«أكاديمية الفنون والثقافة»... منصة وطنية لاحتضان المواهب الطلابية وصقلها

الأولى من نوعها في السعودية

«أكاديمية الفنون والثقافة»... مدارس الموهوبين الثقافية (وزارة التعليم)
«أكاديمية الفنون والثقافة»... مدارس الموهوبين الثقافية (وزارة التعليم)
TT

«أكاديمية الفنون والثقافة»... منصة وطنية لاحتضان المواهب الطلابية وصقلها

«أكاديمية الفنون والثقافة»... مدارس الموهوبين الثقافية (وزارة التعليم)
«أكاديمية الفنون والثقافة»... مدارس الموهوبين الثقافية (وزارة التعليم)

في خطوة غير مسبوقة تعكس التكامل بين التعليم الأكاديمي والبرامج الفنية الإبداعية، أعلنت وزارة التعليم، بالشراكة مع وزارة الثقافة، عن إطلاق مبادرة «أكاديمية الفنون والثقافة»؛ بهدف استقطاب ورعاية وتنمية المواهب الإبداعية لدى طلبة التعليم العام، وذلك عبر برامج مختصة في مجالات الرسم، والعزف، والمسرح والتمثيل، والغناء.

وتُعدّ هذه «الأكاديمية» الأولى من نوعها في المملكة، وستنطلق مرحلتها الأولى مع العام الدراسي باستقبال طلاب الصفين الرابع الابتدائي والأول المتوسط، في مدرستين فقط: إحداهما للبنين في مدينة الرياض، والأخرى للبنات بمدينة جدة، على أن يحدث التوسع تدريجياً لتشمل جميع المراحل الدراسية وتغطي مختلف مناطق المملكة.

وتقوم فلسفة «الأكاديمية» على الدمج بين المناهج الدراسية المعتمدة من وزارة التعليم والتدريب الفني العملي، من خلال مناهج حديثة وكوادر مختصة، ضمن بيئة تعليمية محفزة توازن بين التحصيل العلمي وصقل المواهب الفنية، بما يضمن للطلاب رحلة تعليمية شاملة تغذي عقولهم ومهاراتهم في آن معاً.

ويشترط للتقديم أن يكون الطالب قد أنهى الصف الثالث الابتدائي أو السادس الابتدائي، وينتقل إلى الصف الرابع الابتدائي أو الأول المتوسط، مع اختيار مجال موهبة واحد فقط من المجالات المطروحة، وتقديم أعمال أو عروض أداء تثبت الموهبة، بالإضافة إلى مقطع فيديو قصير يوضح سبب الرغبة في الانضمام إلى «الأكاديمية».

وأكدت وزارتا التعليم والثقافة أن المبادرة تأتي في إطار مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، لتمكين جيل جديد يجمع بين التفوق العلمي والإبداع الفني، وتعزيز الهوية الثقافية للمملكة، وبناء قاعدة صلبة لمستقبل ثقافي مزدهر.

أبعاد مسرحية وتربوية

في حديث مع الـ«الشرق الأوسط»، أوضحت عضو «الاتحاد الدولي لأبحاث المسرح» بجامعة كامبريدج، الدكتورة نوف الغامدي، أن تدريس المسرح والتمثيل في سن مبكرة «ليس مجرد نشاط فني، بل أداة تربوية شاملة تتيح للطالب التعبير عن ذاته وصياغة شخصيته على أسس واثقة، تنمي لديه مهارات حياتية متقدمة».

وأشارت إلى أن دراسة صادرة عن «National Endowment for the Arts» أثبتت أن التعليم الفني المبكر «يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحسين الأداء الأكاديمي وتعزيز النمو الاجتماعي والعاطفي، بينما أظهرت (برامج التعلم الاجتماعي العاطفي -SEL) تحسناً في نتائج الطلاب الأكاديمية بنسبة 11 نقطة مئوية».

