الحر يتغوّل… لكن التكييف ليس خيراً مطلقاً

خبراء دوليون يرصدون فوائد وأضرار جهاز التبريد

مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)
مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)
TT

الحر يتغوّل… لكن التكييف ليس خيراً مطلقاً

مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)
مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)

في القرن التاسع عشر، وفي أثناء تفشي وباء السل، كان الأطباء ينصحون الناس بفتح النوافذ والخروج إلى الهواء الطلق هرباً من «الهواء الفاسد» داخل البيوت. وبعد عقود، وتحديداً في ستينات القرن الماضي، انتشرت أجهزة التكييف حول العالم، لتجعل البقاء في الداخل أكثر راحة وجاذبية. واليوم، يمكن القول إننا أصبحنا جزءاً مما يُعرف بـ«جيل الداخل»، إذ نقضي معظم أيام الصيف محتمين خلف الجدران، معتمدين على أجهزة التبريد كملاذ من الحر الشديد، وسط موجات الطقس القاسي التي تجتاح مناطق واسعة من العالم كل صيف.

ولا شك أن أجهزة التكييف أنقذت ملايين الأرواح، فهي وسيلة فعّالة لتفادي ضربات الشمس وموجات الحر القاتلة؛ بل وحتى لتقليل التعرّض لتلوث الهواء الخارجي. لكن، في المقابل، يبرز سؤال مهم: هل التكييف خير مطلق، أو أن لهذا الاعتماد المفرط عليه ثمناً خفياً يمكن أن ندفعه من صحتنا وسلامة كوكبنا في صيف يزداد حرارة عاماً بعد عام؟

وأعلنت إدارة الصحة في مدينة نيويورك، الاثنين، عن انتشار داء عبر أجهزة التكييف أدى لوفاة 5 أشخاص، ونقل 14 آخرين إلى المستشفى بعد إصابتهم بداء «الفيالقة»، وتم تأكيد إصابة 108 أشخاص آخرين بهذا الداء التنفسي في حي هارلم فقط.

رجل يتفحص عدداً من مكيفات الهواء المعروضة داخل متجر في مدينة نيودلهي الهندية (رويترز)

مخاطر صحية

تقول الدكتورة بريمروز فريستون، أستاذة علم الأحياء الدقيقة السريري في جامعة ليستر البريطانية، إن وظيفة أجهزة التكييف تقوم على ضخ الهواء البارد وضبط مستويات الرطوبة، إلا أن ذلك يجعل الهواء الداخلي أكثر جفافاً من الهواء الخارجي. ومع البقاء طويلاً في بيئة منخفضة الرطوبة، تُصاب الأغشية المخاطية للأنف والحلق بالجفاف؛ ما يقلل من فاعليتها في طرد البكتيريا والفطريات، ويزيد احتمالية الإصابة بالتهابات عميقة مثل التهاب الجيوب الأنفية.

وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «دراسات سابقة أجريت على العاملين في بيئات مكيّفة، أظهرت أن وظائفهم الرئوية أقل كفاءة من نظرائهم في بيئات غير مكيّفة، وأنهم يعانون أعراضاً تنفسية أكثر، خصوصاً الأعراض التحسسية، إضافة إلى تراجع في وظائف الرئة وارتفاع معدلات الغياب عن العمل».

وأشارت أستاذة علم الأحياء الدقيقة السريري إلى أن قضاء ساعات طويلة في أماكن مغلقة مكيّفة، خصوصاً في حال غياب الصيانة المنتظمة، قد يؤدي إلى مجموعة من الأعراض أبرزها الصداع، والدوخة، وانسداد أو سيلان الأنف، والسعال المزمن، وتهيّج الجلد أو الطفح الجلدي، إضافة إلى صعوبة التركيز والشعور بالإرهاق، وتزداد شدة هذه الأعراض مع طول مدة البقاء في الداخل، بينما تتلاشى تدريجياً بعد مغادرة المكان.

