«إسنا» المصرية تقتفي أثر الأجداد في حُلّة عصرية

فازت بجائزة «الآغا خان» للعمارة بفضل ترميم تراثها وأسواقها

TT

«إسنا» المصرية تقتفي أثر الأجداد في حُلّة عصرية

سوق القيسارية (الشرق الأوسط)
سوق القيسارية (الشرق الأوسط)

تعكس صفحة النيل البيضاء الواسعة صورة المباني العتيقة التي تطلّ عليها في مدينة إسنا، الممتدّة في الضفة الغربية من النيل جنوب محافظة الأقصر، حيث تنتشر عشرات المباني المحيطة بمعبد خنوم الأثري، ومئذنة المسجد العمري التي يعود تاريخ إنشائها إلى مئات السنوات.

في إسنا، يستطيع الزائر أن يعود بالزمن إلى عصور مختلفة - يونانية ورومانية وقبطية وإسلامية وحديثة - وبامتزاج الشواهد الأثرية لهذه العصور تتميّز المدينة بطابع معماري وحضاري استثنائي.

مدينة إسنا تتمتّع بإطلالة ساحرة على نهر النيل (الشرق الأوسط)

ورغم قِدَم كثير من مباني إسنا وتهالكها، فإنّ ذلك يمنحها قيمة مضافة، وجمالاً دفيناً استطاع مشروع شركة «تكوين» إعادة اكتشافه. وقد زارت «الشرق الأوسط» المدينة ورصدت جوانب عدّة من أسباب فوز مشروع إعادة إحياء إسنا التاريخية بجائزة «الآغا خان» المرموقة.

تحت أشعة الشمس الساطعة، يكون للسقيفة الخشبية التي تغطي شارع البازارات السياحية وقعٌ سحري مع نسمات الهواء الشاردة، والابتسامة التي تكسو وجوه أصحاب المتاجر والورشات، ومن بينهم عصام زنط، صاحب متجر «خنوم» الشهير بصناعة المنسوجات اليدوية، ومنها «الفرخة» و«الحبرة»، وهما ملابس تراثية تخصّ سيدات إسنا فقط.

متجر لبيع الملابس المصنوعة يدوياً (الشرق الأوسط)

ويعتمد زنط على بيع منتجاته اليدوية، ولاعتزازه بذلك استعان بأقدم صانع نسيج ومفروشات وملابس يدوية في إسنا، «العم يني»، الذي يحترف هذه المهنة منذ أكثر من نصف قرن، ويحتل جزءاً مميزاً من المتجر المزيّن بأشكال وألوان وتصاميم تسرّ الناظرين.

ويجري العمل في هذا الشارع للانتهاء من توصيل الصرف الصحي، إلى جانب تطوير كثير من البازارات على جانبيه؛ وهو الشارع الذي يفضي في نهايته إلى معبد خنوم الأثري، حيث تتركّز معظم آثار إسنا اليونانية - الرومانية والإسلامية والقبطية في المنطقة المحيطة به.

حجر الزاوية

استطاع مشروع تطوير معبد خنوم إعادة اكتشاف الألوان الأصلية لنقوش أعمدته وسقفه، بعدما كانت مغطاة بالاتساخات والتكلسات لسنوات طويلة. كما جرى تنفيذ مشروع خدمات متكامل لتحسين تجربة السائحين بتصميم من «تكوين». وتتيح الإطلالة البانورامية على المعبد، الواقع في منطقة منخفضة نسبياً عن مستوى الشوارع المحيطة، رؤية كاملة له.

معبد خنوم الأثري في إسنا (الشرق الأوسط)

وعلى يسار واجهة المعبد، تطلّ وكالة الجداوي الأثرية التي يزيد عمرها عن 200 عام، والتي كانت تُستخدم قديماً للتجارة والإقامة على غرار وكالات القاهرة التاريخية؛ فبينما كانت تُباع السلع والبضائع في الطابق الأرضي، كان التجّار يستريحون وينامون في الطابق العلوي.

وقد رُمِّمت هذه الوكالة وطُوِّرت لتصبح معرضاً دائماً لتراث إسنا وهي مفتوحة حالياً للزيارة، وتتميّز بواجهتها البنية. ووفق مفتش الآثار بإسنا، الدكتور محمد محيي الدين، فإنّ وكالة الجداوي التي تعود للعصر العثماني ظلت مغلقة لعقود بسبب تدهورها، قبل أن يُعاد إحياؤها من جديد.