وأضافت الغامدي أن «الاتحاد الأميركي لمعلمي المسرح» يؤكد أن الطلاب المشاركين في الأنشطة المسرحية «يحققون معدلات أعلى في اختبارات (إس إيه تي - SAT)، بواقع 65.5 نقطة في قسم اللغة، و35.5 نقطة في الرياضيات، مقارنة بغير المشاركين؛ مما يعكس أثر المسرح في ترسيخ الثقة بالنفس، وكسر حاجز الخوف من مواجهة الجمهور، وتنمية القدرات التواصلية، وصقل مهارات الإصغاء والعمل بروح الفريق، فضلاً عن تطوير التفكير النقدي والإبداعي».

معايير اكتشاف الموهبة المسرحية

وبشأن المعايير الأساسية لاكتشاف الموهبة المسرحية الحقيقية لدى الأطفال بعيداً عن الأداء المدرسي التقليدي، شددت الدكتورة نوف على أن «الموهبة الحقيقية لا تُختزل في القدرة على الحفظ أو أداء النصوص بأسلوب تقليدي، وإنما تتجلى في التعبير الصادق، والتفاعل التلقائي مع المواقف التمثيلية، وامتلاك الحضور المسرحي القادر على جذب الجمهور».

واستشهدت بدراسة تطبيقية أُجريت في تركيا على طلاب في تخصص تنمية الطفل ضمن برنامج «الدراما في التعليم» امتد 13 أسبوعاً، حيث «سجّل المشاركون فيه تحسناً معنوياً في مهارات التواصل الاجتماعي مقارنة بمجموعة لم تشارك في البرنامج؛ مما يؤكد أن التدريب المسرحي المبكر يسهم في بناء قدرات تواصلية واجتماعية متقدمة».

كما أشارت إلى أن «القدرة على الارتجال، وفهم أبعاد الشخصيات وأعماقها النفسية، والالتزام بروح الفريق، والانضباط في التدريب... كلها مؤشرات جوهرية على وجود موهبة فطرية تستحق الاستثمار».

ثمار مستقبلية للمبادرة

وبشأن تأثيرات مبادرة «أكاديمية الفنون والثقافة» على المشهد المسرحي والفني السعودي على المدى البعيد، عدّت الدكتورة نوف أن «إطلاق (الأكاديمية) خطوة استراتيجية لتأسيس جيل جديد من المبدعين المؤهلين أكاديمياً منذ مراحل التعليم العام، بما يضمن بناء قاعدة احترافية للفنون المسرحية».

وأشارت إلى أن بيانات وزارة الثقافة تكشف عن أن عدد العروض المسرحية المحلية بلغ 273 عرضاً في عام 2018، فيما أنتجت «الهيئة العامة للترفيه» 44 مسرحية محلية في عام 2019؛ «مما يعكس وجود أرضية خصبة قابلة للتطوير.

ومع تنفيذ مبادرات نوعية مثل (School Theatre Initiative)، التي تستهدف تدريب 28 ألف معلم في المدارس الحكومية على تقنيات التمثيل والإنتاج المسرحي»، توقعت أن «تشهد المملكة طفرة نوعية في جودة الإنتاج المسرحي وزيادة المحتوى الإبداعي المحلي، بما يواكب المعايير العالمية».

وأكدت أن هذه الجهود «ستعزز القدرة التنافسية للمواهب الوطنية في الساحتين الإقليمية والدولية، وتحفز الاقتصاد الإبداعي، وتخلق فرص عمل نوعية، فضلاً عن تعزيز القوة الناعمة للمملكة عبر توظيف الفنون جسراً للتواصل الثقافي والحضاري مع العالم».