كما حذّرت فريستون من أن فلاتر التكييف غير النظيفة قد تطلق في الهواء مسببات حساسية مثل الفطريات وحبوب اللقاح، فضلاً عن مواد كيميائية متطايرة خطيرة مثل الفورمالديهايد والبنزين والتولوين، وجميعها قادرة على تهييج أنسجة الجهاز التنفسي والتسبب في التهابات حادة أو نوبات ربوية.

أما فيما يتعلق بالأمراض المعدية، فأوضحت أن أجهزة التكييف قد تشكّل بيئة خصبة لبكتيريا ليجيونيلا المسببة لداء الفيالقة، وهو التهاب رئوي خطير قد يتطلب دخول المستشفى والعلاج بالمضادات الحيوية الوريدية. وأشارت أيضاً إلى حالات موثقة في الصين لانتقال فيروس النوروفيروس عبر أجهزة التكييف.

عامل يحمل مبرد هواء لتوصيله إلى أحد العملاء (رويترز)

الحساسية والعدوى

من جانبه، قال الدكتور ويليام تشيكلي، اختصاصي أمراض الرئة والعناية الحرجة وأستاذ الطب في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، إن «الأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة في الغرف المكيّفة قد يعانون جفاف الحلق، والسعال، وانسداد الأنف، والصفير وضيق التنفس».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعراض تظهر بشكل أوضح لدى الرُضّع وكبار السن والمصابين بالربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن، لأن الهواء البارد والجاف يهيّج الجهاز التنفسي ويثير ردود فعل عند هذه الفئات الأكثر عرضة للتأثر».

وأشار إلى أن أجهزة التكييف التي لا تتم صيانتها بشكل جيد يمكن أن تزيد من مخاطر المرض، إذ تصبح المرشحات المتسخة بيئة مثالية لنمو العفن والبكتيريا والمواد المسببة للحساسية، التي تنتشر لاحقاً عبر الهواء.

ورغم هذه التحديات، شددت فريستون على أن أجهزة التكييف يمكن أن تكون وسيلة حماية فعّالة إذا جرى الاعتناء بها بالشكل الصحيح، لافتةً إلى أن الدراسات خلال جائحة «كوفيد-19» أظهرت أن أجهزة التكييف التي استُبدلت فلاترها بانتظام وتم تنظيفها ساعدت بالفعل في تقليل انتشار الفيروسات داخل المباني.

ويُعَدّ التبريد عبئاً مضاعفاً على المناخ؛ إذ تعتمد أجهزة التكييف التقليدية على غازات تبريد قوية التأثير تتسبب في تفاقم الاحتباس الحراري، فضلاً عن استهلاكها كميات هائلة من الطاقة. ووفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن العديد من أجهزة التبريد الحالية تستخدم غازات «الهيدروفلوروكربون»، وهي من أقوى الغازات الدفيئة. ويقدّر البرنامج أن الانبعاثات الناتجة عن التبريد قد تتضاعف بحلول عام 2030، وتصل إلى ثلاثة أضعاف بحلول 2050، بعدما مثّلت نحو 7 في المائة من الانبعاثات العالمية في عام 2023.

رجل يقف بالقرب من مروحة خلال موجة حر في إيطاليا (رويترز)

تحديات بيئية

رغم أن أجهزة التكييف تساعد في حماية الناس من الحرارة الشديدة والتلوث الخارجي، فإنها تطرح في المقابل تحديات بيئية متزايدة. يقول الدكتور جيفري سيجل، أستاذ الهندسة المدنية في جامعة تورنتو الكندية: «مكيفات الهواء تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، وزيادة استخدامها ترفع الطلب على الكهرباء التي تُنتَج غالباً من الوقود الأحفوري، ما يؤدي إلى انبعاث الغازات الدفيئة وتفاقم تغيّر المناخ، في مفارقة تؤدي إلى ظروف أشد حرارة تزيد بدورها الاعتماد على التكييف».

