الحر يتغوّل… لكن التكييف ليس خيراً مطلقاً

خبراء دوليون يرصدون فوائد وأضرار جهاز التبريد

مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)
مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)
TT

الحر يتغوّل… لكن التكييف ليس خيراً مطلقاً

مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)
مجموعة من الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء في الجزء الخلفي من مبنى تجاري في نيودلهي (رويترز)

في القرن التاسع عشر، وفي أثناء تفشي وباء السل، كان الأطباء ينصحون الناس بفتح النوافذ والخروج إلى الهواء الطلق هرباً من «الهواء الفاسد» داخل البيوت. وبعد عقود، وتحديداً في ستينات القرن الماضي، انتشرت أجهزة التكييف حول العالم، لتجعل البقاء في الداخل أكثر راحة وجاذبية. واليوم، يمكن القول إننا أصبحنا جزءاً مما يُعرف بـ«جيل الداخل»، إذ نقضي معظم أيام الصيف محتمين خلف الجدران، معتمدين على أجهزة التبريد كملاذ من الحر الشديد، وسط موجات الطقس القاسي التي تجتاح مناطق واسعة من العالم كل صيف.

ولا شك أن أجهزة التكييف أنقذت ملايين الأرواح، فهي وسيلة فعّالة لتفادي ضربات الشمس وموجات الحر القاتلة؛ بل وحتى لتقليل التعرّض لتلوث الهواء الخارجي. لكن، في المقابل، يبرز سؤال مهم: هل التكييف خير مطلق، أو أن لهذا الاعتماد المفرط عليه ثمناً خفياً يمكن أن ندفعه من صحتنا وسلامة كوكبنا في صيف يزداد حرارة عاماً بعد عام؟

وأعلنت إدارة الصحة في مدينة نيويورك، الاثنين، عن انتشار داء عبر أجهزة التكييف أدى لوفاة 5 أشخاص، ونقل 14 آخرين إلى المستشفى بعد إصابتهم بداء «الفيالقة»، وتم تأكيد إصابة 108 أشخاص آخرين بهذا الداء التنفسي في حي هارلم فقط.

رجل يتفحص عدداً من مكيفات الهواء المعروضة داخل متجر في مدينة نيودلهي الهندية (رويترز)

مخاطر صحية

تقول الدكتورة بريمروز فريستون، أستاذة علم الأحياء الدقيقة السريري في جامعة ليستر البريطانية، إن وظيفة أجهزة التكييف تقوم على ضخ الهواء البارد وضبط مستويات الرطوبة، إلا أن ذلك يجعل الهواء الداخلي أكثر جفافاً من الهواء الخارجي. ومع البقاء طويلاً في بيئة منخفضة الرطوبة، تُصاب الأغشية المخاطية للأنف والحلق بالجفاف؛ ما يقلل من فاعليتها في طرد البكتيريا والفطريات، ويزيد احتمالية الإصابة بالتهابات عميقة مثل التهاب الجيوب الأنفية.

وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «دراسات سابقة أجريت على العاملين في بيئات مكيّفة، أظهرت أن وظائفهم الرئوية أقل كفاءة من نظرائهم في بيئات غير مكيّفة، وأنهم يعانون أعراضاً تنفسية أكثر، خصوصاً الأعراض التحسسية، إضافة إلى تراجع في وظائف الرئة وارتفاع معدلات الغياب عن العمل».

وأشارت أستاذة علم الأحياء الدقيقة السريري إلى أن قضاء ساعات طويلة في أماكن مغلقة مكيّفة، خصوصاً في حال غياب الصيانة المنتظمة، قد يؤدي إلى مجموعة من الأعراض أبرزها الصداع، والدوخة، وانسداد أو سيلان الأنف، والسعال المزمن، وتهيّج الجلد أو الطفح الجلدي، إضافة إلى صعوبة التركيز والشعور بالإرهاق، وتزداد شدة هذه الأعراض مع طول مدة البقاء في الداخل، بينما تتلاشى تدريجياً بعد مغادرة المكان.

كما حذّرت فريستون من أن فلاتر التكييف غير النظيفة قد تطلق في الهواء مسببات حساسية مثل الفطريات وحبوب اللقاح، فضلاً عن مواد كيميائية متطايرة خطيرة مثل الفورمالديهايد والبنزين والتولوين، وجميعها قادرة على تهييج أنسجة الجهاز التنفسي والتسبب في التهابات حادة أو نوبات ربوية.