مقالات ذات صلة

تطلع سعودي لاتفاق دائم يعزز أمن المنطقة

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (الخارجية السعودية)

تطلع سعودي لاتفاق دائم يعزز أمن المنطقة

أعرب الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ترحيب بلاده بالوصول لاتفاق بين أميركا وإيران لإنهاء العمليات العسكرية بجهود وساطة بذلتها باكستان.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الدعم السعودي الجديد جاء استجابةً للاحتياجات العاجلة للحكومة اليمنية (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

دفعة سعودية جديدة بـ60 مليون دولار لدعم الموازنة اليمنية وتغطية الرواتب

أعلن محمد آل جابر، السفير السعودي لدى اليمن، الجمعة، دعم بلاده عجز موازنة الحكومة اليمنية لتغطية الرواتب لموظفي الدولة بمبلغ يقدر بنحو 60 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)

«البحرية السعودية» تُعوّم أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»

عوّمت القوات البحرية الملكية السعودية «سفينة جلالة الملك المدينة»، أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»، في حوض البناء التابع لشركة «نافانتيا» الإسبانية.

«الشرق الأوسط» (سان فرناندو (إسبانيا))
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى (واس)

ولي العهد السعودي وملك البحرين يستعرضان المستجدات الإقليمية

استعرض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى، هاتفياً، آخر المستجدات الإقليمية، وجهود تعزيز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)

السعودية ومصر وتركيا وباكستان لـ«ترسيخ التعاون والشراكة»

تستضيف القاهرة، اجتماعاً رباعياً يضم وزراء خارجية دول السعودية وتركيا وباكستان، بعد أيام من بلورة مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران لوقف الحرب.

محمد محمود (القاهرة)

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)
«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)
TT

«أوزيريس»... باليه يستعيد وهج الأسطورة المصرية القديمة

«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)
«باليه أوزوريس» حمل معاني رمزية لصراع الخير والشر (الشرق الأوسط)

في عرض يستعيد وهج الأساطير المصرية القديمة، قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة، بالاشتراك مع أوركسترا أوبرا القاهرة «باليه أوزوريس» في أربع حفلات من الثلاثاء إلى الجمعة 16 - 19 يونيو (حزيران) الحالي، في ختام الموسم الفني لدار الأوبرا المصرية هذا العام، بالإضافة إلى عرضي «رقصات نلتقي بها» و«تابلوهات من أوبرا الأمير إيغور».

ويتناول باليه «أوزوريس» الذي وضع موسيقاه جمال عبد الرحيم، وصمم رقصاته عبد المنعم كامل وأرمينيا كامل، وصمم ديكوراته محمد الغرباوي، الأسطورة المصرية القديمة «أوزوريس وإيزيس» من خلال مجموعة لوحات وتابلوهات راقصة تشير إلى الحياة السعيدة التي يعيشها أوزوريس مع زوجته إيزيس في ربوع الطبيعة الخلابة ويهنآن بالحب والسلام، ثم ظهور شقيقه «ست» وزوجته نفتيس، والغيرة التي تشتعل في قلب ست وقرار التخلص من أخيه بمؤامرة يعدها في قصره، بمساعدة نفتيس.

عرض أوزوريس اعتمد على موسيقى تمزج بين الشرق والغرب (الشرق الأوسط)

وتتوالى اللوحات الراقصة على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، لتصور مشاعر الحزن والأسى التي تعتري إيزيس بعد مقتل زوجها أوزوريس «الملك المغدور»، ويظهر بعد ذلك حورس الابن لينتقم لوالده من عمه مغتصب العرش، وفي النهاية تتوّج إيزيس ابنها حورس ملكاً للبلاد بعد أن يتغلب على جيوش عمه «ست» مغتصب العرش، في حوارية رمزية تعكس حضور الخير ممثلاً في أسرة أوزوريس، والمكر الشرير ومشاعر الغيرة والحقد التي يمثلها «ست».

