الصوت وسيطاً فنياً: حين يتحول الحنين إلى تركيب بصري وسمعي

تفكيك الذاكرة في أعمال دنيا الشطيري

«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)
«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)
TT

الصوت وسيطاً فنياً: حين يتحول الحنين إلى تركيب بصري وسمعي

«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)
«أهدي سلامي وتحياتي» في أثناء عرضه في معرض «بين ثقافتين» 2023 (الفنانة)

لم يعد الفن المعاصر يكتفي باستخدام الأشكال والألوان المحددة والمألوفة، ولا بحصر التعبير الفني في إطار تقليدي بل بات يأخذنا في رحلة تتجاوز حدود الزمان والمكان. وهذا ما يحدث تماماً حين يختار الفنان أن يجعل من الصوت وسيطاً لعمله الفني، فيغدو الصوت باباً إلى تجربة حسية تتجاوز المرئي.

من الفنانين الذين لجأوا لاستخدام الصوت وسيلةً تعبير دنيا الشطيري، التي قدمت عدة أعمال كان الصوت فيها شخصية رئيسة والعنصر الأكثر تأثيراً. التقينا الشطيري للحديث عن عملها الفني «أهدي سلامي وتحياتي» الذي كان بمثابة الوجهة المبتغاة في رحلة طويلة مع أصوات رافقتها منذ طفولتها.

دنيا الشطيري (إنستغرام)

بدأنا الحوار بالسؤال عن منشأ فكرة عمل «أهدي سلامي وتحياتي»، لكن الفنانة دنيا الشطيري بادرت بالقول: «لا أستطيع الحديث عن العمل بشكل منفصل»، مشيرة إلى أن كل عمل بالنسبة لها هو جزء من ممارستها الفنية، وأن فكرة «أهدي سلامي وتحياتي» بشكل خاص مرت بعدة محطات حتى تبلورت بشكلها النهائي. إذن أين كانت البداية؟

صوت مرئي

تأخذنا الفنانة في رحلة حسية إلى مشاهد من طفولتها، حيث اعتادت الجلوس أمام جهاز تسجيل الصوت، تستمع إلى أصوات أحبّتها الغائبين، محاولةً تعويض غيابهم الفيزيائي بحضورهم السمعي. ومع مرور الزمن، لم يتبقَّ في ذاكرتها سوى خيالات ضبابية لتلك اللحظات المسموعة، التي بدأت تتلاشى تدريجياً.

هذا الحنين دفعها إلى الانشغال بسؤال: كيف يُحفظ الصوت في الذاكرة الإنسانية؟ ومن هنا، انطلقت في دراسة علمية للصوت، محاولةً فهم آلياته وتجسيده بصرياً. كانت ثمرة هذا البحث عملاً تركيبياً بعنوان «صوت مرئي»، شكّل نقطة تحول في علاقتها مع الصوت.

عمل «نبأ» (الفنانة)

يتكوّن العمل من تنسيق دقيق لأسلاك وأنابيب مثبتة على لوح خشبي، تنعكس عليها إضاءة مدروسة تُحدث تأثيراً بصرياً يوحي بترددات صوتية. بهذا العمل، لا تكتفي دنيا باستحضار الصوت، بل تمنحه جسداً مرئياً، ليصبح الحنين تجربة حسية متعددة الأبعاد.

«نبأ» كان المحطة الثانية لرحلة دنيا. في هذا العمل أرادت استكشاف طاقة الصوت، هذه الاهتزازات غير المرئية التي تتغلل في الجسد والروح تاركة أثراً مغايراً في كل مرة. اختارت أن يرافق عملها التركيبي صوت الأذان المؤثر في حياتنا وثقافتنا والأثير لأرواحنا. عرض العمل الفني «نبأ» في متحف الشارقة ضمن مهرجان الفن الإسلامي لعام 2019.

«سلام على قمر غاب عني»

وصلنا للمرحلة الأهم والعمل الذي كانت تقترب منه خطوة بخطوة مع كل عمل فني تقدمه. وقفت دنيا هذه المرة، في مواجهة أكبر مع الصوت بكل ما يحمله من غياب وحنين وذاكرة شخصية وجماعية.

