مصر وفلسطين تفوزان بجوائز «آغا خان للعمارة»

عبر مشروعَي إعادة إحياء «إسنا التاريخية» وتشييد «مجلس العجب»

مدينة إسنا المصرية تتوَّج بجائزة آغا خان (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)
مدينة إسنا المصرية تتوَّج بجائزة آغا خان (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)
TT

مصر وفلسطين تفوزان بجوائز «آغا خان للعمارة»

مدينة إسنا المصرية تتوَّج بجائزة آغا خان (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)
مدينة إسنا المصرية تتوَّج بجائزة آغا خان (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)

أعلنت جائزة «آغا خان للعمارة»، أسماء المشروعات الفائزة في الدورة الـ16 (2023 - 2025)، وكان لمصر وفلسطين نصيب من بين المشروعات السبعة الفائزة. واختارت لجنة التحكيم العليا المستقلة الفائزين بعد دراسة المراجعات الميدانية للمشروعات المدرجة في القائمة القصيرة، التي أُعلن عنها في يونيو (حزيران) الماضي.

ووفق إدارة الجائزة، فإن المشروعات الفائزة تستكشف قدرة العمارة على أن تكون عاملاً محفزاً للتعددية، ومرونة المجتمع، والتحوّل الاجتماعي، والحوار الثقافي، والتصميم المستجيب للمناخ.

وسيتقاسم الفائزون السبعة جائزة بقيمة مليون دولار أميركي، وهي من بين أكبر الجوائز في مجال العمارة عالمياً، وتنعقد كل 3 سنوات.

مدينة إسنا جنوب مصر (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)

وفاز من مصر مشروع «إعادة إحياء مدينة إسنا التاريخية»، -مدينة تتبع محافظة الأقصر جنوب مصر- تصميم شركة «تكوين للتنمية المجتمعية المتكاملة»، وهو مشروع يتصدى لتحديات السياحة الثقافية عبر تدخلات مادية، ومبادرات اجتماعية اقتصادية، واستراتيجيات حضرية مبتكرة.

وحوّل التصميم موقعاً مهملاً مدينةً تاريخية مزدهرة، وقد أقرَّت لجنة التحكيم بالسبل التي اعتمدها المشروع في تحفيز الدورة الحيوية العمرانية بما يمكّنه من مواجهة التحديات المعاصرة الرامية إلى تحسين شروط الحياة الإنسانية.

وأعرب كريم إبراهيم، مدير شركة «تكوين» المصرية، عن سعادته البالغة بالفوز بالجائزة، وعدّه «فوزاً صعباً وتتويجاً لمصر ككل وليس لشركته فقط ولأهالي إسنا الذين آمنوا بفكرة التطوير وتحمسوا إليها».

وقال إبراهيم في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الترشح للقائمة القصيرة للجائزة التي تقام كل 3 سنوات يعدّ تتويجاً في حد ذاته، لا سيما وأن مصر لم يصل منها مشروعات إلى القائمة القصيرة للجائزة منذ نحو 20 عاماً؛ لذلك فإن الفوز بالجائزة يُعدّ إنجازاً كبيراً ودافعاً على العمل في مشروعات تنموية جديدة»، مشيراً إلى «أن مصر يوجد بها مدن وقرى كثيرة تستحق أن يعاد إحياء تراثها».

وكالة الجداوي الأثرية بإسنا (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)

وأوضح إبراهيم أن «العمل على مشروع تطوير مدينة إسنا التاريخية بدأ قبل ثورة يناير (كانون الثاني) من عام 2011، لكنه توقف بسبب الإضرابات السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد عقب تلك الفترة قبل أن يعاد ويستكمل بفضل دعم الحكومة المصرية».

«مجلس العجب»

وفي فلسطين، فاز مشروع إنشاء «مجلس العجب»، ببيت لحم، تصميم (AAU) أنسطاس، وهو عبارة عن مساحة عرض وإنتاج غير ربحية، شُيّدت بمساهمة من الحرفيين والمقاولين المحليين، لتصبح محوراً أساسياً للحِرف والتصميم والابتكار والتعلم.

مشروع «مجلس العجب» بفلسطين (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)

ورأت لجنة التحكيم أن المبنى يقدم نموذجاً لـ«عمارة الوصل»، المتجذرة في التعبيرات المعاصرة عن الهوية الوطنية، والمؤكدة على أهمية الإنتاج الثقافي بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة، وفق تعبير إدارة الجائزة.

