليين، وجدت لنفسها مساحةً على صفحات مجلة «نيويوركر» الأميركية العريقة.

وثّق أبو توهة رحلة خروجه من غزة ونشرها إلى جانب مقالات أخرى في مجلة «نيويوركر»

نشر الكاتب الرواية كاملةً بالإنجليزية، وهي اللغة التي تعمّد الكتابة بها منذ سطوره الأولى «لأنني أريد مخاطبة مَن تسبّبوا بنكبتنا وحكاياتنا المأساوية باللغة التي يفهمون»، يوضح أبو توهة.

«شقتنا في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة تقع في الطابق الثالث. فوقنا وتحتنا يسكن إخوتي، ويعيش والداي في الطابق الأرضي. يربّي والدي الدجاج والأرانب في الحديقة. وعندي مكتبة مليئة بالكتب التي أحب». يقرّ أبو توهة في المقال الطويل بأن قرار الرحيل كان صعباً. ضاعفه صعوبةً الشعورُ بالذنب حيال الأهل الباقين تحت الحديد والنار والظلم.

مصعب أبو توهة مع زوجته مرام وأولاده مصطفى ويزن ويافا (صور الشاعر)

اليوم، ينظر من شقته الصغيرة في القارة البعيدة إلى الركام والجثث. تؤرقه المَشاهد الواردة من غزة عبر هاتفه لحظةً بلحظة. يعاني حبرُه الشحّ منذ شهرين بداعي الخيبة. يحدث أن يتساءل عن الجدوى من الكتابة أمام تلك الفظائع. ثم يتذكّر المنبر الذي سيقف عليه الشهر المقبل ليتسلّم جائزةً تُمنح للمرة الأولى لكاتبٍ من فلسطين. سيرفع مصعب أبو توهة جائزة «بوليتزر» المرموقة عن فئة التعليق الصحافي. من بين منشوراتٍ كثيرة، اختيرت مجموعة المقالات التي نشرها في «نيويوركر»، والتي وثّق فيها رحلة الخروج من القطاع المُدمَّر.

بيُسراه سيلتقط شهادة «بوليتزر»، أما يُمناه فسيضعها على صدره ليشهدَ لغزّة أمام الحضور المحتشد من كل أنحاء العالم. يقول أبو توهة إن جائزة «بوليتزر» نقطة تحوّل في مسيرته. ويوضح: «هي ليست مهمة بسبب قيمتها المعنوية والمهنية فحسب، بل لأنها تشكّل اعترافاً بي بصفتي فلسطينياً. كما يحمّلني هذا التكريم مسؤوليةً بأن أرفع مزيداً من الأصوات من غزة».

أمام فيديوهات الأبراج المتداعية وصور أشلاء الأطفال وحبّات الطحين الملطّخة بالدم، غالباً ما تصمت الكلمة ويجفّ الحبر. «لكن في الوقت ذاته أحاول أن أذكّر نفسي بأنّ الكتابة هي الأسلوب الوحيد الذي يمكّنني من إحياء قصص ناسٍ حُكم عليهم بالإبادة». يضيف أبو توهة: «حتى لو لم تُغيّر الكتابة الواقع، فإنها تمنح صوتاً للضحايا الذين اختفت أصواتهم إلى الأبد».

في رصيد أبو توهة ديوانا شعر بالإنجليزية وواحد بالعربية (صور الشاعر)

لطالما كان الشِّعر بالنسبة إلى مصعب أبو توهة مخضّباً بالدم، تفوح منه رائحة البارود ويعبق فيه الوردُ في آنٍ معاً. زارته القصيدة للمرة الأولى وهو في مطلع العشرينات، عندما كانت إسرائيل تقصف غزة عام 2014. ودّع 3 من أصدقائه برثاءٍ مكتوب بالإنجليزية، ونظم أبياتاً للأزهار النابتة من قلب ركام بيته المدمّر.

«لا تتفاجأ أبداً

إن رأيتَ وردةً تنبت

بين أنقاض المنزل:

هكذا نجَونا»

هو الذي كان محكوماً عليه بالبقاء تحت سماءٍ لا تحلّق فيها سوى طائرات عسكرية ومسيّرات، سافرَ عبر الكتابة والكتب. في الـ25 من عمره، أسّس «مكتبة إدوارد سعيد في بيت لاهيا مساحةً للتبادل الإنساني والثقافي». لحقها فرعٌ ثانٍ عام 2019 في حي النصر في مدينة غزة. لم يبقَ من المكتبتَين اليوم سوى أوراقٍ ممزّقة ومحترقة، وكتبٍ عالقة تحت الأنقاض.

مكتبة إدوارد سعيد التي أسسها أبو توهة عام 2017 في غزة قبل أن تدمّرها إسرائيل (صور الشاعر)

بين أنقاض غزة ووسط رعبها وأخطارها، بقي والد مصعب كذلك وعددٌ من أشقائه وأفراد عائلة زوجته. من تغريبته الأميركية، لا يدّخر جهداً للتواصل اليومي معهم ومساندتهم معنوياً ومادياً. صحيحٌ أنّ النجاة انعكست شعوراً بالذنب تجاههم خلال الفترة الأولى، «إلا أنّ ما يخفف عني هو أنني أرفع صوتهم والغزّيين جميعاً من هنا، وهذا ما كنت لأستطيع أن أفعله في غزة». يوضح أبو توهة أن منشوراته ومحاضراته ولقاءاته وزياراته إلى مقر الأمم المتحدة وسواها من مراكز قرار، كلها مكرّسة «لسَرد حكايات العائلات التي أُبيدت، ونقل قصص الناجين».