وكالة الجداوي الأثرية (الشرق الأوسط)

ويقول محيي الدين إنّ «معبد خنوم الذي يتوسّط البيوت ويُعدّ حجر الزاوية للمدينة خير شاهد على العصر اليوناني - الروماني بإسنا، فيما تمثل الكنائس العتيقة القريبة منه، مثل دير الشهداء ودير الفاخوري، شواهد العصر القبطي في المدينة».

مئذنة فريدة

وعلى مقربة من معبد خنوم تطلُّ مئذنة الجامع العمري بتصميمها الفريد والمميّز. ورغم تهدُّم مبنى الجامع في العصور القديمة، فإنّ المئذنة ما زالت قائمة بقاعدتها المربعة وجسمها الدائري وقبتها الفريدة في القمّة، معبّرة عن عبق التاريخ الإسلامي في المدينة.

ويعود تاريخ إنشائها إلى العام الهجري 474 (1081 ميلادياً)، ولها شبيهة في قرية أصفون بُنيت عام 475 هجرياً. ومن العصر العثماني أيضاً تبرز وكالة الجداوي وبعض البيوت التراثية العائدة إلى عصر أسرة محمد علي، وفق محيي الدين.

مئذنة الجامع العمري (الشرق الأوسط)

ويوجد كثير من مباني إسنا خارج سجلات الآثار المصرية وقائمة المباني ذات الطابع المعماري المتميّز، رغم مرور أكثر من 100 عام على إنشائها. وقد وثَّقت شركة «تكوين» كثير منها، وبينما عرضت الشركة ترميم بعض المباني القريبة من المعبد، فإنّ أصحابها رفضوا ذلك.

وعلى يمين واجهة معبد خنوم، الذي يُعدّ نواة مركزية وواجهة مميّزة للمدينة وأثرها الأبرز، ثمة سوق القيسارية، وهي سوق مخصّصة لأهالي إسنا. وقد طوّرت «تكوين» عشرات المتاجر فيه وظلّلته بسقيفة خشبية.

مصطفى أبو دوح صانع الأختام اليدوية (الشرق الأوسط)

وفي بداية هذا الشارع، يجلس مصطفى أبو دوح، الحِرفي المتخصص في صناعة الأختام اليدوية. ورث هذه الحرفة عن والده، ويستطيع نقش أي اسم بمهارة فائقة على الأختام النحاسية الصغيرة التي يشتريها الزوار والسائحون هدايا تذكارية.

أعتاب نادرة

وفي مدينة إسنا، تنتشر كثير من أعتاب البيوت الأثرية، وهي ألواح خشبية محفورة عليها أبيات شعر أو آيات من القرآن أو من الإنجيل أو أسماء أصحاب البيوت، فتُعدّ بمثابة بطاقة تعريفية لسكانها وتتميّز بزخارفها الإسلامية والقبطية.

أعتاب تاريخية في إسنا (الشرق الأوسط)

وإسنا بمثابة متحف مفتوح لما تحتويه من منازل تراثية تفوح بعبق التاريخ، بجانب الحرف العتيقة على غرار معصرة بكور للزيوت التي يعود تاريخ إنشائها إلى نحو 200 عام، والتي ما زالت تنتج زيت السمسم وحبة البركة والخسّ. وهي معصرة بدائية تعمل بشكل محدود حالياً، وقد رمَّمتها شركة «تكوين» وطوّرتها لإتاحة الفرصة للزوار للتعرُّف إلى تاريخها وطريقة استخلاص الزيوت. ويقول صاحبها إنه ورثها عن والده وأجداده، ولم يفرّط فيها رغم تغيُّر الزمن، مشيراً إلى أنها رمز وعنوان لعائلته.

سوق القيسارية (الشرق الأوسط)

ورغم أنّ التفكير في تطوير إسنا بدأ قبل 15 عاماً، فإنّ التنفيذ تأخر طويلاً بسبب اضطرابات سياسية واقتصادية شهدتها مصر، حتى انطلق المشروع عام 2017 في مرحلته الأولى.

