المايسترو لبنان بعلبكي... عصا من نغَم تراقص الشرق والغرب

قائد الأوركسترا اللبناني يرافق كبار الأغنية العربية ويحلم بإنشاء دار أوبرا

المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
TT

المايسترو لبنان بعلبكي... عصا من نغَم تراقص الشرق والغرب

المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)

فيه شيءٌ من السحَرة ولاعبي الخفّة ذاك الرجل الواقف على المسرح رافعاً العصا الخشبية وملوّحاً بها. ليس لبنان بعلبكي ديفيد كوبرفيلد، لكنّ المايسترو اللبناني يقرّ بأنّ قائد الأوركسترا نصفُه موهبة موسيقية تسحر الآذان، ونصفُه الثاني «حالة بصريّة جذّابة وغامضة بالنسبة إلى الجمهور».

بالتزامن مع صيفٍ حافل بالمهرجانات والإطلالات إلى جانب كبار الفنانين، يتحدّث قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» عن محاولة اختراع الفرح والحلم، بعد حربٍ دمّرت بيت العائلة في الجنوب وقضت على جزءٍ كبير من أغلى الذكريات.

بحركةٍ من عصاه لن يستطيع لبنان بعلبكي ترميم اللوحات والكتب والمخطوطات والصور التي مزّقتها القذائف الإسرائيلية، لكنه ما إن يحرّك أول نوطةٍ بيُمناه حتى ينتقل إلى الموسيقى، حيث كلُ شيءٍ ممكن.

قائد الأوركسترا... مزيج من السحر السمعي والبصري (صور الفنان)

لبنان وسُميّة... شقيقان في الدم والفن

قبل أسبوعين، راقصت أوركسترا بعلبكي صوت شقيقته سُميّة تحت سماء بلدة بكرزاي في جبل لبنان. «لم يكن الحفل زاخراً بالمشاعر لأنه جمعني بأختي فحسب، بل لأنه شكّل في جزءٍ منه تحيّة للفنان زياد الرحباني الذي كان قد غادرنا قبل أيام».

ليس حدثاً عادياً أن يقف المايسترو إلى جانب شقيقته، قائداً الأوركسترا المرافقة لها. «يوم غنّت سميّة للمرة الأولى على مسرح، كنت طفلاً متفرّجاً بين الجمهور»، يخبر بعلبكي. يمتزج الإعجاب الفني بالعاطفة الأخويّة، لكنّ أياً منهما لا يؤثّر على الاحترافية في العمل. يؤكد أن «تمارين الحفلات تكون على أقصى درجة من الجدّية، لكن مع سميّة يتبدّل قليلاً دور قائد الأوركسترا الذي يعطي إملاءات طيلة الوقت، وذلك احتراماً للروابط العائلية والعاطفية التي تجمعنا».

لبنان بعلبكي يراقص شقيقته سميّة خلال حفلهما الأخير في بكرزاي (صور الفنان)

لبنان وماجدة... شراكة عابرة للزمن

أما الشراكة مع ماجدة الرومي، والمتواصلة منذ 10 أعوام، فلها نكهةٌ أخرى. ارتبط اسم المايسترو لبنان بعلبكي باسمِ الفنانة اللبنانية كشريكٍ دائمٍ في الحفلات. أحدثُ تلك الإطلالات كان في حفلها ضمن «أعياد بيروت» هذا الصيف، بعد غياب طويل لها عن العاصمة اللبنانية.

لا يتردّد بعلبكي في القول إن حضوره إلى جانب ماجدة الرومي رفع من مكانته الموسيقية ومنحه خبرة كبيرة في نوع موسيقي جديد. فالمايسترو الآتي من عالم الموسيقى الكلاسيكية، التي انغمس فيها شغفاً ودراسةً، فتح باب الطرب والنغم الشرقي من خلال أعمال الرومي. لكنه لم يكتفِ بقيادة الأوركسترا وهي تعزف أغنياتٍ مثل «كلمات»، و«يا ست الدنيا يا بيروت»، وغيرها من روائع الرومي، بل وضع «رؤية توزيعية جديدة من أجل تقريب الأعمال أكثر من الناس وخدمة استمراريتها».

منذ 10 أعوام يرافق بعلبكي الفنانة ماجدة الرومي قائداً للأوركسترا الخاصة بها (صور الفنان)

يعزو بعلبكي استمرار التعاون لهذا الوقت الطويل، لكَونِه والرومي قد التقيا على «الإخلاص الكبير للعمل وعدم التسويف في الأداء». أما في التمارين والتحضيرات، فـ«ماجدة فنانة ملتزمة ومنضبطة جداً، وهذا ناتج عن وفائها لمسيرتها الموسيقية الثرية».