ويضيف سيجل لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك مشكلة بيئية أخرى تتمثل في أن أنظمة التكييف لا تزيل المركّبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وهي مواد كيميائية ضارة تنبعث من الأثاث ومنتجات التنظيف ومعطرات الجو، وتتراكم داخل البيوت المغلقة بإحكام، وهذه المركّبات يمكن أن تُخلّ بالتوازن الميكروبي الداخلي وتضرّ بالصحة على المدى الطويل».

التوسع في استخدام التكييفات قد يعرّض ما يصل إلى ثلاثة أرباع سكان العالم لموجات حرارة ورطوبة قاتلة بحلول عام 2100، وفق تقديرات الأمم المتحدة. كما يُتوقَّع أن تشهد المدن ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة مع استمرار تغيّر المناخ، إذ قد تصل الحرارة في نحو 1000 مدينة إلى 35 درجة مئوية صيفاً بحلول 2050، أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف الوضع الحالي؛ ما يعرّض نحو 1.6 مليار شخص لمخاطر مباشرة.

وأشار البرنامج أيضاً إلى أن الطلب على التبريد في المباني يشكّل حالياً قرابة 20 في المائة من استهلاك الكهرباء عالمياً، وهو أسرع مجالات الطاقة نمواً، ومن المتوقع أن يتضاعف ثلاث مرات بحلول منتصف القرن.

الصيف يزداد حرارة عاماً بعد عام (رويترز)

حلول للتكيف مع الواقع

رغم أن التكييف أصبح وسيلة أساسية للتخفيف من قسوة الحر في المباني الحديثة، فإنه يظل غائباً أو محدود الاستخدام في البيوت المتواضعة التي لا تسمح ظروفها الاقتصادية أو بنيتها التحتية بتركيبه وتشغيله باستمرار. وهنا يظهر التباين جلياً؛ فبينما ينعم البعض بالراحة والرفاهية، تعاني فئات أخرى حرارة الصيف الشديدة، في مشهد يعكس غياب العدالة في التكيف مع آثار تغيّر المناخ.

ويشير الدكتور وحيد إمام، أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس المصرية، إلى أن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً لا مفر منه، ما يحتم الاستثمار في وسائل التخفيف والتكيف معاً.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الواقع الحالي يُحتّم علينا على المستوى الشخصي أن نتكيّف مع موجات الحر في حدود إمكانياتنا الاقتصادية كل حسب ظروفه وقدرته المادية».

ونوه إلى أن الحكومات لا بد أن تسعى لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية في مواجهة الحر الشديد، عبر التخطيط الجيد للمدن، وزيادة المسطحات الخضراء التي تشكل متنفساً يسهم في التخفيف من الحر، بالإضافة إلى مكافحة البناء العشوائي.

ورأى أن الأفراد يمكنهم مواجهة موجات الحر بوسائل بسيطة وفعّالة دون الاعتماد الكامل على التكييف، مثل تحسين تهوية المنازل من خلال تنظيم فتحات النوافذ والأبواب بما يسمح بتجديد الهواء وتقليل الإحساس بالحرارة. كما يُعد استخدام الشبابيك الخشبية خياراً عملياً، إذ يسهم الخشب في الحد من تسرب الحرارة مقارنة بالزجاج أو الألمنيوم، ويتيح تهوية أفضل إذا كان تصميمه مزوداً بفتحات صغيرة. ويضيف إمام أن الاستحمام بالماء الفاتر مع تشغيل المروحة يساعد على خفض حرارة الجسم الداخلية ويمنح إحساساً بالانتعاش، ما يقلل من الإجهاد الحراري.