ووفق مدير شركة «تكوين» المسؤولة عن تصميم مشروع إعادة إحياء إسنا التاريخية وتطويره، كريم إبراهيم، فإنه جرى اختيار إسنا بشكل خاص لأنها مدينة سياحية تقع على الخط السياحي (الأقصر - أسوان) ضمن مدن أخرى، لكنّ السياحة الثقافية في صعيد مصر تُواجه تحدّيات كبيرة، منها التركيز على المواقع الأثرية فقط مع تهميش المناطق العمرانية المحيطة.

ورشة الخشب التي تبرز الهوية الإسناوية (الشرق الأوسط)

وتُجسّد مدينة إسنا - الواقعة على بُعد 60 كيلومتراً جنوب الأقصر - هذه التحدّيات، إذ اقتصر النشاط السياحي فيها على معبد خنوم (180 ق. م.)، مما أدّى إلى انخفاض أعداد الزوار وتهميش المناطق التاريخية المحيطة وسكانها، بالإضافة إلى وجود خطط سابقة لهدم مئات المباني التقليدية حول المعبد.

نموذج مبتكر

ولمواجهة هذه التحدّيات، وبالشراكة مع الجهات الحكومية، صمَّمت «تكوين» ونفَّذت مشروعاً يهدف إلى إعادة تصوّر واقع المدن المصرية المتوسطة والمهمّشة، وتطوير نموذج مبتكر قابل للتطبيق يُسهم في إحياء المدن وتنمية الاقتصاد المحلّي بشكل شامل.

ونُفّذ مشروع «إحياء مدينة إسنا التاريخية» بالشراكة مع وزارة السياحة والآثار، ومحافظة الأقصر، ووزارة التعاون الدولي، وبدعم من «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، وتنفيذ «تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة».

وكالة الجداوي من الداخل (الشرق الأوسط)

ومن أبرز إنجازات المشروع: ترميم وكالة الجداوي الأثرية وافتتاحها لاستقبال الزوار بعد إغلاقها لعقود، وتطوير منطقة الزيارة والخدمات بمعبد خنوم، وترميم وإعادة استخدام الاستراحة الملكية بقرية المطاعنة التابعة لإسنا، وتطوير شارع البازارات السياحية الذي يضمّ 90 محلاً تجارياً، إلى جانب تطوير السوق التقليدية المغطاة بالقيسارية التي تضمّ 144 محلاً تجارياً.

مطعم «أوكرا» الذي تديره سيدات في إسنا (الشرق الأوسط)

كما شمل المشروع ترميم وإعادة تأهيل 15 مبنى ذا قيمة معمارية متميزّة بقلب المدينة، وتطوير 17 بازاراً سياحياً وفندقاً محلّياً ومقهى في المسار السياحي، وإنتاج مطويات للمنشآت المطوَّرة، وتوثيق أكثر من 40 وصفة تقليدية من خلال مسابقة «مطبخ إسنا» بمشاركة سيدات المدينة. كذلك جرى تطوير وافتتاح مطعم «أوكرا» بإدارة نساء من المجتمع المحلّي، وافتتاح أول ورشة خشب «كاروت» بإدارة نساء أيضاً، لإنتاج منتجات خشبية مستوحاة من تراث المدينة، إلى جانب وضع لافتات إرشادية للمواقع التراثية.

وتُعد شركة «تكوين» أول شريك مصري مع مشروع أميركي لجهتَي التصميم والتنفيذ. ويقول إبراهيم: «حقّقنا تنمية متكاملة وابتكرنا علامة تسويقية للمدينة خلال المرحلة الأولى من مشروع التطوير».

ويشير إلى بعض التحدّيات التي واجهتهم في البداية، ومنها عدم اهتمام أصحاب المتاجر والحِرف بجدوى المشروع، لذلك أنشأت الشركة نموذجاً لمتجر خاص بها في سوق القيسارية. وبعدما لاحظ باقي أصحاب المتاجر زيادة الإقبال على المتجر، اقتدوا بالتجربة.

هوية إسنا

وخلال عمله في المدينة، لاحظ إبراهيم وفريقه غياب منتجات يدوية تُعبّر عن هوية إسنا، فعمل على صناعة منتجات تذكارية مستوحاة من التراث المحلّي. كما أنشأ ورشة خشب تستلهم أشكالاً وتصميمات من الهوية الإسناوية، ويجري توزيع منتجاتها في متاجر تابعة بالقاهرة أو الأقصر. ويعمل في هذه الورشة عدد من الفتيات والشباب من أبناء المدينة.