في عملها الفني «أهدي سلامي وتحياتي»، تستحضر الفنانة عالم المهاجرين اليمنيين الذين وصلوا إلى السعودية خلال ثمانينات القرن الماضي. تعود بذاكرتها إلى مسقط رأسها في مدينة يافع، تلك المدينة الجبلية الواقعة جنوب اليمن، والتي كانت شبه منعزلة آنذاك، ما جعل شرائط الكاسيت الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الأحبة الغائبين.

تتذكر دنيا صوت جدّها وهو يخاطبها عبر الأثير قائلاً: «سلام على قمر غاب عني». وتعلق على ذلك بقولها: «ما زالت تلك الأصوات تؤثر بي، لقد أصبحتْ جزءاً من ذاكرتي الفردية، لكنني اكتشفت أنها تتقاطع أيضاً مع تجارب الكثير من المهاجرين».

وعن اختيارها لعنوان العمل، تشير إلى نسخة أخرى منه عُرضت في مدينة القاهرة، حيث التقت بعدد من المهاجرين في محاولة للمقارنة بين الماضي والحاضر. تقول: «سألتهم إن كانت عبارة (أهدي سلامي وتحياتي) تذكّرهم بشيء، فردّ الكثيرون بالإيجاب. منهم من قال: نعم، تذكرني بجدي، أو بعمي، وآخرون قالوا: تذكرني بفرحتنا عندما كنا أطفالاً حين تصلنا التسجيلات».

عمل «أهدي سلامي وتحياتي» (الفنانة)

الصوت ورغبة التواصل

«أهدي سلامي وتحياتي» الذي عرض في معرض «بين ثقافتين» في الرياض عام 2023، هو عمل تركيبي مكون من جزء بصري، عبارة عن جدارية داكنة من أشرطة كاسيت قديمة، ينعكس عليها ضوء متحرك، يرسم ذبذبات مرئية لثلاثة أحرف عربية منفصلة تكون كلمة «وصل». يمثل الضوء المتحرك طيفاً للحنين ورغبة بالاتصال والتواصل، أما الصوت الخارج من سماعة مخفية فتتحدث عنه دنيا قائلة: «هو مقتطفات جمعتها واخترتها بعناية، واخترت لها تدرجاً عاطفياً معيناً، يبدأ من لحظة شوق وحنين، بعدها حزن وانكسار وأخيرا أمل». أما عن مصدر التسجيلات الصوتية فأخبرتنا أن جزءاً منها تسجيلات خاصة، وباقي التسجيلات جمعتها من أشخاص مختلفين، حيث إن هذه التسجيلات - بحسب تعبيرها - هي إرث تحتفظ به العائلات.

الصوت هويةً ثقافية

وعن كيفية استقبال الجمهور للعمل، تجيب دنيا: «في البداية، كان الصمت هو السمة المشتركة في أثناء الاستماع إلى التسجيلات، ثم يبدأ النقاش حول العمل»، وتضيف أن العمل جذب مختلف الأعمار «الكبار يجرّهم الحنين، والصغار دفعهم الفضول». وفي موقف مؤثر لم تشهده بنفسها، علمت دنيا أن أحد كبار السن بكى بشدة أمام العمل، تضيف معلقة: «ترى، لأي محطة حزن أخذه العمل؟».

وبالسؤال عن استعانتها بالصوت في أعمالها ومدى انسجامه مع المفهوم الذي تسعى لتقديمه، توضح دنيا أن ممارستها الفنية «مرتبطة بتقديم صورة أوسع لمفاهيم الاتصال والتواصل، من خلال تفكيك الفهم السائد نحو مواضيع باتت تعد من المسلمات. والصوت بالنسبة لها هو وسيط مثل الألوان والقماش، قادر على تحريك الحواس وإثارة الذاكرة وإعادة تشكيل الوعي الإنساني». وتختم حديثها بقولها: «غدت هذه الأصوات جزءاً من هويتنا الثقافية، فكلنا نتلاقى في الذاكرة والأحزان».


مقالات ذات صلة

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.