أما فيما يتعلق بالأمراض المعدية، فأوضحت أن أجهزة التكييف قد تشكّل بيئة خصبة لبكتيريا ليجيونيلا المسببة لداء الفيالقة، وهو التهاب رئوي خطير قد يتطلب دخول المستشفى والعلاج بالمضادات الحيوية الوريدية. وأشارت أيضاً إلى حالات موثقة في الصين لانتقال فيروس النوروفيروس عبر أجهزة التكييف.

عامل يحمل مبرد هواء لتوصيله إلى أحد العملاء (رويترز)

الحساسية والعدوى

من جانبه، قال الدكتور ويليام تشيكلي، اختصاصي أمراض الرئة والعناية الحرجة وأستاذ الطب في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، إن «الأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة في الغرف المكيّفة قد يعانون جفاف الحلق، والسعال، وانسداد الأنف، والصفير وضيق التنفس».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعراض تظهر بشكل أوضح لدى الرُضّع وكبار السن والمصابين بالربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن، لأن الهواء البارد والجاف يهيّج الجهاز التنفسي ويثير ردود فعل عند هذه الفئات الأكثر عرضة للتأثر».

وأشار إلى أن أجهزة التكييف التي لا تتم صيانتها بشكل جيد يمكن أن تزيد من مخاطر المرض، إذ تصبح المرشحات المتسخة بيئة مثالية لنمو العفن والبكتيريا والمواد المسببة للحساسية، التي تنتشر لاحقاً عبر الهواء.

ورغم هذه التحديات، شددت فريستون على أن أجهزة التكييف يمكن أن تكون وسيلة حماية فعّالة إذا جرى الاعتناء بها بالشكل الصحيح، لافتةً إلى أن الدراسات خلال جائحة «كوفيد-19» أظهرت أن أجهزة التكييف التي استُبدلت فلاترها بانتظام وتم تنظيفها ساعدت بالفعل في تقليل انتشار الفيروسات داخل المباني.

ويُعَدّ التبريد عبئاً مضاعفاً على المناخ؛ إذ تعتمد أجهزة التكييف التقليدية على غازات تبريد قوية التأثير تتسبب في تفاقم الاحتباس الحراري، فضلاً عن استهلاكها كميات هائلة من الطاقة. ووفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن العديد من أجهزة التبريد الحالية تستخدم غازات «الهيدروفلوروكربون»، وهي من أقوى الغازات الدفيئة. ويقدّر البرنامج أن الانبعاثات الناتجة عن التبريد قد تتضاعف بحلول عام 2030، وتصل إلى ثلاثة أضعاف بحلول 2050، بعدما مثّلت نحو 7 في المائة من الانبعاثات العالمية في عام 2023.

رجل يقف بالقرب من مروحة خلال موجة حر في إيطاليا (رويترز)

تحديات بيئية

رغم أن أجهزة التكييف تساعد في حماية الناس من الحرارة الشديدة والتلوث الخارجي، فإنها تطرح في المقابل تحديات بيئية متزايدة. يقول الدكتور جيفري سيجل، أستاذ الهندسة المدنية في جامعة تورنتو الكندية: «مكيفات الهواء تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، وزيادة استخدامها ترفع الطلب على الكهرباء التي تُنتَج غالباً من الوقود الأحفوري، ما يؤدي إلى انبعاث الغازات الدفيئة وتفاقم تغيّر المناخ، في مفارقة تؤدي إلى ظروف أشد حرارة تزيد بدورها الاعتماد على التكييف».

ويضيف سيجل لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك مشكلة بيئية أخرى تتمثل في أن أنظمة التكييف لا تزيل المركّبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وهي مواد كيميائية ضارة تنبعث من الأثاث ومنتجات التنظيف ومعطرات الجو، وتتراكم داخل البيوت المغلقة بإحكام، وهذه المركّبات يمكن أن تُخلّ بالتوازن الميكروبي الداخلي وتضرّ بالصحة على المدى الطويل».

التوسع في استخدام التكييفات قد يعرّض ما يصل إلى ثلاثة أرباع سكان العالم لموجات حرارة ورطوبة قاتلة بحلول عام 2100، وفق تقديرات الأمم المتحدة. كما يُتوقَّع أن تشهد المدن ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة مع استمرار تغيّر المناخ، إذ قد تصل الحرارة في نحو 1000 مدينة إلى 35 درجة مئوية صيفاً بحلول 2050، أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف الوضع الحالي؛ ما يعرّض نحو 1.6 مليار شخص لمخاطر مباشرة.