معصرة تاريخية في المدينة (الشرق الأوسط)

ويرى مدير شركة «تكوين» أنّ تعاون الوزارات في مشروع إعادة إحياء إسنا من أهم أسباب نجاحه وفوزه بجائزة «الآغا خان» للعمارة. ويؤكد أنّ الحكومة المصرية رصدت ملايين الجنيهات لتطوير البنية التحتية في المدينة لمواكبة مشروع التطوير، لا سيما بعد زيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قبل 10 أشهر.

ويضيف أنّ معايير الترشح إلى الجائزة تجعلها من أهم الجوائز المعمارية في العالم، نظراً إلى استقلاليتها وحرصها على استفادة الجمهور من مشروعات التطوير، بجانب إرسالها مراجعين فنّيين لمعاينة المشروعات على الأرض.


مقالات ذات صلة

فاز بـ«نوبل»... ثم ذهب ليُعدّ وجبات أطفاله

يوميات الشرق تغيَّر اللقب... وبقي الصباح على عادته (أ.ب)

فاز بـ«نوبل»... ثم ذهب ليُعدّ وجبات أطفاله

أمضى الدكتور كارل دايسيروث ساعات طويلة في الردّ على اتصالات التهنئة، بعدما علم في الساعات الأولى من صباح الاثنين بفوزه بجائزة نوبل في الطبّ...

«الشرق الأوسط» (ستانفورد (كاليفورنيا))
يوميات الشرق حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)

كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

ترى كارمن بصيبص أنّ الأعمال المعرّبة تبقى ظاهرة ناجحة ما دامت تحظى بإقبال كبير من المُشاهد العربي.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أعمال كميل سلامة تركت أثرها في ذاكرة المُشاهد اللبناني («فيسبوك» الفنان)

كميل سلامة: تأثّرتُ بجائزة «المونو» لأنها أكّدت أنّ جيلاً جديداً يعرفني

رغم مسيرته الطويلة، يرى كميل سلامة أنّ هناك آخرين من الجيل القديم يستحقون التكريم...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

قال المخرج الروماني فلورين شيربان الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من «لوكارنو السينمائي» إن فيلمه «أنت لا تنتمي إلى هنا» بدأ من سؤال عن العلاقة بين الأب والابن.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق نال «جائزة لجنة التحكيم للشباب» ضمن «جوائز المونو للمسرح» (سامر حنا)

سامر حنا: «جائزة المونو» ستُغيّر تاريخ المسرح في لبنان

يرى سامر حنا أنه منذ عام 2019، تاريخ تخرّجه في أكاديمية الفنون، شَعَرَ أكثر من مرة بالإحباط والخذلان...

فيفيان حداد (بيروت)

متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
TT

متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)

نظم المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، على مدار يومين، فعالية ثقافية وفنية بعنوان «تراث مصري عبر العصور» لإبراز ثراء التراث المصري وتنوع روافده الحضارية، والتعريف بالفنون والحرف التقليدية والمعارف والممارسات المتوارثة عبر الأجيال، وذلك ضمن احتفالات باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي.

وتضمنت الفعاليات التي أقيمت بالتعاون مع مدرسة القلم للخط العربي، و«Matches Artwork»، ومشروع العصر الذهبي، ومرسم الأيقونة القبطية، وبمشاركة نخبة من الفنانين والحرفيين والمبدعين، برامج متنوعة من الورش الفنية الحية والعروض التفاعلية والمعارض التي جمعت بين أصالة التراث والإبداع المعاصر. وشهدت معارض للخط العربي والأيقونات القبطية وفنون الفسيفساء ومستنسخات لوحات المستشرقين وغيرها من الفنون.

مفردات المقهى الشعبي ضمن العروض التراثية (المتحف القومي للحضارة المصرية)

وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، الدكتور الطيب عباس، أن «تنظيم هذه الفعالية يأتي في إطار الدور الثقافي والتوعوي للمتحف في صون التراث الثقافي غير المادي، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة الحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بها». وفق بيان للمتحف.

وأوضحت فيروز فكري، نائب الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف للإدارة والتشغيل، أن «الفعالية تعكس أهمية التعاون بين المؤسسات الثقافية والتعليمية والمجتمعية في الحفاظ على التراث، مؤكدة حرص المتحف على تقديم تجارب تفاعلية تجمع بين المعرفة والممارسة الفنية».