وتقول أرمينيا كامل، المدير الفني لفرقة باليه أوبرا القاهرة إنها اختارت «باليه أوزوريس» لتقديمه في ختام الموسم الفني للأوبرا لما يمثله من حالة رمزية وصراع بين الخير والشر، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «العرض يقدم الأسطورة المصرية القديمة بما تحمله من معانٍ رمزية ثرية، وقد وضع موسيقاه الموسيقار الكبير جمال عبد الرحيم الذي مزج بين الموسيقى الغربية والشرقية في استعادة الأسطورة»، موضحة أن «هذا الباليه تم تقديمه للمرة الأولى في ثمانينات القرن الماضي، وحقق نجاحاً لافتاً. وتشير إلى أن العرض تضمن رقصات متنوعة شاركت فيها مجموعات من الراقصين من المعهد العالي للباليه.

وقال المايسترو محمد سعد باشا، قائد أوركسترا أوبرا القاهرة، إن «الموسيقار جمال عبد الرحيم يحاكي الموسيقى في الحضارة المصرية القديمة في (باليه أوزوريس)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أننا ليس لدينا ما يوثق الموسيقى صوتياً بشكل واضح، لكن لدينا ما يوثق الآلات الموسيقية مثل الهارب والناي وآلات الإيقاع البسيطة، والمؤلف اعتمد على هذه الآلات في نسج موسيقاه في خمس لوحات متتابعة في أوزوريس».

«باليه أوزوريس» استعاد الأسطورة المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وسبق أن قدمت أرمينيا كامل والموسيقار محمد سعد باشا باليه «كليوباترا» في عدة مواسم، وتقول عن اهتمامها بالتاريخ المصري القديم وإعادة تقديمه في عروض الباليه «إن التاريخ المصري القديم يحمل أبعادا إليجورية (رمزية) يمكن تقديمها في عروض فنية متنوعة خصوصاً فنون الأداء الحركي والموسيقي، وتمثل ربطاً بين الواقع الفني الحديث واستدعاء التاريخ القديم، ويلقى هذا الربط الفني التاريخي قبولاً لافتاً من جمهور الأوبرا المصرية».

وعن تقديم دار الأوبرا المصرية أعمالا مستوحاة من الأدب والحضارة المصرية القديمة قال باشا: «هناك أكثر من عمل يستدعي القصص والوقائع التي حدثت في التاريخ المصري القديم، وقد قدمنا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (باليه كليوباترا) من موسيقى محمد سعد باشا، وتصميم رقصات لأرمينيا كامل».

عرض «رقصات نلتقي بها» جسد معاني مختلفة حول العلاقات الإنسانية (الشرق الأوسط)

وشهد الحفل الختامي أيضاً تقديم باليه «رقصات نلتقي بها» الذي كتب موسيقاه يوهانز برامز وصمم الرقصات تيري مالاندان، ويدور حول مجموعة من العلاقات الطريفة بين أربعة شباب وأربع فتيات يحاول كل منهم التعرف على الآخر، وخلال ذلك تبرز بعض الطبائع النفسية لأبطال العرض والتي تنوعت بين الخجل، التردد، الغرور، التهور والجدية. يقدم العرض مجموعة من الرقصات المجرية التراثية التي تتسم بالخفة والمرح والجاذبة في لغة عالمية.

كما تضمن الحفل أيضاً رقصات من أوبرا «الأمير إيغور» موسيقى ألكسندر بورودين، وتصميم فالنتين بيرس.

ووفق بيان لدار الأوبرا المصرية، «يأتي العرض في إطار تقديم الدار روائع الفنون الكلاسيكية العالمية وإبراز الإبداعات المستلهمة من التراث الإنساني، بما يسهم في إثراء الوعي الجمالي، وتعزيز التواصل بين الثقافات المختلفة إلى جانب دعم فن الباليه باعتباره أحد أهم الفنون الراقية القادرة على التعبير عن القيم الإنسانية النبيلة عبر لغة الحركة والموسيقى».