وأشار البرنامج أيضاً إلى أن الطلب على التبريد في المباني يشكّل حالياً قرابة 20 في المائة من استهلاك الكهرباء عالمياً، وهو أسرع مجالات الطاقة نمواً، ومن المتوقع أن يتضاعف ثلاث مرات بحلول منتصف القرن.

الصيف يزداد حرارة عاماً بعد عام (رويترز)

حلول للتكيف مع الواقع

رغم أن التكييف أصبح وسيلة أساسية للتخفيف من قسوة الحر في المباني الحديثة، فإنه يظل غائباً أو محدود الاستخدام في البيوت المتواضعة التي لا تسمح ظروفها الاقتصادية أو بنيتها التحتية بتركيبه وتشغيله باستمرار. وهنا يظهر التباين جلياً؛ فبينما ينعم البعض بالراحة والرفاهية، تعاني فئات أخرى حرارة الصيف الشديدة، في مشهد يعكس غياب العدالة في التكيف مع آثار تغيّر المناخ.

ويشير الدكتور وحيد إمام، أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس المصرية، إلى أن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً لا مفر منه، ما يحتم الاستثمار في وسائل التخفيف والتكيف معاً.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الواقع الحالي يُحتّم علينا على المستوى الشخصي أن نتكيّف مع موجات الحر في حدود إمكانياتنا الاقتصادية كل حسب ظروفه وقدرته المادية».

ونوه إلى أن الحكومات لا بد أن تسعى لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية في مواجهة الحر الشديد، عبر التخطيط الجيد للمدن، وزيادة المسطحات الخضراء التي تشكل متنفساً يسهم في التخفيف من الحر، بالإضافة إلى مكافحة البناء العشوائي.

ورأى أن الأفراد يمكنهم مواجهة موجات الحر بوسائل بسيطة وفعّالة دون الاعتماد الكامل على التكييف، مثل تحسين تهوية المنازل من خلال تنظيم فتحات النوافذ والأبواب بما يسمح بتجديد الهواء وتقليل الإحساس بالحرارة. كما يُعد استخدام الشبابيك الخشبية خياراً عملياً، إذ يسهم الخشب في الحد من تسرب الحرارة مقارنة بالزجاج أو الألمنيوم، ويتيح تهوية أفضل إذا كان تصميمه مزوداً بفتحات صغيرة. ويضيف إمام أن الاستحمام بالماء الفاتر مع تشغيل المروحة يساعد على خفض حرارة الجسم الداخلية ويمنح إحساساً بالانتعاش، ما يقلل من الإجهاد الحراري.

في المقابل، يطرح خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة حلولاً قائمة على الطبيعة لتقليل الاعتماد على التكييف، أبرزها التشجير وزيادة الغطاء الأخضر في المدن للمساهمة في خفض الحرارة عبر التظليل والتبخر، حيث يمكن لشجرة واحدة أن تعادل في تبريدها عمل جهازين للتكييف على مدار يوم كامل. كما أن الأسطح الخضراء يمكن أن تقلل من استهلاك المكيفات بنسبة تصل إلى 75 في المائة خلال الصيف.

وأشار الخبراء أيضاً إلى أن المسطحات المائية مثل البحيرات والقنوات والبرك توفر تأثيراً تبريدياً واضحاً، مؤكدين أن هذه الحلول الطبيعية ليست مجرد خيار بيئي، بل هي ضرورة لجعل المدن أكثر قدرة على التكيف مع تغيّر المناخ، شرط تنفيذها على نطاق واسع وبخطط مدروسة عالمياً.


مقالات ذات صلة

5 فواكه تساعدك على التعافي سريعاً من الأمراض

صحتك يمكن لبعض الفواكه الطبيعية أن تلعب دوراً مفيداً في دعم صحة الجسم وتعزيز المناعة في أثناء المرض (أ.ف.ب)

5 فواكه تساعدك على التعافي سريعاً من الأمراض

عندما نشعر بالمرض يصبح الحصول على الراحة والتغذية السليمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك المواد الحافظة تُستخدم بشكل شائع في الأغذية مثل الجبن والنقانق (نيدبكس)

دراستان: المواد الحافظة الشائعة قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان والسكري

