الأميرة ديانا بالنسخة العربية... على خُطى «الليدي دي» من الرياض إلى القاهرة

الأميرة ديانا في زيارات إلى مجموعة من الدول العربية (وكالات - منصات التواصل الاجتماعي)
الأميرة ديانا في زيارات إلى مجموعة من الدول العربية (وكالات - منصات التواصل الاجتماعي)
TT

الأميرة ديانا بالنسخة العربية... على خُطى «الليدي دي» من الرياض إلى القاهرة

الأميرة ديانا في زيارات إلى مجموعة من الدول العربية (وكالات - منصات التواصل الاجتماعي)
الأميرة ديانا في زيارات إلى مجموعة من الدول العربية (وكالات - منصات التواصل الاجتماعي)

قبل 5 سنوات على رحيلها، وقفت الليدي ديانا قبالة أهرامات الجيزة هامسةً للمحيطين بها بأنّ المشهد «يقطع الأنفاس». حدث ذلك عام 1992 يوم قامت «أميرة الشعب» برحلتها الأخيرة إلى بلدٍ عربيّ خلال حياتها القصيرة إنما الحافلة بالترحال وبناء الجسور مع الآخر، أياً كانت هويته أو لغته أو ديانته.

الأميرة ديانا أمام أهرامات الجيزة خلال رحلتها إلى مصر عام 1992 (فيسبوك)

الأميرة ديانا... محبوبة المصريين

استمرت رحلة ديانا إلى مصر حينذاك 6 أيام، زارت خلالها معبد إيزيس في أسوان، ومعبد الكرنك ووادي الملوك في الأقصر. كما كان لها مرور على جامع الأزهر وعلى المتحف الوطني في القاهرة، حيث استوقفتها الآثار الفرعونيّة، لا سيّما تلك الخاصة بتوت عنخ آمون.

الأميرة ديانا في جامع الأزهر بالقاهرة عام 1992 (فيسبوك)

اليوم، وبعد انقضاء أكثر من 30 عاماً على تلك الزيارة التاريخية، ما زالت بعض وكالات السفر المصرية تعرض على السيّاح برنامجاً يتيح لهم السير على خطى الأميرة ديانا، وزيارة الأماكن ذاتها التي جالت عليها.

إلا أنّ الرحلة لم تقتصر على السياحة الثقافية فحسب، إذ حرصت ديانا على إيجاد متّسعٍ من الوقت لأكثر ما تحبّ، أي النشاطات الإنسانية. فكانت لها محطات في مركز لعلاج الأطفال المصابين بالشلل، وفي مدرسة للمكفوفين. رافقها في تلك الرحلة المصرية المصوّر الملكيّ أنور حسين بعدسته، متحدّثاً في وقتٍ لاحق عن فرحٍ في عينَيها امتزج بالحزن. ففي تلك الآونة كانت الأميرة ديانا بصدد إنهاء إجراءات الطلاق من الأمير تشارلز.

الأميرة ديانا في وادي الملوك بالأقصر (فيسبوك)

تركت تلك الزيارة أثراً في قلوب المصريين الذين تضاعف حبهم للأميرة، وقد برز ذلك عقب وفاتها عام 1997، حيث غصّت الطرق المؤدية إلى السفارة البريطانية في القاهرة بالمعزّين، كما أوقفت القنوات المصرية برامجها لتنقل وقائع جنازتها الأسطورية من لندن؛ لا سيّما أن حبيبها الذي توفّي معها كان رجل الأعمال المصري دودي الفايد.

9 أيام في الخليج

قبل مصر، كانت للأميرة ديانا محطات عدة في العالم العربي. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 1986، حلّت للمرة الأولى ضيفةً على منطقة الشرق الأوسط. رافقت زوجها الأمير تشارلز في زيارة رسمية إلى الخليج استمرت 9 أيام وشملت المملكة العربية السعودية، وعُمان، والبحرين، وقطر. كانت في الـ25 من عمرها آنذاك وقد تركت طفلَيها ويليام وهاري في بريطانيا، لتقوم بتلك الزيارة التي عرّفت الشرق الأوسط عليها من كثَب.