وأكد محمد سعد باشا أن «الأوبرا المصرية مهتمة بتقديم الأعمال ذات الأصل المصري بموسيقى أصيلة، مما يعكس دور الأوبرا مركزاً ثقافياً مصرياً تعبر عن ثقافة البلد بعناصرها المتنوعة، وترسخ دورها في دعم الفنان المصري مؤلفاً وعازفاً وقائداً عبر مختلف أنواع الفنون التي تقدمها دار الاوبرا من باليه وأوبرا وموسيقى عربية لإبراز المواهب المصرية والإنتاج المصري الأصيل في جميع الفنون».


أقدم جسر في باريس يتحول لكهف جبلي مصنوع من القماش

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
TT

أقدم جسر في باريس يتحول لكهف جبلي مصنوع من القماش

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

مرّ أكثر من 40 عاماً منذ أن قام الفنان المعروف باسم «كريستو» بتغليف جسر «بون نوف» (Pont Neuf) بقماش بلون الحجر الرملي، مما أطلق حقبة من مشاريع الفن الحضري التي تتنافس في تقديم الأضخم والأكثر إبهاراً. والآن، جرى تغليف الجسر المحبوب - وهو الأقدم في باريس – مجدداً، وهذه المرة بمساحات شاسعة من القماش الذي نُفخ بالهواء ليخلق وهماً بصرياً لسلسلة جبلية وعرة ترتفع فوق هيكل الجسر الأنيق.

في أثناء التحضير لتحويل جسر «بون نوف» في باريس إلى كهف صخري (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

ابتداءً من هذا الأسبوع وحتى 28 يونيو (حزيران)، سيتمكن الزوار من السير عبر جسر «بون نوف» بحلته الجديدة، وذلك عبر ممر يشبه الكهف؛ حيث تخلق الإضاءة ذات الطابع الدرامي والمؤثرات الصوتية المحيطة تجربة «واقع معزز»، وذلك بحسب الفنان الفرنسي «جي آر» (JR) - وهو فنان شارع يفضل الغموض ويصف نفسه بأنه تلميذ لـ«كريستو» - والذي يقف وراء هذا المشروع. يقول «جي آر» - الذي وصل لإجراء المقابلة على دراجة كهربائية، مرتدياً قبعته ونظارته الشمسية المميزتين: «أنت تدخل مكاناً تشعر فيه وكأنك داخل شرنقة، أو في رحم أمك... إنه أمر مذهل».

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» (JR) يغلف جسر «بون نوف» في باريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

بالنسبة للفنان «JR» - الذي نشأ في إحدى ضواحي باريس، ويقيم في نيويورك، واشتهر بهالة من الغموض أحاطت بمسيرته الممتدة لعقدين في إبداع أعمال فنية عامة مذهلة من كاليفورنيا إلى إيطاليا - فإن هذا الافتتاح الكبير يمثل نهاية لمخاضٍ عسيرٍ واجه العمل في بداياته؛ ففي الثاني من يونيو، مزقت الرياح العاتية الغطاء القماشي عن قمة العمل الفني، مما أدى إلى تأجيل الافتتاح لأكثر من أسبوع لإصلاح الأضرار. وقد أعاد هذا الموقف إلى الأذهان مشروعاً آخر للفنان «كريستو» يُدعى «ستارة الوادي» (Valley Curtain)، حيث مُدَّت قطعة قماشية ضخمة عبر طريق جبلي سريع في ولاية كولورادو؛ إذ تمزقت تلك الستارة بفعل الرياح القوية بعد ساعات قليلة فقط من بسطها عام 1972.

يشرف الفنان الفرنسي «جي آر» على عملية تغليف جسر «بون نوف» (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

وفي الواقع، يُعد تدفق الهواء عنصراً حيوياً لتشكيل الصخرة الوهمية المقامة على جسر «بونت نوف» (Pont Neuf). وقد أوضح «JR» (وهو اسم مستعار) كيف أن ملء الهيكل القماشي بالهواء أتاح له إنشاء بناءٍ كان سيصبح ثقيلاً للغاية ومكلفاً جداً ويستغرق وقتاً طويلاً في التنفيذ، لو أنه اعتمد على تعليق القماش فوق سقالات معدنية تمتد لمسافة 400 قدم.

