احتفالٌ بالموسيقى الكلاسيكية في «الجامعة الأميركية»: نغمات تتخطَّى الزمن

فنٌ يتجدَّد مع كلّ جيل بالوفاء للإرث وجرأة الابتكار

أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
TT

احتفالٌ بالموسيقى الكلاسيكية في «الجامعة الأميركية»: نغمات تتخطَّى الزمن

أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)
أصوات شابّة تمنح الإرث العريق وجهاً جديداً (الشرق الأوسط)

في قاعة «الأسمبلي هول» العريقة بالجامعة الأميركية في بيروت، اجتمع عشّاق الموسيقى الكلاسيكية. المقاعد ازدحمت بالطلاب والمهتمّين والمُحبّين، فبدا المكان فضاء يتّسع لكلّ مَن يودّ أن يجد في الموسيقى ملاذاً من فوضى الأيام. كان الحفل دعوة إلى الإصغاء بوعي مختلف، حيث كلّ مقطوعة نافذة على عالم خاص، وكلّ لحن يفتح باباً على سؤال أو ذكرى.

الموسيقى حضور يتجدّد كلما أصغينا بقلوبنا (الشرق الأوسط)

أول الأصوات التي انبعثت في القاعة كانت للسوبرانو جندة علي منصور، مع ميشال أبو جودة على البيانو. أدّت آريا من أوبرا لموتسارت، فجاءت مَرِحة وساخرة في آن، إذ سخرت شخصية «ديسبينا» من إخلاص الرجال، فجمعت بين الدعابة الاجتماعية وخفّة النغم، لتكشف عن روح موتسارت التي تُوازن بين السخرية والمرح المُتقن. ومع سرعة الإيقاع وبريق الجُمل القصيرة، بدا الحضور كأنهم أمام حوار كوميدي تقوده الموسيقى بدهاء. لكن جندة منصور سرعان ما بدَّلت الجوّ وانتقلت مع شوبرت إلى أغنيته الشهيرة «أنت السلام». هناك انكشف بُعد آخر لصوتها. فالأغنية، التي كتبها شوبرت على نصّ لروكرت، تحوّلت إلى أنشودة هدوء أتاحت للحضور اختبار إحساس داخلي عميق.

أبو جودة نفسه عاد منفرداً ليُقدّم لمندلسون «ورقة الألبوم»؛ مقطوعة قصيرة وبسيطة، لكنها مُكثّفة بالعاطفة. تراءت مثل رسالة شخصية، تُذكّر بأنّ الجمال قد يختبئ في أبسط الأشكال وأكثرها شفافية. هنا، بدا الحفل كأنه يتوقّف ليلتقط أنفاسه قبل إكمال الرحلة.

ما بين النغمة والأخرى فراغٌ يمتلئ بما نشعر نحن به (الشرق الأوسط)

ثم جاء عزف ثيودور الحاج على إحدى مقطوعات شوبرت للبيانو. الموسيقى تماوجت بين الرقّة والانفعال، وبين الوضوح واشتعال العاطفة. لُمحت اليدان تعملان في مسارَيْن مختلفَيْن، لكنهما اجتمعتا في أثر واحد يصل إلى النفس.

وفي الغناء مجدّداً، أطلّ التينور غارين كازانجيان برفقة كيفن يوسف. أدّيا معاً أغنية بوتشيني «الأرض والبحر»؛ مقطوعة مبكرة تُشبه تمهيداً للأوبرا التي سيصنع بها مجده لاحقاً. الأغنية بدت مثل ميزان حسّاس بين حنين اليابسة وإغواء البحر. ثم ارتفع كازانجيان إلى قمة درامية في آريا «سلام عليك يا عايدة» لفيردي، حيث لقاء القوة العسكرية بالشجن الإنساني، لتتجلّى في لحن واسع يُكثّف عبقرية الأوبرا الإيطالية التي تجمع بين البطولة والوجدان.

كيفن يوسف، الذي رافقه، جلس منفرداً إلى البيانو ليُقدّم إحدى أكثر مقطوعات رحمانينوف شهرةً. بدأ بضربات افتتاحية حادّة، ثم اندفع إلى قسم وسطيّ عاصف، قبل أن يُعيد السامعين إلى الهدوء الأول. كان المشهد أشبه بمسير تحت رياح هوجاء، تُذكّر بأنّ رحمانينوف كان يكتب بذاكرة مُثقلة وبروح روسية مشبَّعة بالنوستالجيا والأسى.