وأشارت نانسي عمار مسؤولة تنظيم الفعاليات بالمتحف، إلى أن البرنامج تضمن مجموعة من الورش والعروض الحية التي استعرضت تطور الفنون والحرف عبر العصور، من بينها ورشة للنحت على الأحجار قدمها الفنان بركات حمزة، مصحوبة بعرض نماذج من التماثيل والمنحوتات المنفذة يدوياً، إلى جانب عرض للحُلي المصنوعة من الخرز والمستوحاة من رموز الحضارة المصرية القديمة ودلالاتها، قدمته الفنانة إنجي ناجد.

وأضافت عمار أن الفعالية شملت أيضاً عرضاً حياً لفن الفسيفساء، الذي ازدهر خلال العصرين اليوناني والروماني، ولا سيما في الإسكندرية، قدمته مجموعة «Tessera»، إلى جانب عرض نماذج فنية مستوحاة من بورتريهات الفيوم، مع التعريف بتقنيات الرسم والخامات المستخدمة فيها. كما تضمنت أنشطة تفاعلية للتعريف بفن الأيقونات القبطية وأساليب تنفيذها، وورشة حية مصحوبة بعرض نماذج فنية تبرز جماليات هذا الفن وأصالته، قدمها فنانو مرسم الأيقونة القبطية تحت إشراف الفنانة دميانة عياد.

ولفتت منار حسن، من إدارة الفعاليات بالمتحف، إلى أن البرنامج تضمن عروضاً للحكي وألعاباً وتجارب تفاعلية للتعريف بفنون العمارة وعلوم الفلك والجغرافيا والأزياء في العصور الإسلامية، بالتعاون مع مشروع العصر الذهبي، إلى جانب ورش لتشكيل وحدات الزخرفة الإسلامية قدمتها الفنانة بسنت عبد الحكيم، وعرض حي لتقنيات حرفتي التطعيم بالصدف والخرط العربي قدمه الفنان صبري صابر.

مستنسخات أعمال المستشرقين ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)

وأضافت أن مشاركة مدرسة القلم للخط العربي أتاحت للزائرين التعرف على أنواع الخطوط العربية وأدواتها، وخوض تجربة عملية للكتابة بالخط العربي.

وفي السياق ذاته، أوضحت الأستاذة جيرمين جورج، من إدارة الفعاليات بالمتحف، أن الفعالية شهدت إقامة معرض فني بالتعاون مع Matches Artwork، ضم مجسمات يدوية لعدد من المعالم المعمارية المصرية، من بينها جامع محمد علي بالقلعة، وقصر البارون، وكنيسة البازيليك، ومكتبة الإسكندرية، نفذها الفنان الدكتور أحمد حسن باستخدام أعواد الثقاب.

ويقول الفنان أحمد حسن لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الفعالية فرصة جيدة ليعرض فنانون مصريون أعمالهم لجمهور المتاحف خصوصاً الأعمال التي تحمل طابعاً تراثياً مميزاً ومناسباً لهذه الفعالية»، ويوضح أنه شارك في الفعاليات بمجموعة من أعماله المصرية التي تضم قصر السكاكيني ومسجد محمد علي بالقلعة وقصر البارون وقصر المنتزه وقطعاً أخرى لآثار لم تعد موجودة مثل فنار الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية القديمة.

وأشار حسن إلى ردود الفعل الكثيرة والمتفاعلة التي حظيت بها الأعمال من قبل الجمهور لمصري والأجنبي على حد سواء، خصوصاً أنه يستخدم خامة غير شائعة عبر النحت أو تصميم القطع الفنية بأعواد الثقاب.

نماذج لمعالم أثرية مصرية بأعواد الثقاب للفنان أحمد حسن (المتحف القومي للحضارة المصرية)

كما تضمن البرنامج عرض لوحات فنية مستوحاة من أعمال المستشرقين، قدمها الفنان محمد جمعة، تجسد ملامح الحياة المصرية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى جانب ركن تعريفي بمظاهر التراث الشعبي المصري، من خلال تجسيد مشهد للمقهى الشعبي باعتباره أحد المكونات المميزة للذاكرة المجتمعية المصرية، وما يعكسه من تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد المتوارثة.