جاءت فكرة استخدام الهواء من «فلاديمير يافاشيف» - ابن شقيق «كريستو» وحافظ إرثه الفني - الذي عمل مع عمه وزوجة عمه «جان كلود» في العديد من أعمالهما الشهيرة، بما في ذلك مشروع «البوابات» (The Gates) - وهو عمل فني من القماش بلون الزعفران أقيم في «سنترال بارك» بنيويورك - ومشروع تغليف «قوس النصر» في باريس. وكان «كريستو»، الذي توفي عام 2020، قد أجرى تجارب سابقة باستخدام نماذج قابلة للنفخ. وقد وجه «يافاشيف» المشروع نحو الفنان «JR» كجزء من سلسلة فعاليات لإحياء ذكرى أعمال «كريستو» الكبرى. وقال «يافاشيف»: «بالنسبة لمشروع جسر (بون نوف)، فكرت أنه سيكون أمراً رائعاً أن ندعو فناناً آخر ليقدم رؤيته وتفسيره الخاص للعمل». هل كان «كريستو» سيُعجب بهذا العمل؟ أجاب «يافاشيف»: «لا أريد أن أجزم بذلك؛ فالفنان (JR) له رؤيته الخاصة، وآخر ما ينبغي فعله هو التدخل في فكرة الفنان».

جانب من عملية تركيب العمل الفني للفنان الفرنسي «جي آر» (JR) على جسر «بون نوف» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

بالنسبة للفنان JR، يُعد هذا المشروع تكريماً صريحاً ومباشراً للفنان الذي يُعدّ المؤسس الفعلي لنوع «العروض الفنية العامة الضخمة». وقد جمعت الصدفة بين الرجلين؛ إذ يتذكر JR أن كريستو حضر ذات مرة أحد معارضه. وقد عبّر JR عن إعجابه الشديد بالطريقة التي كان يتبعها كريستو - المولود في بلغاريا - في الضغط المستمر على السلطات البلدية، أحياناً لسنوات عديدة، للحصول على الموافقة على أعماله الفنية التركيبية. وأقر JR بأن هذا المشروع لم يواجه مثل تلك الصعوبات للحصول على الموافقة؛ فالعروض الفنية العامة لم تعد تُعتبر أعمالاً «متمردة» أو مثيرة للجدل كما كانت في السابق. بل على العكس، وبعد مرور أربعة عقود، بات يُنظر إليها على أنها وسيلة مضمونة لجذب الاهتمام الإعلامي وتنشيط السياحة.

عمل فني تركيبي للفنان الفرنسي «جي آر» يغطي جسر «بون نوف» في باريس بأقمشة تحاكي التضاريس الجبلية الوعرة والكهوف (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

ذكر JR أن العديد من المسؤولين في باريس، الذين وافقوا على عمل «كهف بون نوف» (The Cave of Pont Neuf) - وهو الاسم الذي أُطلق على هذا العرض - كانوا يتذكرون عمل كريستو الأصلي بمشاعر طيبة، رغم أن المارة كانوا يتعثرون أحياناً ويسقطون فوق القماش الذي مدّه كريستو على سطح الجسر.