البيانو يبوح بما تعجز عنه الحروف (الشرق الأوسط)

ومن روسيا إلى فرنسا، انتقل مارك إميل بستاني بالمستمعين إلى فضاء انطباعي مع موريس رافيل وقطعة «قارب على المحيط». هنا، بدا الحضور كأنهم يُبحرون فعلاً في بحر بلا شطآن، يترقّبون تبدُّل الأفق عند كلّ موجة.

ثم جاء دور الأرغن، حين جلس خليل شاهين ليعزف مقطوعة سيزار فرنك؛ «الصلاة». بدأت الألحان متأمِّلة وبطيئة، كأنها ترسم مساراً روحياً صاعداً، ثم راحت تبني نفسها تدريجياً حتى بلغت الذروة، قبل أن تخبو بسكينة. مقطوعة أشبه بتضرُّع موسيقي يترك في النفوس أثراً يُشبه الخشوع.

وأخيراً، كان لا بدّ من الإصغاء إلى صوت معاصر، فظهر المؤلِّف والعازف اللبناني الشاب، وئام حداد، ليُقدّم عمله «البريلود والنوكتورن». البريلود جاء مشدود الإيقاع في بنيته، فراحت الجُمل القصيرة تتّسع وتتصاعد مُمهِّدةً لاستعادة هدوئها. أما النوكتورن، فأتاح التأمُّل والغرق في الغنائية الحالمة، بفيضه بخطوط لحنيّة ممتدّة كأنها مرثية لليل. في هذه اللحظة، اكتمل الحفل بإدراك الجمهور أنّ الكلاسيكية حاضرٌ يتجدّد بأقلام وأصابع شباب يكتبون سطورهم الخاصة في ذاكرة الموسيقى.

اللحن يترك أثره كما يترك الموج شكلاً على الرمل (الشرق الأوسط)

كان الحفل شهادة على أنّ الموسيقى الكلاسيكية أبعد من أن تكون رمزاً للأناقة أو تقليداً متجمّداً. إنها فعل تمرُّد وثورة على الصمت، وأثر لا ينقطع بين جيل وآخر. فمِن بيتهوفن الذي كتب ليهزّ صالونات فيينا، إلى إيغور سترافينسكي الذي أشعل صخباً في أوبرا «طقس الربيع»، ومن كلارا شومان التي كسرت جدار الصمت المفروض على النساء، إلى باخ الذي جعل النظام نفسه مغامرة، يؤكد هذا الفنّ أنه لا يعيش إلا بجرأة كسر القاعدة.

والأمسية لم تكن فعلاً فردياً معزولاً، فهي جزء من مشروع ثقافي متواصل يقوده «نادي الموسيقى الكلاسيكية» في الجامعة الأميركية. هذا النادي، الذي جمع منذ تأسيسه بين الهواة والموسيقيين الشباب، جعل من بيروت مركزاً يتّسع للتراث والحداثة معاً. فهو يُنظّم الحفلات، ويقيم ندوات ومحاضرات، ويعمل على إحياء شغف الموسيقى الكلاسيكية في مجتمع يتعطَّش للجمال وسط الصخب.

وئام حداد، الذي قدَّم مقطوعته في الحفل، هو رئيس النادي وأحد مؤسّسَيْه مع مهدي عناني، مما يجعل حضوره الفنّي والإداري دليلاً على رؤية واضحة: أنّ الموسيقى الكلاسيكية، رغم جذورها الأوروبية، يمكن أن تزدهر في لبنان، وأن تُعاد كتابتها بأصوات معاصرة. فالعازفون والمغنّون من جيل شاب لا يدّعي الاحتراف ولا يُقدّم نفسه صوتاً مُكتمل التجربة. يطلّون على الخشبة بخطوات قد تتعثَّر أحياناً، لكنّها تحمل حرارة البحث عن معنى. وهم على الأرجح لا ينظرون إلى الكلاسيكيات على أنها تدريب أكاديمي أو مهارة تقنية، وإنما نافذة على عالم يُضيء دواخلهم. يجدون في موسيقى عريقة نشأت في قاعات بعيدة وأزمنة أخرى لغة شخصية قادرة على منحهم سبباً للاستمرار. وهنا تكمن القيمة الحقيقية.


مقالات ذات صلة

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

قُبيل حفله الغنائي في القاهرة، تغزّل الفنان العراقي كاظم الساهر في مصر، واصفاً إياها بأنها تمثل بالنسبة إليه «البساطة وعدم التكلف»

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

حصد المخرج سمير سرياني جائزة «موركس دور» لأفضل كليب لبناني عن أغنية «يا قلبو» لنانسي عجرم، ليكون بذلك قد نال حتى اليوم ثلاثة جوائز

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.