في المقابل، يطرح خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة حلولاً قائمة على الطبيعة لتقليل الاعتماد على التكييف، أبرزها التشجير وزيادة الغطاء الأخضر في المدن للمساهمة في خفض الحرارة عبر التظليل والتبخر، حيث يمكن لشجرة واحدة أن تعادل في تبريدها عمل جهازين للتكييف على مدار يوم كامل. كما أن الأسطح الخضراء يمكن أن تقلل من استهلاك المكيفات بنسبة تصل إلى 75 في المائة خلال الصيف.

وأشار الخبراء أيضاً إلى أن المسطحات المائية مثل البحيرات والقنوات والبرك توفر تأثيراً تبريدياً واضحاً، مؤكدين أن هذه الحلول الطبيعية ليست مجرد خيار بيئي، بل هي ضرورة لجعل المدن أكثر قدرة على التكيف مع تغيّر المناخ، شرط تنفيذها على نطاق واسع وبخطط مدروسة عالمياً.


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث لجسمك عند تناول الأطعمة التي تدعم صحة الخلايا؟ وما هي؟

صحتك تناول الخضراوات والفواكه يساعد على دعم صحة الخلايا (رويترز)

ماذا يحدث لجسمك عند تناول الأطعمة التي تدعم صحة الخلايا؟ وما هي؟

عند تناول الأطعمة التي تدعم صحة الخلايا يحصل جسمك على العناصر الغذائية اللازمة لبناء الخلايا وحمايتها وإصلاحها. ويساعد ذلك على تقليل الالتهاب وحماية الخلايا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الأدوية المتوفرة حالياً لا تحسن المشكلات الإدراكية مثل التفكير غير المنظم (رويترز)

باحثون يكتشفون مؤشراً حيوياً قد يسهم في تحسين علاج الفصام

تمكن باحثون من تحديد مؤشر حيوي مرتبط بمرض الفصام قد يسهم في إيجاد وسائل جديدة لمعالجة أعراض هذا الاضطراب العقلي الذي تعجز الأدوية الحالية عن علاجه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الخبراء ينصحون بتناول 6 حصص أو أكثر أسبوعياً مثل السبانخ والكرنب والسلطات والخضراوات المطبوخة (بيكسلز)

نظام غذائي مفيد للدماغ ويبطئ الشيخوخة... تعرّف عليه

أظهرت دراسة نُشرت إلكترونياً في مجلة «علم الأعصاب وجراحة الأعصاب والطب النفسي» أن اتباع نظام غذائي يُعرف باسم «مايند» يُبطئ التغيرات المرتبطة بشيخوخة الدماغ.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك الانتظام في حياتك اليومية يلعب دوراً أساسياً في الوقاية من نوبات الصداع النصفي (بيكسلز)

أساليب بسيطة... كيف تخفف أعراض الصداع النصفي؟

هناك مجموعة من الإجراءات البسيطة التي يمكنك اتخاذها بنفسك لتقليل حدة الألم أو حتى منع بعض النوبات المرتبطة بالصداع النصفي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض مصادر البروتين ترتبط بزيادة خطر الإصابة بمشكلات صحية مثل أمراض القلب (بيكسلز)

بين اللحوم والبقوليات: أي البروتينات أنسب لصحتك؟

توضح جامعة هارفارد أن اللحوم تُعد مصدراً غنياً بالبروتين عالي الجودة، لكنها تحذّر في الوقت نفسه من أن بعض أنواعها تحتوي على نسب مرتفعة من الدهون المشبعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
TT

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، الاثنين، فتح باب التقديم والتسجيل بـ«جامعة الرياض للفنون» شهر مايو (أيار) المقبل، لتبدأ الدراسة في أروقتها خلال سبتمبر (أيلول)، لتكون مركزاً رائداً للتعليم الثقافي بالمملكة.

وعدَّ الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وهو رئيس مجلس أمناء الجامعة، إطلاقها خطوةً غير مسبوقة في تطوير القطاع الثقافي السعودي، مبيناً أنها «ستكون حجرَ الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي، وستزوّد طلابَنا بالمهارات والمعرفة والرؤية التي تؤهلهم للإسهام في تشكيل مستقبل الثقافة في المملكة».