ويحاكي JR أسلوب كريستو في جانب آخر؛ إذ صرح بأنه لا يقبل أي تمويل عام لعروضه، بل يمولها من خلال مبيعات أعماله الفنية وعقد شراكات مع الشركات. وفي هذه الحالة، تشمل قائمة الرعاة شركة «سيلزفورس» (Salesforce) العملاقة في مجال الحوسبة السحابية، ومبادرة «بلومبرغ كونيكتس» (Bloomberg Connects) التي تتعاون مع المتاحف. كما قامت شركة «سناب» (Snap) الأميركية للتكنولوجيا - وهي الشركة المطورة لتطبيق «سناب شات» - بتصميم برنامج «الواقع المعزز» في استوديوهاتها بباريس. وسيكون بإمكان الزوار، سواء باستخدام نظارات خاصة أو عبر تطبيق على هواتفهم، رؤية صور لأشخاص وحيوانات ومشاهد أخرى تومض وتتحرك على جدران الكهف.

ولتأليف الموسيقى التصويرية الخاصة بالكهف، استعان JR بالموسيقي والمنتج الفرنسي توماس بانغالتر، العضو السابق في فرقة «دافت بانك» (Daft Punk) الفرنسية الشهيرة لموسيقى الـ«هاوس». وهناك أيضاً بُعد يتعلق بالرائحة للتجربة؛ إذ طورت دار العطور الفرنسية «أودور سكولا» (Odore Scola) رائحة تقول إنها تحاكي الرائحة الطبيعية للكهوف.

في أثناء التحضير لتحويل جسر «بون نوف» في باريس إلى كهف صخري (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

لكن، أي نوع من الفن هذا بالضبط؟ لقد كان العديد من أعمال «جي آر» (JR) السابقة - مثل تلك التي نُفذت عند مدخل هرم متحف اللوفر أو على واجهة دار أوبرا باريس - بمثابة تجارب في فن الخداع البصري (أو ما يُعرف بـtrompe l’oeil). ففي روما وفلورنسا، بدا وكأنه يُقشّر جدران المباني القديمة ليكشف عما بداخلها. أما بالنسبة لعمله عند جسر «بون نوف» (Pont Neuf)، فيقول الفنان إن الفكرة تكمن في الربط بين الماضي والحاضر؛ إذ ترمز الصخور المستخدمة إلى تلك التي استُخرجت من المحاجر لبناء الجسر عام 1607. ويشير «جي آر» إلى أن الكهف يثير مخاوف فطرية من الظلام، ولكنه يبعث في الوقت نفسه على الشعور بالأمان والدفء. وهناك أيضاً دلالة على العزلة التي يفرضها العصر الرقمي، حيث يعيش الناس - على حد تعبيره - داخل كهوفهم الإلكترونية الخاصة. يقول «جي آر»: «لقد نشأتُ في بيئة خرسانية، ولا خبرة لي بالكهوف. ومع ذلك، ثمة شيء يربطني بها في أعماق جذوري، تماماً كما يربطنا جميعاً».

جانب من عملية تركيب العمل الفني للفنان الفرنسي «جي آر» (JR) على جسر «بون نوف» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

لم يقتنع الجميع بالأمر؛ فقد كتب جيروم جودفروا، وهو مذيع فرنسي متقاعد، على وسائل التواصل الاجتماعي: «كانت هناك أناقة بالغة في الطريقة التي كسا بها الزوجان (كريستو) جسر (بون نوف) قبل نحو 40 عاماً. وبالكاد يمكن قول الشيء نفسه عن ذلك (الكهف) ذي الطراز الوحشي (البروتالي) الذي يفرضه علينا الفنان (جي آر) - الموجود في كل مكان - على الجسر ذاته». تباينت الآراء بين السكان المحليين والسياح الذين احتشدوا على ضفاف نهر السين لمشاهدة العمل الفني قبل افتتاحه رسمياً. قالت دومينيك فاندفيل (76 عاماً): «أجده عملاً مبتكراً وجميلاً للغاية»، مستذكرةً كيف حوّل تغليف كريستو للجسر المكان إلى ما يشبه غرفة معيشة للمدينة، وأضافت: «أعتقد أن هذا العمل سيجمع الناس معاً بالطريقة نفسها». في المقابل، علّق شريكها لوران دو لا شو (80 عاماً) بنبرة تنم عن عدم الإعجاب قائلاً: «إنه عمل مبتكر، لكنه ليس جميلاً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«البحرية السعودية» تُعوّم أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»