بنغلاديش

وفاز كذلك مشروع «خودي باري» في بنغلاديش بالجائزة، وهي مواقع مختلفة تصميم شركة «مارينا تبسم للهندسة المعمارية»، ورأت إدارة الجائزة أن هذا الحل القابل للتكرار، والمبني من الخيزران والفولاذ، استجابة موجهة لصالح المجتمعات النازحة المتأثرة بالتغيرات المناخية والجغرافية. وقد أشادت لجنة التحكيم بالإطار البيئي العميق للمشروع، وبإسهامه في تعزيز الاستخدام العالمي للخيزران مادةً بنائية.

مشروع مركز قرية ووست ووسوتو المجتمعي بالصين (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)

وفي الصين، فاز مشروع مركز قرية ووست ووسوتو المجتمعي، من تصميم شركة «منغوليا الداخلية الكبرى للتصميم المعماري المحدودة»، حيث تم تشييد المركز باستخدام الطوب المعاد تدويره.

مجمع مجرة

وفاز من إيران مشروعان، الأول «مجمع مجرة»، بجزيرة هرمز، تصميم شركة «زاف للعمارة» وهو مجمع ملون تعكس قبابه تربة الجزيرة الغنية بالمغرة (اللون الأصفر الترابي)، والآخر مشروع میدان مترو جهاد في طهران، تصميم استوديو (KA) للعمارة – وهو عبارة عن محطة متداعية سابقاً تحوّلت عقدةً حضرية نابضة بالحياة للمشاة.

«مجمع مجرة» بجزيرة هرمز الإيرانية (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)

وتوّجت باكستان بالجائزة السابعة عبر مشروع «رؤية باكستان»، في إسلام آباد، تصميم استوديوهات «دي بي»، وهو مرفق متعدد الطوابق، يتميز بواجهات مبهجة مستوحاة من الحِرف الباكستانية والعربية، ويحتضن جمعية خيرية تهدف إلى تمكين الشباب المحرومين عبر التدريب المهني. وقد أشارت لجنة التحكيم إلى أن المبنى لا يوفر فقط نوعاً جديداً من التعليم، بل يتميّز أيضاً بفيض من الضوء، وبتنظيم فراغي مشوّق، وكفاءة اقتصادية عالية.

ومن المقرر أن يقام حفل توزيع جوائز الدورة السادسة عشرة في قاعة الفيلهارمونية الوطنية بجمهورية قيرغيزستان، في 15 سبتمبر (أيلول) الحالي، ولن تقتصر الجائزة على تكريم المعماريين فحسب، بل ستشمل أيضاً البلديات، والبناءين، والجهات المالكة، والحرفيين المتمرسين والمهندسين الذين أدوا أدواراً محورية في إنجاز المشروعات.

ووفق إدارة الجائزة، فإن «إلهام الأجيال الشابة للبناء بعناية بيئية، ومعرفة، وتعاطف، من بين أعظم أهداف هذه الجائزة».

وتأسست جائزة «آغا خان للعمارة» عام 1977 من قِبل الأمير كريم آغا خان الرابع بهدف تحديد وتشجيع المفاهيم المعمارية التي تلبي بنجاح احتياجات وتطلعات المجتمعات التي يتمتع المسلمون فيها بحضور كبير.

تطلعات ثقافية

وتُركّز عملية اختيار الجائزة على العمارة التي لا تكتفي بتلبية الاحتياجات المادية والاجتماعية والاقتصادية للناس فحسب، بل تحفّز أيضاً تطلعاتهم الثقافية وتستجيب لها. وعلى مدار الدورات الـ16 الماضية للجائزة، تم تكريم 136 مشروعاً، وتوثيق ما يقرب من 10 آلاف مشروع بناء.

وقال فرخ درخشاني، مدير جائزة «آغا خان للعمارة»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «تضع جوائز آغا خان في الحسبان منذ تأسيسها قبل نحو نصف قرن المشاكل والهموم المعاصرة؛ لذلك من الضروري جداً أن تستجيب لأسئلة الناس اليوم ولآمالهم».

وبسؤاله عن أسباب استمرار الجائزة على مدار كل تلك السنوات واحتفاظها ببريقها بين المعماريين، قال: «إنها تسير على الدرب نفسه الذي أرساه الأمير كريم آغا خان، فعند تأسيس الجائزة أشرف هو شخصياً على خلق المنظومة التي تضمن بقاء الجائزة على حالها، ورعاها لضمان أنها ستبقى مهمة لزمن طويل وليس لبضع سنوات».