وأوضح أن الجامعة ستقدم مجموعةً واسعة من التخصصات الأكاديمية التي تمكّن الطلاب من إثراء الصناعات الإبداعية، والإسهام في تنمية القطاع الثقافي بما يتماشى مع «رؤية السعودية 2030».

وأضاف وزير الثقافة: «نهدف من خلال دعم المواهب والاحتفاء بإرثنا الثقافي إلى تمكين الجيل القادم من الإسهام في نمو الاقتصاد الإبداعي، وترك بصمتهم الفريدة على الساحة الثقافية المحلية والدولية».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي (الشرق الأوسط)

وتطمح الجامعة لتكون ضمن قائمة أفضل 50 جامعةً دولية متخصصة في الفنون والثقافة على مستوى العالم، وذلك عبر توفير بيئةٍ تعليمية مبتكرة تحفّز الطلاب إلى اكتشاف شغفهم، وتطوير مواهبهم، والإسهام الفاعل في الاقتصاد الإبداعي.

ستتبنّى الجامعة نهجاً تدريجياً يُلبّي احتياجات المستويات التعليمية، ويشمل جميع القطاعات الثقافية، مُقدِّمةً برامج أكاديمية متكاملة تضمن استمرارية التعليم في مجالات الثقافة والفنون، وتشمل الدوراتِ القصيرةَ، وبرامج الدبلوم، والبكالوريوس، والدبلوم العالي، والماجستير، والدكتوراه.

ويقع الحرم الجامعي في مدينة الرياض، على أن يبدأ عند بدء الدراسة خلال سبتمبر المقبل باستقبال الطلبة في أربع كليات أوّليّة وثمانية برامج أكاديمية تابعة لكليات «الموسيقى، والأفلام، والمسرح والفنون الأدائية، والإدارة الثقافية» على أن تتوسع لاحقاً بشكلٍ تدريجي لتصل إلى 13 كليةً تقدم برامج تعليمية متنوعة تغطي المجالات والقطاعات الثقافية.

ووقَّعت الجامعة خلال الفترة الماضية شراكاتٍ مع مؤسساتٍ دولية رائدة؛ لتصميم برامج أكاديميةٍ متطورة، والتعاون في مجال البحث العلمي، وتقديم برامجَ تعليميةٍ وثقافية ثرية، فضلاً عن دعم مسار تنمية المواهب الوطنية عن طريق تعزيز الإبداع وبناء المهارات الريادية، الذي يُمكّن الفنانين، والباحثين، والقادة الثقافيين من دفع عجلة الاقتصاد الإبداعي والمستقبل الثقافي للبلاد.

وستقدم جامعة الرياض للفنون منحاً دراسية للدفعة الأولى على أن يتم الإعلان عن تفاصيلها مع بدء فتح باب القبول والتسجيل في مايو المقبل.

وتعمل وزارة الثقافة على تطوير جميع جوانب القطاع في السعودية، مع التركيز على تعزيز الأطر التشريعية والتنظيمية، وتحسين بيئة الاستثمار، وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وتسعى الوزارة من خلال برامجها ومبادراتها المتنوعة إلى دعم بناء القدرات وتطوير المواهب، كما تُشرف على 11 هيئةً ثقافية، والعديد من الكيانات الثقافية الأخرى، إسهاماً في بناء منظومةٍ ثقافية متكاملة ومستدامة.


«عين سحرية» و«نرجس» يتصدران مشاهدات مسلسلات رمضان

الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
TT

«عين سحرية» و«نرجس» يتصدران مشاهدات مسلسلات رمضان

الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)

أظهرت نتائج «استطلاع الرأي» الذي أجراه مركز «بحوث ودراسات الرأي العام» بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، تصدّر مسلسلي «عين سحرية»، المعروض في النصف الأول من موسم دراما رمضان، و«حكاية نرجس»، المعروض في النصف الثاني من الشهر، قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة هذا العام. ووفق بيان صحافي صادر عن الكلية، يهدف الاستطلاع إلى قياس تقييم الجمهور المصري لدراما رمضان 2026.

