المايسترو لبنان بعلبكي... عصا من نغَم تراقص الشرق والغرب

قائد الأوركسترا اللبناني يرافق كبار الأغنية العربية ويحلم بإنشاء دار أوبرا

المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
TT

المايسترو لبنان بعلبكي... عصا من نغَم تراقص الشرق والغرب

المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)

فيه شيءٌ من السحَرة ولاعبي الخفّة ذاك الرجل الواقف على المسرح رافعاً العصا الخشبية وملوّحاً بها. ليس لبنان بعلبكي ديفيد كوبرفيلد، لكنّ المايسترو اللبناني يقرّ بأنّ قائد الأوركسترا نصفُه موهبة موسيقية تسحر الآذان، ونصفُه الثاني «حالة بصريّة جذّابة وغامضة بالنسبة إلى الجمهور».

بالتزامن مع صيفٍ حافل بالمهرجانات والإطلالات إلى جانب كبار الفنانين، يتحدّث قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» عن محاولة اختراع الفرح والحلم، بعد حربٍ دمّرت بيت العائلة في الجنوب وقضت على جزءٍ كبير من أغلى الذكريات.

بحركةٍ من عصاه لن يستطيع لبنان بعلبكي ترميم اللوحات والكتب والمخطوطات والصور التي مزّقتها القذائف الإسرائيلية، لكنه ما إن يحرّك أول نوطةٍ بيُمناه حتى ينتقل إلى الموسيقى، حيث كلُ شيءٍ ممكن.

قائد الأوركسترا... مزيج من السحر السمعي والبصري (صور الفنان)

لبنان وسُميّة... شقيقان في الدم والفن

قبل أسبوعين، راقصت أوركسترا بعلبكي صوت شقيقته سُميّة تحت سماء بلدة بكرزاي في جبل لبنان. «لم يكن الحفل زاخراً بالمشاعر لأنه جمعني بأختي فحسب، بل لأنه شكّل في جزءٍ منه تحيّة للفنان زياد الرحباني الذي كان قد غادرنا قبل أيام».

ليس حدثاً عادياً أن يقف المايسترو إلى جانب شقيقته، قائداً الأوركسترا المرافقة لها. «يوم غنّت سميّة للمرة الأولى على مسرح، كنت طفلاً متفرّجاً بين الجمهور»، يخبر بعلبكي. يمتزج الإعجاب الفني بالعاطفة الأخويّة، لكنّ أياً منهما لا يؤثّر على الاحترافية في العمل. يؤكد أن «تمارين الحفلات تكون على أقصى درجة من الجدّية، لكن مع سميّة يتبدّل قليلاً دور قائد الأوركسترا الذي يعطي إملاءات طيلة الوقت، وذلك احتراماً للروابط العائلية والعاطفية التي تجمعنا».

لبنان بعلبكي يراقص شقيقته سميّة خلال حفلهما الأخير في بكرزاي (صور الفنان)

لبنان وماجدة... شراكة عابرة للزمن

أما الشراكة مع ماجدة الرومي، والمتواصلة منذ 10 أعوام، فلها نكهةٌ أخرى. ارتبط اسم المايسترو لبنان بعلبكي باسمِ الفنانة اللبنانية كشريكٍ دائمٍ في الحفلات. أحدثُ تلك الإطلالات كان في حفلها ضمن «أعياد بيروت» هذا الصيف، بعد غياب طويل لها عن العاصمة اللبنانية.

لا يتردّد بعلبكي في القول إن حضوره إلى جانب ماجدة الرومي رفع من مكانته الموسيقية ومنحه خبرة كبيرة في نوع موسيقي جديد. فالمايسترو الآتي من عالم الموسيقى الكلاسيكية، التي انغمس فيها شغفاً ودراسةً، فتح باب الطرب والنغم الشرقي من خلال أعمال الرومي. لكنه لم يكتفِ بقيادة الأوركسترا وهي تعزف أغنياتٍ مثل «كلمات»، و«يا ست الدنيا يا بيروت»، وغيرها من روائع الرومي، بل وضع «رؤية توزيعية جديدة من أجل تقريب الأعمال أكثر من الناس وخدمة استمراريتها».

منذ 10 أعوام يرافق بعلبكي الفنانة ماجدة الرومي قائداً للأوركسترا الخاصة بها (صور الفنان)

يعزو بعلبكي استمرار التعاون لهذا الوقت الطويل، لكَونِه والرومي قد التقيا على «الإخلاص الكبير للعمل وعدم التسويف في الأداء». أما في التمارين والتحضيرات، فـ«ماجدة فنانة ملتزمة ومنضبطة جداً، وهذا ناتج عن وفائها لمسيرتها الموسيقية الثرية».