يذكر أن مصر شهدت أكثر من فعالية احتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي كان من أبرزها مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد قبل أسبوع، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية لمدة 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً.


بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
TT

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر، حين رافق عالمة الأحياء البحرية أنجيلا زيلتنر خلال لقاءاتها بالدلافين البحرية، حيث تتبعت حياة إحدى عائلاتها، وهي علاقة صداقة فريدة جعلته يعيد النظر في حدود ما يعرفه عن ذكاء الدلافين واستجابتها للإنسان.

وتحدث بارني ريفيل لـ«الشرق الأوسط»، بمناسبة عرض فيلمه «دلافين: لقاءات قريبة» في الدورة التاسعة من مهرجان «الجونة السينمائي»، قائلاً إن المشروع بدأ عقب عمله مع شركة «سيلفرباك فيلمز» على سلسلة «الحياة على كوكبنا»، التي قدمتها «نتفليكس» بصوت مورغان فريمان.

وكانت الشركة قد تعاونت مع أنجيلا في تصوير مشاهد لأعمال سابقة، لكن تعرف ريفيل على تجربتها عن قرب كشف له حكاية تتجاوز أبحاثها، وتستحق أن تصبح موضوعاً لفيلم مستقل.

ويتتبع الفيلم الوثائقي، المشارك في البرنامج الخاص للمهرجان، عالمة الأحياء البحرية السويسرية أنجيلا زيلتنر، التي قادها شغف الطفولة بالدلافين إلى دراسة مجموعاتها قبالة الغردقة منذ عام 2009، وعبر أرشيف شخصي يتجاوز 400 ساعة ولقطات جديدة تحت الماء، يرافق الفيلم دلافين تعرفت إليها العالمة السويسرية وهي صغيرة ثم شاهدتها تنجب جيلاً آخر، ويرصد سلوكها وصلاتها الاجتماعية، وما يهددها من ضغوط السياحة وخيوط الصيد، فيما تثير لقاءاتها بالعالمة سؤالاً يتردد طوال الحكاية: من يراقب مَن؟

رصد الفيلم جوانب عدة من حياة الدلافين في البحر الأحمر - الشركة المنتجة

وأوضح ريفيل أن سنوات أنجيلا مع الدلافين تمنح مشاهداتها معنى يصعب الوصول إليه في زيارة عابرة؛ فهي تعرف الأم والجدة والصغار من عائلة الدلافين، وتستطيع ربط سلوك تراه اليوم بتاريخ ممتد من العلاقات والمواقف، وبعض الدلافين عرفتها أنجيلا منذ ولادتها، ثم كبرت وأنجبت وهي تواصل متابعتها، ولذلك يشاهد الجمهور أفراداً لكل منها تاريخ في حياتها، وتصبح اللقاءات الجديدة امتداداً لما جمعها بها على مدى سنوات.

وتابع أنه وصل إلى البحر الأحمر متسائلاً عما إذا كانت خصوصية هذه العلاقة حقيقية، أم أن الدلافين تبدي الفضول نفسه تجاه كل من يدخل الماء، لكن المشاهدة غيّرت تصوره؛ فقد كانت تقترب منه أو من المصورين لتستطلع وجودهم، ثم تتجه إلى أنجيلا باستجابة مختلفة. وبدت له بعض اللقاءات شبيهة بتحية صديق، أو بإحضار الصغار للتعرف إليه، مع إدراكه أن هذه أوصاف لما شعر به أمام المشهد، وليست تفسيراً علمياً قاطعاً لسلوكها.

وبيّن أن ما جذبه إلى التجربة هو حدوثها بشروط الدلافين نفسها؛ فلا يمكن استدعاؤها إلى موقع التصوير أو ضمان بقائها، ولا يملك الفريق سوى الانتظار والاستعداد لما قد يحدث، موضحاً أن وضع تصور مسبق للفيلم كان ضرورياً، لكن العمل في الطبيعة فرض عليه إبقاء هذا التصور مفتوحاً، لأن اللقاءات حملت مواقف لم يتوقعها، وأدخلت إلى الحكاية أسئلة لم يكن يستطيع كتابتها قبل النزول إلى الماء.