ويواصل المركز تقييم الأعمال الدرامية سنوياً، ويُعد هذا العام الرابع على التوالي في إطار الرصد الأكاديمي، تحت إشراف الدكتورة وسام نصر، عميدة الكلية، والدكتورة سحر مصطفى، مديرة المركز.

وحسب البيان، أُجري الاستطلاع خلال الفترة من 15 إلى 27 مارس (آذار) 2026، على عينة قوامها 1100 مشارك من مشاهدي دراما رمضان في مصر. وتصدّر مسلسل «عين سحرية»، بطولة عصام عمر وباسم سمرة، قائمة «أفضل مسلسل رمضاني» لعام 2026، تلاه «حكاية نرجس» بطولة ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي، ثم «صحاب الأرض» بطولة منة شلبي وإياد نصار، و«اثنين غيرنا» بطولة آسر ياسين ودينا الشربيني.

الملصق الترويجي لمسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وعلى صعيد الأعمال الفنية «الأكثر متابعة»، أظهرت نتائج الاستطلاع تصدّر مسلسل «حكاية نرجس» القائمة، يليه «الست موناليزا»، ثم «عين سحرية».

وأكدت الدكتورة ليلى عبد المجيد، العميدة الأسبق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن استطلاعات الرأي التي يجريها المركز لقياس اتجاهات الجمهور تجاه دراما رمضان تمثل «تقليداً إيجابياً» يسهم في دعم صناع القرار عند التخطيط للمواسم الدرامية المقبلة، لا سيما أنها تعكس تفضيلات الجمهور وذائقته.

وأضافت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المركز يعتمد على تمويل ذاتي كامل، ولا يتلقى دعماً من شركات الإنتاج، بما يضمن تجنب تضارب المصالح. وأشارت إلى أن الباحثين يعملون باستقلالية وموضوعية، وأن النتائج تعبّر عن شرائح متنوعة من الجمهور دون مجاملة أو تدخل.

من جانبها، أشادت الناقدة الفنية المصرية ماجدة خير الله بجهود المؤسسات التي أعلنت نتائج تقييم موسم رمضان 2026، موضحة أن هذه الدراسات، رغم أهميتها في التعبير عن توجهات شريحة من الجمهور وإفادتها لصناع الدراما، لا ينبغي أن تُقيد الجميع؛ إذ يظل التنوع عنصراً أساسياً، ويحتفظ الجمهور بحُرية اختيار ما يفضله.

وأرجعت ماجدة خير الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، تصدّر مسلسلات مثل «عين سحرية» و«حكاية نرجس» و«صحاب الأرض» إلى تنوع موضوعاتها، وجديّة معالجتها، إلى جانب عمق الطرح الدرامي، وتميّز الأداء التمثيلي لنجومها.

الملصق الترويجي لمسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

وترى الدكتورة وسام نصر، عميدة كلية الإعلام، أن نتائج استطلاع المركز تعكس وعياً مجتمعياً بالقضايا المطروحة، مشيرة إلى أهمية الدور البحثي والمجتمعي الذي يؤديه مركز «بحوث ودراسات الرأي العام» في رصد اتجاهات الجمهور المصري، وتحليل أنماط تعرضه، وتفاعله مع المحتوى الدرامي.

وأضافت، في البيان الصحافي، أن المركز سيواصل جهوده البحثية خلال الفترة المقبلة، بما يعزز دور الجامعة في خدمة المجتمع.

من جانبها، أوضحت الدكتورة سحر مصطفى، مديرة المركز، أن النتائج تمثل مؤشراً دقيقاً لاتجاهات الجمهور، لا سيما في تقييم أفضل المسلسلات، بما يوفر «قاعدة معلومات» مهمة يمكن أن تسهم في تطوير صناعة الدراما في المواسم المقبلة، وفق بيان الكلية.