الأميرة ديانا والملك سلمان بن عبد العزيز في الرياض عام 1986 (إكس)

في المملكة العربية السعودية، حلّ الثنائي البريطاني بضيافة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، الذي أقام مأدبة عشاء على شرفهما، وقد التقيا خلال الزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز الذي كان حينها أمير منطقة الرياض.

شملت المحطة السعودية كذلك زيارة إلى منطقة الثمامة الصحراوية شمال العاصمة، حيث اطّلعت ديانا على تقاليد البلاد، وتناولت طعام الفطور في الصحراء، كما زارت كذلك «قصر المصمك» التاريخي وسط العاصمة. أما في ميناء جدّة فكان كذلك استقبال رسمي لهما.

ديانا تحتسي القهوة السعودية على الطريقة التقليدية (إكس)

أما في مملكة البحرين فزارت الأميرة ديانا مسجد الفاتح، وشاركت برفقة زوجها في مجموعة من المآدب الرسمية التي أُقيمت على شرفهما من قبل الأمير الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة. وقد ارتدت ديانا إلى إحدى تلك المآدب فستاناً أبيض من تصميم إليزابيث وديفيد إيمانويل، بيع عام 2018 ضمن مزاد مقابل 130 ألف دولار.

بيع الفستان الذي ارتدته ديانا خلال زيارة البحرين في مزاد مقابل 130 ألف دولار (إكس)

في سلطنة عُمان، كانت المحطة الخاصة على قمّة قرية سيق في منطقة الجبل الأخضر، حيث وقفت الأميرة ديانا متأمّلةً المشهد الخلّاب. وتيمّناً بها أُطلق اسمُها على المكان فبات يُعرف بـ«نقطة ديانا» التي يقصدها السيّاح للسير على خطاها. أما الجزء الرسمي من الزيارة، فنال اهتماماً خاصاً من السلطان قابوس بن سعيد، الذي استقبل ديانا وتشارلز وأقام مآدب على شرفهما. كما زارت الأميرة جامعة السلطان قابوس، و«جمعيّة المرأة العُمانية».

الأميرة ديانا برفقة السلطان قابوس بن سعيد في عُمان عام 1986 (إكس)

شملت الجولة الخليجيّة كذلك إمارة قطر، حيث استُقبل تشارلز وديانا من قِبَل الأمير الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني. تخللت الزيارة محطة للأميرة في إحدى المدارس التي تعتمد المنهاج الإنجليزي، كما شاهد الثنائي سباق الجمال التقليدي في صحراء مجاورة للعاصمة الدوحة.

تلك الجولة الخليجية واكبتها الصحافة البريطانية بتفاصيلها، وقد أطلقت على أثرها لقب «ملكة الصحراء» على الأميرة ديانا.

الأميرة ديانا خلال زيارتها الصحراء في العاصمة القطرية الدوحة (إنستغرام)

ديانا تكرر التجربة الخليجيّة

في دلالةٍ على عمق الروابط بين المملكة المتحدة والمنطقة العربية، لم يتأخر الثنائي البريطاني في تكرار التجربة الخليجية. عام 1989، وبعد 3 سنوات على الجولة الأولى، وصل تشارلز وديانا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. هناك كان اللقاء مع مؤسس الدولة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وقد تخلّلت الرحلة زيارتان إلى كلٍ من إمارتَي أبوظبي ودبي، إضافةً إلى محطة في إمارة العين حيث شاهدت الأميرة سباقاً للجمال. لم تنسَ ديانا القضايا الإنسانية، فوجدت متسعاً من الوقت لزيارة مؤسسة تعليمية تُعنى بالأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.