أبو توهة محاضراً في واشنطن (صور الشاعر)

على ورقةٍ أمامه، يرسم شجرة عائلة لم يبقَ أحدٌ من أفرادها ليخبر بالفظائع. يهجس بتلك الأشجار التي اقتُلعت من جذورها. لا يريد لحكايات المأساة أن تصمت، مع أنّ الكلام بات يشكّل مخاطرة. يخوض مصعب أبو توهة حربه الخاصة في أميركا وسط «تهديدات بالترحيل بتحريضٍ من جماعات صهيونية متطرفة».

رغم ذلك، فهو يُبقي نوافذه مفتوحة لمنابر لا تقمع الأصوات الحرة، ولمزيدٍ من دواوين الشعر حيث ينبت العشب من الشظايا، ولحلمٍ لا يفارق خياله: العودة إلى غزة.


مقالات ذات صلة

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
العالم العربي بلند الحيدري (1926-1996)

منتدى «أصيلة» يعلن فوز شاعرين من العراق والمغرب بـ«جائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب»

فوز الشاعر العراقي زين العابدين المرشدي، والشاعر المغربي أبو بكر المليتي، مناصفة بـ«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب» في دورتها الثامنة.

«الشرق الأوسط» (أصيلة (المغرب))
يوميات الشرق مارسيل خليفة (فيسبوك)

ولادة جديدة لـ«وعود من العاصفة» باكورة شراكة مارسيل خليفة ومحمود درويش

بعد خمسين سنة، يعيد مارسيل خليفة تسجيل ألبومه الأول «وعود من العاصفة»؛ وحين تستمع إليه بصوته بعد مرور كل هذا الزمن، بتقلباته المجنونة، تشعر بأن لا شيء تغير.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ...

عبد اللطيف بن يوسف المبارك

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
TT

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)

فاز الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة السبت بفئة التصوير الفوتوغرافي في جائزة بايو المرموقة للمراسلين الحربيين عن أعماله من غزة.

وإلى جانب الجائزة الكبرى، فاز أبو حامدة المقيم في غزة بجائزة اختيار الجمهور عن تقريره المصوّر «ما تخلّفه الحرب».

ولم يحضر الصحافي المراسم في بايو بشمال غربي فرنسا، لكنه بعث رسالة مصورة إلى الاحتفال.

كما فازت كل من صحيفة «واشنطن بوست»، و«الإذاعة الوطنية العامة» الأميركية (إن بي آر)، وشبكة «سي إن إن» بالجوائز الكبرى في فئات الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، عن تقارير أعدتها من أوكرانيا وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة على التوالي.

وكُرّم فريق صحيفة «واشنطن بوست» لسرد قصة جندي أوكراني حوصر في منطقة قتال لمدة 177 يوماً.

وفاز الصحافي الفلسطيني أنس بابا، من شبكة الإذاعة الوطنية العامة (إن بي آر)، بالجائزة الإذاعية عن تقرير تناول انتشال جثامين الضحايا في غزة.

وفاز صحافيون من شبكة «سي إن إن» بجائزتي التلفزيون وجائزة صورة الفيديو لتقريرهم عن الجنود الإسرائيليين الذين يساعدون المستوطنين في الضفة الغربية.

وفاز مصور وكالة «أسوشييتد برس» جهاد الشرافي بجائزة «المراسل الشاب» للتصوير الفوتوغرافي عن سلسلته «حرب ودمار لا ينتهيان في غزة».

وأثارت إحدى صور الشرفي التي تُظهر لاعبي كرة قدم في ملعب تحيط به الأنقاض في غزة، جدلاً في فرنسا خلال أغسطس.

وأُزيلت الصورة من مهرجان للتصوير الرياضي في دوفيل بشمال فرنسا، قبل أن تأمر محكمة بإعادتها.

وترأست لجنة تحكيم جوائز بايو مراسلة «بي بي سي» المخضرمة لايز دوسيه.


رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
TT

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)

رحلت الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي، والدة المخرج المعروف باسم كريستو. وقد نعاها ابنها ووحيدها على صفحاته الخاصة على وسائل التواصل، ناشراً صورة له برفقتها.

وكتب باسم كريستو متوجهاً لوالدته بالقول إنه سيشتاقها كثيراً، وسيشتاق لانشغال بالها عليه حين يسافر، ولابتسامتها قبل رحيلها وحين تنظر إليه وتغالب مرضها ووجعها. تلك الابتسامة التي ستبقى محفورة في عينيه وقلبه مدى الحياة.

المخرج باسم كريستو نشر صورة على مواقع التواصل برفقة والدته (وسائل التواصل)

والشاعرة باسمة بطولي لها دواوين عدة، منها: «عربات الصدى» 2009، «مع الحب حتى الموت» 1978، «مكللة بالشوق» 1996، «حين ترتدي النار عريها» 2012، «أصداء بصرية» 2013، «سلالي ومياه الوقت» 2016، و«على مقام الصِّبا والصَّبا» 2017.

ولدت في مدينة بيروت، والدها الكاتب توفيق الباطولي ووالدتها الرسامة ليندا قازان الباطولي. حصلت باسمة بطولي على إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، ودبلوم في الصحافة من كلية الصحافة المصرية، وخريجة دار المعلمين والمعلمات في لبنان.

عملت موظفة إدارية في وزارة التربية الوطنية، وأعدت وقدمت برامج ثقافية في تلفزيون لبنان. نشطت في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والمؤتمرات.

وكما كتبت الشعر العمودي والتفعيلة رسمت مئات اللوحات المائية والزيتية، وشاركت بأعمالها في معارض فنية فردية وجماعية.

نالت العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، منحها إياه عام 2022 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، العماد ميشال عون، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم.


«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.