خلصت دراستان جديدتان هما الأُوليان من نوعهما اللتان تبحثان دور المواد الحافظة في تطور السرطان والسكري

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك الكافيين هو أكثر المنبهات شيوعاً في العالم (بكسلز)

دراسة: الكافيين في الدم قد يؤثر على دهون الجسم وخطر الإصابة بالسكري

خلصت دراسة إلى أن هناك صلة بين مستويات الكافيين ومؤشر كتلة الجسم، وخطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك الأدلة القوية تشير إلى صلة بين التدخين وسرطان البروستاتا العدواني (بيكسلز)

تغييرات بسيطة بنمط الحياة قد تحمي من سرطان البروستاتا

كشفت دراسة حديثة أن اتباع نظام غذائي غني بالخضراوات، مع تناول البروبيوتيك، قد يُبطئ من تطور سرطان البروستاتا منخفض الخطورة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك القرنبيط قد يسبب الانتفاخ عند تناوله نيئاً (رويترز)

5 أنواع من الخضراوات تسبب الانتفاخ في هذه الحالة... انتبه لها

تُوفّر الخضراوات النيئة عناصر غذائية مهمة مع ذلك يصعب على الجسم هضم بعضها وقد تُسبّب الانتفاخ والغازات أو اضطرابات المعدة لدى بعض الأشخاص

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أسنان من العصر الحديدي تُعلن سرّ المائدة الإيطالية قبل 2500 عام

ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)
ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)
TT

أسنان من العصر الحديدي تُعلن سرّ المائدة الإيطالية قبل 2500 عام

ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)
ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)

كشفت دراسة علمية جديدة، استناداً إلى تحليل أحافير أسنان بشرية تعود إلى العصر الحديدي، عن تنوّع لافت في النظام الغذائي للإيطاليين القدماء، وقدَّمت أدلّة قوية على أنّهم كانوا يستهلكون أطعمة ومشروبات مخمّرة بانتظام منذ أكثر من 2500 عام.

ووفق الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت»، بدأ سكان إيطاليا في استكشاف نظام غذائي متنوّع خلال المدّة الممتدّة بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، استناداً إلى تحليل حديث لأسنان بشرية عُثر عليها في موقع بونتوكانيانو الأثري، الواقع في جنوب البلاد.

ويُعدّ فكّ شيفرة أنماط الحياة في الحضارات القديمة مهمّة شديدة الصعوبة، إذ تتطلَّب وجود بقايا بشرية محفوظة جيداً لأشخاص عاشوا وماتوا منذ آلاف السنوات.

وفي هذا السياق، تُعدّ الأسنان البشرية الأحفورية مصدراً علمياً شديد الأهمية لفهم الأنظمة الغذائية القديمة، إذ تعمل بمثابة «أرشيف بيولوجي» يسجّل تفاصيل دقيقة عن التاريخ الغذائي والصحي لكلّ فرد.

ورغم ذلك، يظلّ جمع بيانات دقيقة من الأسنان عبر مراحل زمنية مختلفة تحدّياً علمياً معقّداً. وإنما الباحثون في هذه الدراسة نجحوا في تجاوز هذه الصعوبات عبر دمج تقنيات تحليلية عدّة لفحص بقايا أسنان عُثر عليها في بونتوكانيانو، بهدف إعادة بناء صورة أوضح عن صحّة السكان ونظامهم الغذائي خلال العصر الحديدي.

وخلال الدراسة، قيَّم العلماء أنسجة الأسنان لـ30 سنّاً تعود إلى 10 أفراد، وحصلوا على بيانات من الأنياب والأضراس لإعادة بناء تاريخ كلّ شخص من السكان القدماء خلال السنوات الـ6 الأولى من حياته.

وأظهرت النتائج أنّ الإيطاليين في العصر الحديدي كانوا يعتمدون على نظام غذائي غنيّ بالحبوب والبقوليات، وكميات وفيرة من الكربوهيدرات، إضافة إلى استهلاك أطعمة ومشروبات مخمّرة.

وقال أحد معدّي الدراسة روبرتو جيرمانو: «تمكّنا من تتبّع نموّ الأطفال وحالتهم الصحية بدقّة لافتة، كما رصدنا آثار الحبوب والبقوليات والأطعمة المخمّرة في مرحلة البلوغ، ما يكشف كيف تكيَّف هذا المجتمع مع التحدّيات البيئية والاجتماعية».