وأكدت الدكتورة سارة فوزي، أستاذة الدعاية والإعلان بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، أن عينة الاستطلاع اتسمت بتنوع واضح من حيث العمر والمناطق والمستويين الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب النوع.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستطلاع شمل مختلف الأعمال الدرامية وصُنّاعها، حيث اختار الجمهور الأفضل دون أي توجيه، لافتة إلى أن النتائج أظهرت تنوع الذائقة الفنية لدى المصريين بين الدراما الوطنية، وقضايا المرأة، والتكنولوجيا، ومكافحة الجريمة، وسيادة القانون، وغيرها من الموضوعات الهادفة.

وشددت على أن الجهة القائمة على الاستطلاع محايدة وغير ربحية، مؤكدة أن نتائجه تمثل مرجعاً موثوقاً به يمكن أن يستند إليه صُنّاع الدراما في تحديد توجهات الجمهور خلال المواسم المقبلة.


رحيل «فاطمة كشري» أشهر كومبارس بالسينما المصرية يجدد سيرة «مظاليم الفن»

فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
TT

رحيل «فاطمة كشري» أشهر كومبارس بالسينما المصرية يجدد سيرة «مظاليم الفن»

فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)

عادت سيرة «مظاليم الفن» إلى الواجهة، مع وفاة الفنانة فاطمة السيد عوض الشهيرة باسم «فاطمة كشري»، الأحد، عن عمر ناهز 68 عاماً، التي وصفت بأنها من أشهر الكومبارسات في السينما المصرية، وجاء رحيلها بعد معاناة مع المرض نتيجة إجرائها عملية جراحية، ورغم أدوارها المحدودة، فإنها تركت بصمة في ذاكرة المشاهدين.

وتصدر اسم «فاطمة كشري» قوائم «الترند» على منصة «غوغل» بمصر، الاثنين مع إعلان خبر رحيلها. ومع إبراز قنوات تلفزيونية خبر وفاتها استعاد كثير من مستخدمي «السوشيال ميديا» أدوارها في السينما منذ مشاركتها في فيلم «صراع الأحفاد» عام 1989، وحتى أدوارها في أفلام «بوحة» و«أحلى الأوقات» و«جواز بقرار جمهوري».

وعرفت الفنانة الراحلة بتجسيدها شخصية «بنت البلد» في أدوار قدمتها سواء عن طريق كومبارس صامت أو بجمل قليلة في بعض الأعمال السينمائية والدرامية، ونظراً لشهرتها استضافتها مجموعة من البرامج التلفزيونية تحدثت خلالها عن الأعمال التي شاركت فيها والفنانين الذين اقتربت منهم، وعن سيرتها الشخصية وتسميتها «فاطمة كشري» نسبة لعملها على عربة كشري مع زوجها قبل أن تتجه للفن، وهي السيارة التي عادت للعمل عليها في نهاية حياتها بعد تقليص حضورها في المجال الفني، وفق تقارير إعلامية محلية.

الفنانة الراحلة تتحدث عن حياتها في أكثر من برنامج (يوتيوب)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين أن الوسط الفني المصري به مشكلة كبيرة فيما يخص الاهتمام بأصحاب الأدوار الثانوية، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المشكلة تجددت اليوم مع وفاة فاطمة كشري التي توصف بأنها أشهر كومبارس، لكن هذا يعيدنا إلى شخصية أخرى هي فايزة عبد الجواد، السيدة السمراء التي كانت تظهر في أدوار رئيسة العصابة أو ما شابه، ومطاوع عويس وحسن كفتة، وهي مجموعة من الكومبارس عاشوا مع السينما ما يقرب من 50 سنة، لكن للأسف يتعرضون لنهاية سيئة، بسبب النسيان والتهميش رغم عملهم في أهم الأفلام».