حفلاتٌ موسيقية أم جلسات علاج نفسيّ؟

لا يرى بعلبكي أن وقوفه المتكرر على المسرح إلى جانب نجومٍ كبار يسرق من وهجه كقائد أوركسترا. يشرح أنّ «الجمهور بات لديه وعي بدور المايسترو، كما أنّ الناس صارت تحضر إلى الحفلات لمشاهدة منتَجٍ متكامل وعرضٍ شامل، وليس من أجل الفنان النجم فحسب». لا ينكر في المقابل القلق الذي انتابه عندما بدأ بقيادة الأوركسترا إلى جانب مطربين عرب، خوفاً من أن يخسر الجانب الكلاسيكي الذي يشكّل لبّ هويّته الفنية. «لكن عندما اقتربت من الناس وشعرت بأنّ ما أقدّم يصنع نوعاً من الفرق لدى المتلقّي، كما يحاول الارتقاء بالبوب إلى مستوى يحترم العقول، استنتجتُ أنّ في تلك النقلة من الكلاسيكي إلى العربي غنىً». ويضيف بعلبكي: «اكتشفت كذلك أنّ المقاربة الأوركسترالية للموسيقى العربية لا تقلّ شأناً عن التعامل مع الموسيقى الكلاسيكية».

لا يرى بعلبكي أن وقوفه إلى جانب نجومٍ كبار يسرق من وهجه (صور الفنان)

يلفت كذلك إلى القابليّة المتزايدة لدى الجمهور لحضور حفلات موسيقية من دون مرافقة غنائية: «كثير من الحفلات ذات الطابع الكلاسيكي الهادئ يتفاعل معها الناس ويبحثون عنها للترفيه عن أنفسهم. ألاحظ أنهم يتعاملون مع هكذا حفلات كعلاج لصحتهم النفسية، وهذا يُفرحني لأنني أشعر بأني أصيب الهدف الذي أعمل عليه».

«مسرح نموذجيّ»

إذا كان جزءٌ من الهدف قد تحقّق بتقريب المسافات بين الجمهور اللبناني والموسيقى الكلاسيكية، فإنّ الجزء الثاني ما زال حلماً في البال. يطمح بعلبكي إلى إنشاء مسرحٍ نموذجيّ في وسط بيروت، يجمع ما بين دار أوبرا تستضيف الحفلات الموسيقية وخشبةٍ للأعمال المسرحيّة.

يحلم بعلبكي بإنشاء مسرح نموذجي وسط بيروت (صور الفنان)

بانتظار تحقيق الحلم الأكبر، يودّ المايسترو التركيز في المرحلة المقبلة على وضع رؤية إخراجية وموسيقية لحفلات خاصة، وعدم الاكتفاء بمرافقة فنانين كبار. «أطمح لتقديم عروض صادقة توزيعاً وعزفاً وأداءً، تحترم عقول الناس وتقدّر كل بطاقة اشتروها لحضور الحفل». ينبع ذلك من قلقٍ لديه حيال «الفراغ الكبير الذي يجتاح الموسيقى العربية حالياً، بمعنى أن لا جديدَ موسيقياً ذا ثقل، بل الاعتماد هو على تكرار المخزون القديم الذي لم يؤثّر فيه عبور الزمن، مثل ألحان إحسان المنذر، وزياد الرحباني، ومارسيل خليفة، وغيرهم». يخشى بعلبكي من ألّا يكون لدى الجيل الصاعد إرثٌ فني يستند إليه.

يصب بعلبكي تركيزه حالياً على التحضير لحفلات خاصة والتفرغ للتأليف (صور الفنان)

إلى مزيدٍ من الحفلات يتّجه المايسترو قريباً، والموعد المقبل في تونس ضمن فعاليات «مهرجان الجمّ». تلي ذلك عودة خريفية لحفلات الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية بقيادته. على الروزنامة كذلك، مواعيد كثيرة مع الذات تحفيزاً للمؤلّف الذي يسكنه، كي يبدأ بسَكب المعزوفات المقيمة في الرأس، على الورق.


مقالات ذات صلة

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

يوميات الشرق هاتف أرضي في غرفة نوم عبد حليم (الشرق الأوسط)

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

تخيّم على شقة «العندليب» حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
الوتر السادس شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

أطلقت المطربة المصرية شذى أخيراً مجموعة أغانٍ منفردة أحدثها أغنية «أوكي» التي صدرت في بداية عام 2026 وأغنية «زمانك دلوقتي»، بالإضافة إلى عدة أغنيات مثل «ناجح»..

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

يزخر مشوار الملحن رواد رعد بأعمال غنائية ناجحة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. فهو ينتمي إلى الجيل الذهبي من الملحنين اللبنانيين الذين تركوا بصمتهم على الساحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

تبدو تجربة أحمد قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.