من جهتها، أوضحت الباحثة المشاركة في الدراسة، إيمانويلّا كريستياني، أنّ تحليل جير الأسنان كشف عن وجود حبيبات نشوية من الحبوب والبقوليات، وجراثيم الخميرة، وألياف نباتية، وهو ما يوفّر «صورة واضحة جداً» عن طبيعة النظام الغذائي وبعض الأنشطة اليومية لمجتمعات العصر الحديدي.

وأكّد الباحثون أنّ هذه النتائج تمثّل دليلاً قوياً على أنّ سكان هذه المنطقة من إيطاليا كانوا يستهلكون أطعمة ومشروبات مخمّرة بشكل منتظم، مرجّحين أنّ تنوّع النظام الغذائي ازداد مع اتّساع تواصلهم مع ثقافات البحر الأبيض المتوسّط.

كما لاحظ العلماء علامات إجهاد في أسنان الإيطاليين في العصر الحديدي في عمر سنة و4 سنوات تقريباً، معتقدين أنّ هذه الفترات قد تكون الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض.

ورغم أنّ الدراسة لا تمثّل بالضرورة صورة كاملة عن عموم سكان إيطاليا في تلك الحقبة، فإنها، وفق الباحثين، تُقدّم «تصوّراً ملموساً ودقيقاً» عن النظام الغذائي وبعض جوانب الحياة اليومية لمجتمعات العصر الحديدي في المنطقة.

من جهتها، قالت الباحثة المشاركة من جامعة سابينزا في روما، أليسا نافا: «تمثّل هذه الدراسة، وغيرها من المناهج الحديثة الأخرى، تقدّماً تكنولوجياً وعلمياً كبيراً يُحدث ثورة في فهم التكيّفات البيولوجية والثقافية للسكان القدامى».


عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
TT

عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)

في سنّ الـ82، سيكون على المغنّي خوليو إغليسياس أن يواجه إحدى أصعب مراحل حياته، بعد اتهامات بالتحرّش الجنسي من عاملتَيْن كانتا تشتغلان في منزله في جزر الكاريبي. والجمعة، خرج المغنّي الإسباني عن صمته ونشر كلمة على حسابه في «إنستغرام»، نفى فيها تهمة «التحرّش أو الاستغلال أو التعامل بقلّة احترام مع أيّ امرأة». وأضاف أنّ الاتهامات الموجَّهة له من امرأتَيْن سبق لهما العمل في خدمته «كاذبة تماماً»، وقد سبَّبت له حزناً عميقاً.

وتعود القضية إلى عام 2021. ووفق معلومات نشرتها صحيفة «إل دياريو» الإسبانية وقناة «أونيفيزيون نوتيسياس»، فإنّ المدّعية الأولى كانت تبلغ 22 عاماً في وقت الحادثة، وزعمت أنها تعرّضت للعنف اللفظي والجسدي، وكانت مُجبرة على إقامة علاقة مع المغنّي الذي سحر ملايين النساء في أنحاء العالم في ثمانينات القرن الماضي بأغنيات الحبّ الرومانسي. وأضافت: «كنتُ أشعر بأنني عبدة له ومجرّد شيء يستخدمه كلّ ليلة تقريباً». أما المدّعية الثانية فكانت تعمل معالجة نفسية لدى المغنّي، وتزعم أنه «قبَّلها في فمها ولمس جسدها لمسات غير مقبولة، وعانت إهانات في جوّ من المراقبة والتحرُّش والرعب».

وفي منشوره، قال المغنّي المُعتزل إنه لا يزال يمتلك القوة ليكشف للناس عن الحقيقة ويدافع عن كرامته ضدّ هذا الهجوم الخطير. كما أشار إلى عدد الرسائل التي وصلته من أشخاص يعربون عن دعمهم له ويؤكّدون فيها ثقتهم به.

بعد خروج القضية إلى العلن، ظهر على السطح تسجيل مصوّر لخوليو إغليسياس يعود إلى عام 2004. ويبدو المغنّي في الشريط المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقبّل بالقوة مذيعة تلفزيونية في برنامج يُبثّ على الهواء. وتُشاهد المذيعة وهي تحاول صدّه وتذكيره بأنه متزوّج، لكن كلامها لم يؤثّر في المغنّي الذي باعت أسطواناته ملايين النسخ. ووفق صحيفة «الصن» البريطانية، فإنّ القضاء الإسباني يُحقّق في الشكويين المقدّمتين من المدّعيتين إلى محكمة في مدريد.