وتعد فايزة عبد الجواد (1940 - 2016) من أشهر من عمل أدواراً ثانوية في السينما المصرية، وقد اكتشفها الفنان رشدي أباظة أثناء تصوير فيلم «تمر حنة»، حيث كانت من سكان المنطقة التي يتم فيها تصوير الفيلم، ولعبت أدواراً مهمة في أفلام مثل «هنا القاهرة»، و«بكيزة وزغلول» و«القضية 85 جنايات».

فايزة عبد الجواد (موقع السينما دوت كوم)

ويتابع سعد الدين: «المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف كان يوزع الأدوار ويطلب بالاسم ويقول مطاوع عويس يؤدي هذا المشهد، كان يختارهم بالاسم، وفاطمة كشري ينطبق عليها الأمر أيضاً، مثل هؤلاء معروف لصناع السينما، لكن ليس لهم مكان يحميهم، لا نقابة، ولا رعاية صحية، ولا خدمات تقدم لهم، وقد أثرنا هذا الموضوع عام 2008 ولكن للأسف لم نصل لشيء، والنقيب أشرف زكي أشار إلى قانون النقابة الذي يشترط حصول عضو النقابة على شهادة على الأقل (الثانوية العامة)، وهؤلاء معظمهم لم يكملوا تعليمهم».

ولفت الناقد الفني إلى أن «الكومبارس عددهم كبير للغاية، ولكنهم مهمشون، وليس لهم مكان في الهيكل الإداري لصناعة الفن، وهي مشكلة كبيرة نتحدث عنها منذ فترة طويلة، وطالبنا بتنظيم رابطة لهم أو نقابة لكن دون جدوى»، وتابع: «وفاة فاطمة كشري بصفتها واحدة من أشهر الكومبارسات في الوقت الحالي أعادت تلك القضية للواجهة، لكن يجب أن ننظر إلى هذه الفئة بطريقة تضمن لها حياة كريمة، حيث لا يجوز أن يصل بعضهم إلى سن السبعين ولا يجد عملاً أو دخلاً يعينه على الحياة».

وقدمت «فاطمة كشري» مجموعة من الأدوار في السينما والتلفزيون، من بينها أفلام «صابر وراضي»، و«محمد حسين»، و«ضغط عالي»، فيما قدمت في التلفزيون مسلسلات، من بينها «ونوس»، و«راس الغول»، و«نيللي وشيريهان».

الفنانة فاطمة كشري في أحد الأفلام (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «حالة الحزن على الفنانة (فاطمة كشري) التي ظهرت بشكل واسع على (السوشيال ميديا) تؤكد أن الفنان بصرف النظر عن مساحة ظهوره على الشاشة، يشعر الجمهور بهذا الفن وبموهبته»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «من أسباب شهرة (فاطمة) طريقتها التلقائية في التعبير وهو ما ظهر في حواراتها التلفزيونية، ولا شك أن الجمهور عادة ما ينصف هؤلاء المظاليم عندما يودعهم بشكل لائق».

وبينما يصف الناقد الفني، أحمد السماحي، الكومبارس بأنهم «ملح الأرض في السينما المصرية»، إلا أنه أرجع «الاهتمام الكبير برحيل فاطمة كشري وتصدرها (الترند) إلى أن الساحة الفنية فارغة هذه الأيام، وبالتالي لم يجد مرتادو ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي شيئاً بخلاف خبر رحيل (فاطمة كشري)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فاطمة كشري كان لها تاريخ في السينما المصرية لظهورها المتكرر في كثير من الأفلام والمسلسلات، لكنها تشبه مئات أو آلاف الكومبارس الذين مروا بتاريخ السينما المصرية»، ولفت إلى أسماء أخرى كان لهم حضور مؤثر مثل الأخوين عبد المنعم وحسين إسماعيل وغير ذلك.