لا يفضل درخشاني استخدام تعبير «العمارة الإسلامية»، ويتحمس أكثر لاستخدام تعبير «عمارات المجتمعات المسلمة»، موضحاً: «هي عمارات لطالما كانت موجودة في المجتمعات المسلمة أو ذات الأغلبية المسلمة، واليوم، أكثر من أي وقت مضى، هناك مسلمون يعيشون مع آخرين. لذلك؛ أفضل طريقة لتوصيف ذلك هي الحديث عن العمارة التي تناسب المجتمعات المسلمة، لأنهم مستخدمو هذه العمارة».

وأكد: «التركيز في هذه الدورة تحديداً على مفهوم التفاؤل... التفاؤل بمستقبل أفضل سنفكر به بأنفسنا، ونحن مؤمنون أن مستقبلنا سيكون أفضل».

وكشف درخشاني عن أنه تم «اختيار المشروعات الفائزة من بين 369 مشروعاً من أكثر من سبعين دولة حول العالم، وهي مشروعات مختلفة الأنماط، من الأبنية العالية إلى العمارة الواسعة كالحدائق، والتنمية الحضرية والترميم إلى الأبنية الصغيرة، والبيوت الصغيرة، ومراكز التسوق، والمعامل وكل أنواع المشروعات، وكان على لجنة التحكيم الاختيار منها جميعاً، وكان الضروري بالنسبة لها المقاربة، أي كيف تعامل المعماريون مع مشكلة أو حاجة معينة في المجتمع، وكيف كانت جودة هذا التعامل أو هذه المقاربة».

میدان مترو جهاد في طهران (إدارة جائزة آغا خان للعمارة)

ويضيف: «من الضروري جداً أن نرى أن دور المعماري يكمن في رؤية السياق الذي يعمل فيه، وأن يفهمه وأن يفهم آمال هذا المجتمع وأن يقترح حلولاً؛ لذلك كان من الصعب جداً على لجنة التحكيم رؤية كل ذلك، لكنهم تمكنوا من اختيار 19 عملاً للقائمة القصيرة، وبعد ذلك أرسلنا خبراء تأكدوا من جميع المعلومات التي وصلتنا حول كل المشروعات، وعندما عادوا اضطرت لجنة التحكيم إلى اختيار الأعمال الفائزة، وهذا كان صعباً جداً؛ لأن جميع المشروعات الـ19 كانت جيدة».

ويذكر أن، جائزة آغا خان للعمارة (AKAA) هي أحد برامج صندوق آغا خان للثقافة، التابع لشبكة آغا خان للتنمية (AKDN)، وتعمل الشبكة اليوم في أكثر من 30 دولة، في مجالات التعليم، والصحة، والزراعة، والأمن الغذائي، وحماية البيئة، والفنون والموسيقى، والعمارة، والتخطيط الحضري، وصون التراث الثقافي.

وتوظف شبكة آغا خان للتنمية ما يقرب من 96 ألف شخص، معظمهم في البلدان النامية، وتبلغ نفقاتها السنوية على الأنشطة التنموية غير الربحية نحو مليار دولار.


مقالات ذات صلة

مَن سيفوز ومَن سيخسر جوائز الأوسكار؟

يوميات الشرق بول توماس أندرسون يدير ليوناردو دي كابريو في «معركة تلو الأخرى» (وورنر)

مَن سيفوز ومَن سيخسر جوائز الأوسكار؟

حفل الأوسكار يُقام على إيقاع الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ومن المتوقَّع أن تُلقى كلمات حول هذا الموضوع.

محمد رُضا (لندن)
شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول إمام أوغلو في أحد التجمعات لدعمه عقب اعتقاله في مارس 2025 (حزب الشعب الجمهوري - «إكس»)

تركيا: إمام أوغلو يحصل على جائزة دولية للديمقراطية

حصل رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، على جائزة باويل أداموفيتش الدولية، التي تعدّ رمزاً للديمقراطية والكرامة الإنسانية والرغبة في العيش المشترك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
يوميات الشرق خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو وماجدة داغر (الشرق الأوسط)

«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

عدا الجائزة المالية، فإنّ الرابحين الثلاثة الأوائل ستكون لهم عقود تضمن جولات في المدن الكبرى، تُعزّز مكانتهم الموسيقية في العالم...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جمانا الراشد مع النجمتين الفائزتين وهيلين هوني وشيفاني باندايا - مالهوترا (غيتي - بإذن المهرجان)

هند صبري وعليا بات تُتوَّجان في «البحر الأحمر» بجوائز «غولدن غلوب» العالمية

الجائزتان تُضيئان على إنجازات ألمع المواهب الإبداعية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا وشمال أفريقيا

«الشرق الأوسط» (جدة)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»