إطلالة الأميرة ديانا في الإمارات العربية المتحدة عام 1989 (إنستغرام)

المحطة الثانية والأخيرة من تلك الجولة كانت في الكويت، حيث استقبل تشارلز وديانا الأمير الشيخ جابر الأحمد الصباح في «قصر بيان». وإلى جانب مشاركتها في المآدب الرسمية، زارت ديانا المتحف الإسلامي وأمضت بعض الوقت مع الأطفال في «الجمعيّة الكويتية لذوي الاحتياجات الخاصة».

الأمير تشارلز والأميرة ديانا خلال زيارتهما الكويت عام 1989 (إنستغرام)

انقضت 3 عقود تقريباً على رحيل ديانا، إلا أنّ بصماتها ما زالت تُحفَر في العالم عموماً وفي المنطقة العربية خصوصاً. فأثرُها ليس محصوراً بمواقع سياحية عربية تحمل اسمها، ولا بإطلالاتٍ أنيقة دخلت تاريخ الموضة.

انسحبَ تبنّيها قضية نزع الألغام على منطقة الشرق الأوسط، ومن خلال منظّمة «هالو ترست» التي دعمتها لهذه الغاية، تخلّصت بلادٌ عربية كثيرة من مخاطر الألغام ومن بينها العراق، والضفة الغربية، وسوريا، وليبيا، واليمن.

تتجدّد ذكراها سنوياً كذلك، كلما مُنحت «جائزة ديانا» إلى شابات أو شباب يجهدون من أجل إحداث تغيير إنساني إيجابي في مجتمعاتهم، على غرار ما فعلت هي خلال سنواتها الـ16 بصفتِها «أميرة الشعب».


مقالات ذات صلة

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

يوميات الشرق في «Swan Song» يكشف تشارلز سبنسر عن أسرار كثيرة في الحياة الخاصة لشقيقته (رويترز) p-circle 01:37

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

«أغنية البجعة»، كتابٌ يتصدّر المبيعات حالياً في بريطانيا وحول العالم لما فيه من خفايا عن حياة الأميرة ديانا، يكشف عنها الكاتب وهو شقيقها تشارلز سبنسر.

كريستين حبيب ( بيروت)
يوميات الشرق ديانا أميرة ويلز تظهر في هذه الصورة الأرشيفية خلال زيارتها باريس 11 نوفمبر 1988 (رويترز)

واقعة أغضبت الملكة إليزابيث من الأميرة ديانا... ما قصة تسريحة الشعر وتاج سبنسر؟

مصفف شعر ديانا، ريتشارد دالتون، صفف شعرها في هيئة «شينيون»، وهي كعكة شعر تُثبت عند أسفل العنق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق نسخ من كتاب تشارلز سبنسر شقيق الأميرة ديانا تظهر في مكتبة بلندن (رويترز) p-circle

كتاب شقيق ديانا... انتقادات لإليزابيث واتهامات تطول تشارلز

في كتاب يصدر، الثلاثاء، ويثير ضجة إعلامية منذ أيام، يصفّي تشارلز سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، حساباته مع العائلة الملكية البريطانية، لا سيما مع الملك تشارلز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري مع والدته الأميرة ديانا (أرشيفية - أ.ب)

الأمير هاري يخطط لإنتاج فيلم وثائقي عن والدته

كشف تقرير نشرته صحيفة «تلغراف» البريطانية عن أن الأمير هاري يخطِّط لإحياء الذكرى الـ30 لوفاة والدته، الأميرة ديانا، من خلال إنتاج فيلم وثائقي عنها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (أ.ب)

شقيق ديانا: التعامل الإعلامي مع هاري وميغان يذكّر بما حدث مع والدته

صرَّح إيرل سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، بأن الطريقة التي تتعامل بها وسائل الإعلام مع الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل تحمل «أصداءً» لما حدث لشقيقته الراحلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.