ترتبط بطلة الفيلم بعلاقة خاصة مع الدلافين (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم نشأ من التقاء مسارين، سنوات أنجيلا السابقة، التي احتفظت بها كاميرتها، وما كان يتكشف أمام فريقه خلال التصوير. وكان عليه أن يجد الصلة بينهما، بحيث يمنح الماضي الجمهور معرفة بالأفراد وعلاقاتهم، ثم يتيح للحاضر اختبار هذه المعرفة وتوسيعه، فالأرشيف يفسر كيف وصلت العالمة إلى هذا القرب، بينما تكشف المشاهد الجديدة أن علاقتها بالدلافين ما زالت تتطور، وأن الحكاية لم تكتمل بعد.

ولفت إلى أن أرشيف أنجيلا يحمل قيمة يصعب تعويضها؛ إذ سجلت معظم لقاءاتها من موقعها هي، فاحتفظت الكاميرا بلحظات حدثت للمرة الأولى، وبطريقة رؤيتها للعالم المحيط بها، أما التصوير الجديد فأتاح مشاهدة العالمة والدلافين معاً، ورؤية ما يجري بينهما من مسافة أوسع، ومن الجمع بين المنظورين أصبح ممكناً الاقتراب من تجربتها الشخصية، ثم تأمل تلك التجربة كما يراها شخص يدخل عالمها للمرة الأولى.

وعن بناء الفيلم حول أنجيلا، قال ريفيل إن تجربتها تمنح الجمهور مدخلاً إلى حياة قد تبدو بعيدة عنه؛ فليس ضرورياً أن يكون المشاهد قد رأى دلفيناً أو زار البحر الأحمر كي يفهم شغفها، أو يتأثر بما تمر به، وحين يتعرف إلى الأفراد الذين تابعتهم، ويدرك ما يعنيه حضورهم في حياتها، تصبح الوقائع التي تخصهم أكثر قرباً، وينشأ الاهتمام بمصيرهم من معرفة ما عاشوه، وما يربط بعضهم ببعض.

مخرج الفيلم بارني ريفيل - (الشرق الأوسط)

وأوضح بارني ريفيل أن صفاء مياه البحر الأحمر وجماله أتاحا التقاط تفاصيل يصعب رؤيتها بهذا الوضوح في مواقع أخرى، حتى إن بعض المشاهد بدت له كلوحات مكتملة، لكن الوصول إلى هذه الصورة ظل محكوماً بقيود الغوص؛ فالوقت المتاح يتوقف على معدات التنفس، وعلى مدة بقاء أنجيلا في الماء، ثم على حضور الدلافين وما تختار أن تفعله خلال الفترة القصيرة التي يجتمع فيها الجميع.

وأشار إلى أن الفريق استعان في بعض المراحل بأجهزة إعادة التنفس لإطالة وقت التصوير، لكن مرافقة أنجيلا، التي تغوص بأسطوانة معتادة، فرضت إيقاعاً مرتبطاً بها أيضاً، وإلى جانب الوقت، كانت حركة الضوء والدلافين والمصور تتغير باستمرار.


سائح كندي خطف فلامنغو يواجه السجن 4 سنوات

لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)
لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)
TT

سائح كندي خطف فلامنغو يواجه السجن 4 سنوات

لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)
لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)

صدر، يوم الاثنين، حُكم بإدانة رجل كندي بتهمة إساءة معاملة الحيوانات، بعدما اختطف طائر فلامنغو يُدعى «بيتشي» من حظيرته في أحد أشهر فنادق لاس فيغاس.

ووصف المدَّعون العامون الحادثة بأنها مقلب خبيث متعمّد، في حين أصرّ محامي السائح على أنها لم تكن سوى حماقة ارتكبها في حالة سُكْر، من دون قصد إيذاء الطائر.

ووفق «الغارديان»، أفاد الادعاء بأنّ السائح ميتشيل فيربارن آذى طائر الفلامنغو التشيلي، البالغ 27 عاماً، وأرعبه، بعدما اختطفه من موطنه في فندق وكازينو «فلامنغو لاس فيغاس»، وحمل الطائر الصارخ إلى غرفته في 3 مارس (آذار). وأبلغ محامي الدفاع جوش تومشيك المحلّفين، خلال المحاكمة في محكمة بولاية نيفادا، بأن موكله يشعر بأسف شديد على «القرارات السيئة» التي اتخذها تحت تأثير الكحول.

وبعد نحو 5 ساعات من المداولات، أصدر المحلّفون حكماً بإدانة الرجل القادم من مقاطعة أونتاريو الكندية بتهمتَي إساءة معاملة الحيوانات، إحداهما جناية والأخرى جنحة.