حفلاتٌ موسيقية أم جلسات علاج نفسيّ؟

لا يرى بعلبكي أن وقوفه المتكرر على المسرح إلى جانب نجومٍ كبار يسرق من وهجه كقائد أوركسترا. يشرح أنّ «الجمهور بات لديه وعي بدور المايسترو، كما أنّ الناس صارت تحضر إلى الحفلات لمشاهدة منتَجٍ متكامل وعرضٍ شامل، وليس من أجل الفنان النجم فحسب». لا ينكر في المقابل القلق الذي انتابه عندما بدأ بقيادة الأوركسترا إلى جانب مطربين عرب، خوفاً من أن يخسر الجانب الكلاسيكي الذي يشكّل لبّ هويّته الفنية. «لكن عندما اقتربت من الناس وشعرت بأنّ ما أقدّم يصنع نوعاً من الفرق لدى المتلقّي، كما يحاول الارتقاء بالبوب إلى مستوى يحترم العقول، استنتجتُ أنّ في تلك النقلة من الكلاسيكي إلى العربي غنىً». ويضيف بعلبكي: «اكتشفت كذلك أنّ المقاربة الأوركسترالية للموسيقى العربية لا تقلّ شأناً عن التعامل مع الموسيقى الكلاسيكية».

لا يرى بعلبكي أن وقوفه إلى جانب نجومٍ كبار يسرق من وهجه (صور الفنان)

يلفت كذلك إلى القابليّة المتزايدة لدى الجمهور لحضور حفلات موسيقية من دون مرافقة غنائية: «كثير من الحفلات ذات الطابع الكلاسيكي الهادئ يتفاعل معها الناس ويبحثون عنها للترفيه عن أنفسهم. ألاحظ أنهم يتعاملون مع هكذا حفلات كعلاج لصحتهم النفسية، وهذا يُفرحني لأنني أشعر بأني أصيب الهدف الذي أعمل عليه».

«مسرح نموذجيّ»

إذا كان جزءٌ من الهدف قد تحقّق بتقريب المسافات بين الجمهور اللبناني والموسيقى الكلاسيكية، فإنّ الجزء الثاني ما زال حلماً في البال. يطمح بعلبكي إلى إنشاء مسرحٍ نموذجيّ في وسط بيروت، يجمع ما بين دار أوبرا تستضيف الحفلات الموسيقية وخشبةٍ للأعمال المسرحيّة.

يحلم بعلبكي بإنشاء مسرح نموذجي وسط بيروت (صور الفنان)

بانتظار تحقيق الحلم الأكبر، يودّ المايسترو التركيز في المرحلة المقبلة على وضع رؤية إخراجية وموسيقية لحفلات خاصة، وعدم الاكتفاء بمرافقة فنانين كبار. «أطمح لتقديم عروض صادقة توزيعاً وعزفاً وأداءً، تحترم عقول الناس وتقدّر كل بطاقة اشتروها لحضور الحفل». ينبع ذلك من قلقٍ لديه حيال «الفراغ الكبير الذي يجتاح الموسيقى العربية حالياً، بمعنى أن لا جديدَ موسيقياً ذا ثقل، بل الاعتماد هو على تكرار المخزون القديم الذي لم يؤثّر فيه عبور الزمن، مثل ألحان إحسان المنذر، وزياد الرحباني، ومارسيل خليفة، وغيرهم». يخشى بعلبكي من ألّا يكون لدى الجيل الصاعد إرثٌ فني يستند إليه.

يصب بعلبكي تركيزه حالياً على التحضير لحفلات خاصة والتفرغ للتأليف (صور الفنان)

إلى مزيدٍ من الحفلات يتّجه المايسترو قريباً، والموعد المقبل في تونس ضمن فعاليات «مهرجان الجمّ». تلي ذلك عودة خريفية لحفلات الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية بقيادته. على الروزنامة كذلك، مواعيد كثيرة مع الذات تحفيزاً للمؤلّف الذي يسكنه، كي يبدأ بسَكب المعزوفات المقيمة في الرأس، على الورق.


مقالات ذات صلة

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يوميات الشرق وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يصف هذه التجربة بأنها أضافت إلى مسيرته، مشيراً إلى أنه حظي بمساحة للعمل وفق رؤيته الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)

«أكتر من أي وقت»... جسرٌ موسيقيّ تمُدّه «أنغامي» بين العرب

أغنية وطنية عابرة للحدود العربية تجمع فنانين من لبنان، والسعودية، والكويت، والعراق، والبحرين، وسوريا.

كريستين حبيب (بيروت)
تكنولوجيا شخص يحمل سماعات أذن «إيربودز» (رويترز)

بشكل صحيح وآمن... ما أفضل طريقة لتنظيف سماعات «إيربودز»؟

يلاحظ كثير من مستخدمي سماعات الأذن، خاصة «إيربودز»، مع مرور الوقت تراكم طبقة صفراء أو بنية خفيفة على أطراف السيليكون، أو الشبكات المعدنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الوتر السادس داليا مبارك: لم أشعر بالتوتر أو الضغط في «ذا فويس كيدز»

داليا مبارك: لم أشعر بالتوتر أو الضغط في «ذا فويس كيدز»

بتطور أصواتهم وأدائهم خلال التدريب عبرت الفنانة السعودية داليا مبارك عن سعادتها بالمشاركة في لجنة تحكيم برنامج اكتشاف المواهب «ذا فويس كيدز».

أحمد عدلي (عمّان)
الوتر السادس سارة درويش: أدخل عالم التمثيل عندما أغني شارة مسلسل

سارة درويش: أدخل عالم التمثيل عندما أغني شارة مسلسل

قالت المغنية السورية سارة درويش إن موضوع الشارة الدرامية لا يزال غير منتشر في ثقافتنا الفنية العربية.

فيفيان حداد (بيروت)

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended