بيروت غنَّت مع عمرو دياب: ليلة للأجيال والذاكرة

أمسية كبرى على أنغام أغنيات عَبَرت من التسعينات إلى 2025

من «قمرين» إلى «خطفوني»... مسافة عُمر تعبرها حنجرة واحدة (الجهة المنظّمة)
من «قمرين» إلى «خطفوني»... مسافة عُمر تعبرها حنجرة واحدة (الجهة المنظّمة)
TT

بيروت غنَّت مع عمرو دياب: ليلة للأجيال والذاكرة

من «قمرين» إلى «خطفوني»... مسافة عُمر تعبرها حنجرة واحدة (الجهة المنظّمة)
من «قمرين» إلى «خطفوني»... مسافة عُمر تعبرها حنجرة واحدة (الجهة المنظّمة)

في البداية، قد يخطُر في البال أنّ الأبيض الذي طُلِب من الحاضرين ارتداؤه في حفل عمرو دياب الثالث في بيروت مجرّد فكرة مُستهلَكة، درجت في حفلات سابقة وفقدت وهجها، أو ربما فيها شيء من «التفاخُر» بفرض زي موحَّد على الجمهور. غير أنّ ظهور الفنان المصري نفسه مرتدياً الأبيض، ومعه كلّ عازفي فرقته، بدَّد سريعاً هذا الانطباع. بدا الأبيض هنا رغبة في التوحُّد مع الآتين من أجله، وخَلْق لحظة جامعة تبدأ من اللباس، ولا تنتهي إلا حين تختلط الأصوات والأنفاس في وحدة الحناجر.

كلّ خطوة على المسرح تقول إنّ العمر حياة وليس سنوات (الجهة المنظّمة)

الآلاف بالأبيض، كأنّه عرسٌ جماعي لبيروت، أو احتفالٌ بحياتها التي تصرّ أن تبقى حيّة، مهما اشتدّت عثراتها.

الأبيض بدا هذه المرة أبعد من مجرَّد لون؛ إذ تحوَّل إلى استعارة عن البدايات، وعن رغبة مدينة تعرف أنّ الغد غير مضمون، لكنها تصرّ على أن تعيش لحظتها كاملة. الأبيض هنا كان وعداً بالنقاء وسط الضجيج، ورغبة في خَلْق فسحة من الصفاء، في مدينة اعتادت أن ترتدي الأسود في محطّات كثيرة من تاريخها.

حين تتوحّد الأصوات يغدو الأبيض لغةً جماعية (الجهة المنظّمة)

على الواجهة البحرية، حيث تلتقي المدينة بالبحر وبقَدَرها المُعلّق بين الأمل والخيبة، كان المشهد مهيباً. بيروت التي عاشت هذا الصيف مهرجانات صاخبة، عادت مساء السبت لتُثبت أنها تعرف كيف تَهِب ليلَها إشراقاً من شمس لا تغيب. بدت كأنها تُعلن أمام العالم أنها، رغم جراحها، ما زالت مدينة قادرة على الفرح؛ لا تنتظر مناسبة لتُثبت ذلك، وإنما تصنعه بنفسها.

بيروت ترقص مثل عروس في ليلها (الجهة المنظّمة)

نظّمت شركة «فنتشر لايف ستايل» لصاحبها ربيع مقبل حفلاً يليق بالأضخم: ديكور واسع، شاشات عملاقة، إضاءة وألعاب نارية، وأجواء لا تهدأ. كلّ شيء كان مُعَدّاً ليُشعر الجمهور أنه في قلب حدث استثنائي، وليس حفلاً عادياً على الإطلاق.

دخل عمرو دياب المسرح وسط عدّ تنازلي من 10 ثوانٍ، مُبدّداً في لحظة انتظاراً امتدّ لدى البعض لساعات. منذ السادسة مساء، بدأ الحضور يتوافدون، واقفين أكثر من جالسين. وعند العاشرة والنصف ليلاً، حين أطلّ، تحوّل انتظارهم إلى رقص وغناء وقفزات لا تتوقّف، كأنّ اللقاء نفسه يكفي ليجعل الناس ينسون تعبهم وحرَّ الصيف. ومع بدء الحفل، بدا كأنّ المدينة نفسها تنفَّست، وأنّ بيروت التي تحيا على وَقْع المفاجآت عرفت كيف تلتقط نَفَساً جماعياً مع موسيقاه.

هتافات الشباب دليل على أنّ الأغنية لا تعرف جيلاً واحداً (الجهة المنظّمة)

غنَّى الجديد والقديم. وحين سأل إنْ كان ألبومه الأخير قد وصل إلى الحاضرين، ارتفعت الأصوات تُردّد أغنياته. بدا عمرو دياب هذه المرة كأنه يمنح شيئاً من ذاته، ولا يُغنّي فقط. يتنقَّل بخفّة على المسرح، ليؤكد مع كلّ حركة أنّ العمر يُقاس بالقدرة على الإشعاع، والفنان حين يظلّ متصلاً بالناس يبقى عصيّاً على الذبول.

حين يُغنّي عمرو دياب تصبح الذاكرة جسراً بين الأجيال (الجهة المنظّمة)

الوجوه من جميع الأعمار، والغالب كان جيل الشباب. مراهقون حفظوا أغنيات وُلدت قبلهم بسنوات، وردّدوها كما لو كانت تخصّهم. وفي جانب آخر، كان الكبار يستعيدون شيئاً من زمنهم الخاص؛ من سنوات الجامعة، أو من ليالٍ رافقهم فيها صوته في الحبّ والفقد والرحيل. هذه اللحظة الجامعة بين الأجيال جعلت الحفل أكثر من مناسبة فنّية. جعلته برهاناً على قدرة الموسيقى وحدها على ردم الفجوات الزمنية، وعلى أنّ الفنان الذي تحفظ صوته الأجيال المتعاقبة، يبقى أكبر من زمنه.

في حفل عمرو دياب تُمحى الحدود بين الأمس واليوم (الجهة المنظّمة)

هذا أحد أسرار عمرو دياب. إنه مغنّي أجيال، يعبُر الزمن من «ما تخافيش»، و«قمرين»، و«تملّي معاك»، و«هي عاملة إيه»، إلى «خطفوني»، في 2025، التي افتتح بها السهرة وختمها. قليلون ينجحون في أن يكونوا صوتاً أكثر من زمن واحد، ودياب أبرز هؤلاء القلّة. وبينما يُغنّي، يُقدّم أيضاً لحظة مشتركة يعيشها جمهور واسع يجد نفسه فيها.

وحين التفتَ إلى أغنياته القديمة، أخبر الجَرْف البشري أنه يُعيدهم إلى الوراء؛ إلى لحظات من ذاكرتهم الشخصية. هنا يكمُن الرابط السحري بين الفنان وجمهوره: النوستالجيا التي تُرجع الحاضر إلى الماضي، وتجعل الحفل حدثاً يتجاوز آنيته ليصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية. في تلك اللحظة بدا جلياً تحوُّل الأمسية إلى مساحة شعورية تُعيد الناس إلى أماكن ووجوه وأوقات مضت.

الجمهور موجٌ لا يهدأ (الجهة المنظّمة)

وعند منتصف الليل، كانت الألعاب النارية تُزيّن سماء بيروت، والمدينة لا تزال ترقص. الشوارع امتلأت بزحمة كأنها في عزّ النهار، فيما الناس يغادرون الحفل، وهم يواصلون الغناء. كانت بيروت تلك الليلة تحتفل بذاتها، وتؤكد أنّ الحياة فيها أقوى من الموت، وصوتاً واحداً قادر أن يُعيد إليها صورتها التي تستحق.

في النهاية، بدا الأبيض الذي ارتداه الجميع أشبه بإعلان جماعي: أنّ بيروت، مثل عمرو دياب، تعرف كيف تتجدَّد، وكيف تقول في مواجهة كلّ الانطفاءات. إنها عصيّة على الغياب.


مقالات ذات صلة

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
يوميات الشرق المخرج أشرف فايق يعلن انسحاب الوفد المصري (حسابه في فيسبوك)

خلاف بين مخرج مصري وإدارة «مهرجان نينوى» يثير الجدل حول مشاركة النجوم

أكدت إدارة المهرجان اعتزازها بمشاركة الفنانين المصريين في دورتيه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من «المواطن أسامة» (فيلكام)

في ختام مهرجان تورنتو: 430 فيلماً وعشرة أعمال تستحق المشاهدة

يصل مهرجان تورنتو السينمائي، اليوم (الأحد)، إلى ختام دورته الحادية والخمسين، في نسخة استثنائية يصعب وصفها إلا بأنها أكبر من قدرة حتى أكثر عشاق السينما شغفاً…

محمد رُضا (تورنتو - كندا)
يوميات الشرق نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام».

سوسن الأبطح (بيروت)
شؤون إقليمية رسم على جدار في أسدود بجنوب إسرائيل يصور مخرجَيْ فيلم «نازا» وقد كُتبت عليهما كلمة «خائنان» بالعبرية (رويترز)

الغضب الإسرائيلي من فيلم «نازا»... هل يستطيع دفن معلوماته الصادمة؟

تعهَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسن قانون يقضي بإسقاط الجنسية عن كل من يشوه سمعة جنود إسرائيل وبتكبيده خسائر مالية فادحة.

نظير مجلي (تل أبيب)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.