يُذكر أنّ المغنّي كان قد وقَّع عقداً مع منصّة «نيتفليكس» لإنتاج فيلم عن حياته، على أنه أول فنان غير إنجليزي يدخل الأسواق الأميركية والآسيوية، وليُصبح واحداً من أفضل 5 بائعي التسجيلات في التاريخ. فخلال أكثر من 55 عاماً من مسيرته الفنّية، أدّى خوليو إغليسياس أغنيات بـ12 لغة، محقّقاً شهرة لم يبلغها فنان من مواطنيه.


موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
TT

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة من خلال نشر صور قديمة مُعدّلة بفلاتر بسيطة، مرفقة بتعليق شائع يقول: «2026 هي 2016 الجديدة».

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، لاحظ مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، أثناء تصفحهم «إنستغرام» أو «تيك توك»، منشورات تُظهر حواجب مرسومة بعناية مع فلتر «سناب شات» على شكل جرو، أو صوراً رديئة الجودة التُقطت بهواتف «آيفون» لأشخاص يلعبون لعبة «بوكيمون غو»، في مشاهد تعبّر عن رثاء للعقد الماضي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

ومنذ بداية العام الجديد، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصورٍ تُظهر أشخاصاً ينبشون أرشيفاتهم الرقمية التي تعود إلى ما قبل عشر سنوات، ويشاركون صوراً مُجمّعة ومقاطع فيديو منخفضة الجودة توثّق تلك المرحلة الزمنية.

وأفادت منصة «تيك توك» بأن عمليات البحث عن مصطلح «2016» ارتفعت بنسبة 452 في المائة خلال الأسبوع الأول من العام، كما تم إنشاء أكثر من 56 مليون مقطع فيديو باستخدام فلتر ضبابي مستوحى من أجواء ذلك العام.

وانضم المشاهير والمؤثرون إلى هذه الموجة أيضاً؛ إذ نشرت النجمة سيلينا غوميز صوراً قديمة لها من جولتها الغنائية في تلك الفترة، بينما نشر تشارلي بوث مقطع فيديو له وهو يغني أغنيته الشهيرة من عام 2016 «We Don't Talk Anymore».

إذاً.. لماذا عام 2016؟

إلى جانب كونه الذكرى السنوية العاشرة، كان عام 2016 حافلاً بظواهر ثقافة البوب؛ فقد أصدرت بيونسيه ألبوم «Lemonade»، وظهرت تايلور سويفت بشعرها الأشقر في مهرجان كوتشيلا. كما هيمنت أغاني ذا تشينسموكرز ودريك على الإذاعات، وظلت منصة الفيديوهات القصيرة «فاين» تحظى بشعبية جارفة قبل إغلاقها في يناير (كانون الثاني) عام 2017.

لكنّ الأمر لا يقتصر فقط على جماليات المبالغة والرموز الثقافية التي تقف خلف عبارة «2026 هو 2016 الجديد». إذ يبدو أن مستخدمي الإنترنت يستغلون هذه اللحظة لاستعادة ذكريات عالم كان أبسط وأقل تعقيداً من عالمنا الحالي.

ففي عام 2016، كانت جائحة «كورونا» لا تزال بعيدة الاحتمال. ولم تكن ولايتا دونالد ترمب الرئاسيتان قد بدأتا بعد، كما لم تكن المعلومات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي قد غزت منصات التواصل الاجتماعي.

وكتب أحد مستخدمي تطبيق «إكس» تعليقاً على هذه الظاهرة: «أتمنى لو أعود إلى عام 2016.. يا له من زمن رائع كنا نعيشه!».

لكن في المقابل، وبينما قد تُصوّر هذه الظاهرة المتفائلة عام 2016 على أنه الهدوء الذي سبق العاصفة، جادلت الكاتبة كاتي روسينسكي من صحيفة «إندبندنت» بأن المشاركين في هذه الموجة يتغاضون عن حقيقة أن ذلك العام شهد صعوبات مثل غيره من الأعوام، من بينها وفاة رموز ثقافية بارزة مثل برينس، وديفيد باوي، وكاري فيشر.

وتابعت روسينسكي: «إن إعادة ابتكار عام 2016 بوصفه ذروة مبهجة، تُثبت قدرتنا المستمرة على الحنين إلى الماضي، وقدرتنا على تحويل حتى الأوقات الصعبة إلى لحظات جديرة بالذكرى بعد مرور بضع سنوات فقط».