«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)
«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)
TT

«البحرية السعودية» تُعوّم أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»

«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)
«سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى بين 3 سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200» (الشرق الأوسط)

عوّمت القوات البحرية الملكية السعودية، الجمعة، «سفينة جلالة الملك المدينة»، أولى سفن المرحلة الثانية من «مشروع السروات»، في حوض البناء التابع لشركة «نافانتيا» بمدينة سان فرناندو الإسبانية.

وتأتي خطوة التعويم عقب اكتمال مرحلة البناء والتجميع لبدن السفينة، لتنتقل إلى مرحلةٍ متقدمة تشمل تثبيت المنظومات ودمجها، تليها اختبارات القبول في الميناء والتجارب البحرية؛ تمهيداً لدخولها الخدمة الرسمية في القوات البحرية.

وتُعدّ «سفينة جلالة الملك المدينة» الأولى من بين ثلاث سفن قتالية متعددة المهام من طراز كورفيت «أفانتي 2200»، إلى جانب «سفينة جلالة الملك نيوم» و«سفينة جلالة الملك العلا».

تعويم «سفينة جلالة الملك المدينة» عقب اكتمال مرحلة البناء والتجميع لبدنها (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الدفاع السعودية وقّعت في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2024 عقداً مع «نافانتيا» الإسبانية للاستحواذ على هذه السفن وتوريدها؛ استكمالاً لنجاح المرحلة الأولى من «مشروع السروات»، التي اكتملت ببناء وتسليم خمس سفن قتالية إلى القوات البحرية.

وجرت مراسم التعويم بحضور اللواء البحري الركن صالح الخثعمي، مدير أركان القوات البحرية، نيابةً عن الفريق الركن محمد الغريبي، رئيس أركان القوات البحرية، وريكاردو دومينغيز، رئيس مجلس إدارة «نافانتيا».

من جانبه، ثمَّن الفريق الركن محمد الغريبي الدعم غير المحدود الذي تحظى به القوات المسلحة عامةً و«البحرية» خاصةً من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، مؤكداً أنه أسهم في تطوير القدرات الدفاعية، ورفع مستوى الجاهزية والكفاءة العملياتية.

جانب من مراسم تعويم «سفينة جلالة الملك المدينة» في حوض شركة «نافانتيا» بمدينة سان فرناندو الإسبانية (الشرق الأوسط)

وأكد رئيس أركان القوات البحرية أن المشروع يسير وفق الخطة الزمنية المعتمدة، بإشراف ومتابعة فريق متخصص؛ بما يحقق أعلى مستويات الكفاءة والجاهزية، مضيفاً أن المشروع يتضمن حزمة متكاملة من الدعم اللوجستي وتأهيل أطقم السفن وتدريبها، إلى جانب استكمال أعمال السفينتين الثانية والثالثة داخل السعودية.

ويهدف «مشروع السروات» إلى نقل وتوطين صناعة السفن والتقنية البحرية العسكرية في السعودية، عبر تدريب الكوادر الفنية الوطنية وإشراكها في أعمال البناء، في حين تضطلع «شركة الصناعات العسكرية (سامي)» بدور محوري في تطوير نظام إدارة المعركة البحرية «حزم» ودمجه مع منظومات التسليح، بما يعزز تطوير القدرات المحلية ويحقق مستهدفات «رؤية 2030».

وتُعزز سفن المشروع قدرات القوات البحرية، بما تمتلكه من منظومات قتالية وتقنيات متقدمة، في التعامل مع مختلف التهديدات الجوية والسطحية وتحت السطحية، ومراقبة المجال البحري وحماية المصالح الحيوية والأصول الاستراتيجية للسعودية.