ولا يزال فيربارن قيد الإقامة الجبرية، في انتظار جلسة النطق بالعقوبة المقرّرة في الأول من ديسمبر (كانون الأول). ويواجه عقوبة بالسجن تصل إلى 4 سنوات عن الجناية، و6 أشهر إضافية عن الجنحة. وعقب صدور الحكم، رفض التعليق لدى مغادرته قاعة المحكمة برفقة زوجته، من دون أن تبدو عليه أي مشاعر واضحة. وامتنع محاميه أيضاً عن التعليق.

وأفادت الطبيبة البيطرية لـ«بيتشي»، المديرة الطبية لمستشفى «لون ماونتن» للحيوانات، تيفاني مور، بأن الطائر خرج من الحادثة من دون أضرار جسيمة تُذكر، لكنه بات يُظهر مزيداً من القلق والتوتّر عند إخضاعه للفحص.

وكان المدّعون العامون قد أبلغوا المحلّفين بأنّ فيربارن تعمَّد إلحاق الألم الجسدي بالطائر، مستشهدين بريش عُثر عليه على أرضية الفندق. وأظهرت مقاطع مصوّرة الطائر وهو يصرخ فيما كان فيربارن يمسك به، وأكد المدّعون أن «بيتشي» شَعَرَ بالألم لدى سحبه من قدميه.

وأظهرت مقاطع الفيديو التي عُرضت خلال المحاكمة فيربارن يحمل الفلامنغو داخل مصعد، ويسير به في أحد ممرات الفندق الشهير. ويُعدّ فندق «فلامنغو» من أقدم فنادق منطقة «لاس فيغاس ستريب»، وتضم حديقته المعروفة طيور الطنان والسلاحف وأسماك الكوي وأنواعاً أخرى من الكائنات.

وكان «بيتشي» قد فَقَدَ بعض ريشه عقب اختطافه.

وتدخَّلت شرطة لاس فيغاس بعدما أبلغ طاقم الأمن عن شخص اختطف الطائر. وعندما عُثر على «بيتشي»، تبيّن أنه فقد ما بين 7 و8 ريشات، وظهرت آثار دم على ريشه وإصابات في جناحيه، وفق السلطات.

وقال محامي الدفاع تومشيك إن اختطاف الطائر كان «تصرفاً أحمق» و«ناجماً عن السُّكْر»، لكنه شدّد على أن موكله لم يقصد قط إيذاء الطائر، وهو عنصر محوري في الجناية المنسوبة إليه.

وأضاف تومشيك: «لم يكن ينبغي له فعل ذلك، ولا الدخول إلى الحظيرة، ولا لمس طائر، ولا اصطحاب (بيتشي) إلى الداخل. والحقيقة أن ميتش كان سكران، وتصرَّف بحماقة، واتخذ قرارات سيئة».

وبدا فيربارن، في إحدى لحظات المحاكمة، مطأطئ الرأس، ويداه تُغطّيان عينيه.

وأوضحت المدعية العامة في مقاطعة كلارك، هايلي ويلمينغ، أن الرجل تلقّى تهديدات بالقتل عقب اختطاف الفلامنغو، ولم يتمكّن من مغادرة الأراضي الأميركية عندما تُوفي والده، في حين كان ينتظر محاكمته. وأقرّت بأن تلك الأحداث كانت مؤسفة، لكنها أضافت: «لما وقع شيء من ذلك لو لم يفعل ما فعله، ولو لم يتّخذ القرارات التي اتّخذها».

وبدأ المحلّفون مداولاتهم قبيل منتصف النهار، عقب المرافعات الختامية صباح يوم الاثنين.

وقال الناشط في مجال حقوق الحيوان بولاية نيفادا، جون وودبي، الذي أسهم أخيراً في تعزيز قوانين الولاية المتعلقة بإساءة معاملة الحيوانات، إنه يعتقد أن العدالة تحقّقت باسم «بيتشي».

وأضاف خارج قاعة المحكمة عقب صدور الحُكم يوم الاثنين: «آمل أن يبعث هذا الحكم برسالة واضحة إلى كلّ مَن تُسوّل له نفسه العبث بحيواناتنا، مفادها أن نيفادا لن تكون مكاناً يُفلت فيه أحد من العقاب».