في جسمِنا بلاستيك... جزيئاتٌ غير مرئية تغزو الطعام والشراب والهواء

اختصاصية تشرح لـ«الشرق الأوسط» المصادر والمخاطر وكيفية الوقاية

TT

في جسمِنا بلاستيك... جزيئاتٌ غير مرئية تغزو الطعام والشراب والهواء

كميات هائلة من جزيئات البلاستيك تغزو الطعام والمياه والهواء وتدخل عبرها إلى الجسم البشري (رويترز)
كميات هائلة من جزيئات البلاستيك تغزو الطعام والمياه والهواء وتدخل عبرها إلى الجسم البشري (رويترز)

هل خطرَ لك وأنت تتناول فنجان الشاي أنك تبتلع آلاف جزيئات البلاستيك مع شرابك المفضّل؟ وهلّا توقفت عن أكل الأرزّ إذا عرفت أنّ 100 غرام منه تحتوي على ما يعادل 4 ملِّيغرامات من مادة البلاستيك؟

هذه ليست خرافة؛ بل معلومات أكيدة أثبتتها دراسات أجرتها جامعتا كوينزلاند الأسترالية وماك غيل الكنديّة. ولا تقتصر لائحة الأطعمة المكتنزة بالجزيئات البلاستيكية على الأرزّ والشاي؛ بل تنسحب على مأكولاتٍ ومواد غذائية أخرى.

أظهرت دراسات جامعية أن الأرزّ يحتوي على كميات كبيرة من جزيئات البلاستيك (رويترز)

 

بلاستيك في المياه الملح والسمك

 

لعلّ أخطر ما في الأمر أنّ اللائحة تشمل مواد أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، بدءاً بالمياه، وتحديداً تلك المعبّأة في عبوات بلاستيكية. فكلما تعرضت تلك العبوات للحرارة أو لأشعة الشمس أو لكثرة اللمس، أطلقت مزيداً من الجزيئات البلاستيكية التي تختلط بالمياه ليشربها المرء في نهاية المطاف.

في هذا الإطار، تنصح الدكتورة فدى مراد، المتخصصة في علم الأحياء الجزيئي والخلوي والعلاج الطبيعي، باستبدال العبوات الزجاجية بتلك البلاستيكية. إلا أن اللائحة تطول، وتطول معها النصائح التي توجّهها الاختصاصية عبر «الشرق الأوسط»؛ كأن لا يجري تغليف الأطعمة، ولا سيما منها الحامضة والدسمة، بمواد بلاستيكية أو بالنايلون، إضافة إلى تجنّب تسخين الطعام في حاويات بلاستيكية، والتخلّي قدر المستطاع عن الأواني البلاستيكية في المطبخ عموماً.

ينضمّ الملح إلى المياه والشاي والأرزّ، ولا سيما الزهري منه، وهو يحتوي على الكمّ الأكبر من الجزيئات البلاستيكية. وليس السكّر الأبيض أفضل حالاً. كذلك تشمل اللائحة العسل، والأسماك، والدجاج على طريقة «الناغتس»، إضافة إلى الفاكهة والخضراوات، أبرزها الجزر، والبطاطا، والشمندر.

 

بعض المواد الغذائية التي تحتوي على كميات كبيرة من جزيئات البلاستيك

 

ابتلاع 5 غرامات بلاستيك أسبوعياً

 

تؤكد دراسة أجرتها «World Wildlife Fund» أن كل شخص يبتلع 5 غرامات من البلاستيك أسبوعياً، ما يوازي وزن بطاقة ائتمان. ولكن من أين تأتي هذه الجزيئات وكيف تنتقل إلى الجسم؟

يتراوح حجم الجزيئة الواحدة ما بين نانومتر مكعب واحد، و5 ملِّيمترات مكعبة، فهي بمعظمها ناتجة عن تفكّك قطع أكبر من البلاستيك بفعل مرور الزمن أو الحرارة أو الرطوبة وغيرها من العوامل الطبيعية، وفق ما تشرح فدى مراد. ينتشر القسم الأكبر منها في أعماق البحار والمحيطات الممتلئة بالنفايات، ومن هناك تنتقل إلى الأنهار والبحيرات، ومن ثم إلى مياه الشرب، من دون أن ننسى ما تبتلعه الأسماك منها. كما يتسرّب القسم الآخر إلى التربة من المكبّات ومن مياه الريّ، فتتلوّث به الأراضي الزراعية، ويبلغ الخضراوات والفاكهة التي يستهلكها الإنسان.

 

يتمركز قسم كبير من جزيئات البلاستيك في البحار وفي التربة (أ.ف.ب)

 

هواءٌ بلاستيكي

 

لا تدخل الجزيئات البلاستيكية إلى الجسم عن طريق الأكل والشرب فحسب؛ بل كذلك وبشكلٍ أساسي من خلال الهواء وعبر الجهاز التنفسي. وتحذّر فدى مراد في هذا الإطار من أن نسبة تلك الجزيئات ترتفع في الأماكن المغلقة أكثر من الهواء الطلق، لذلك تجب التهوية والتنظيف بالمكنسة الكهربائية بشكلٍ منتظم. تنصح الاختصاصية كذلك بتجنّب الملابس والأغطية والمناشف المصنوعة من مادة البوليستر.

وفي وقتٍ يقوم الأنف فيه بتنقية الجزيئات الأكبر حجماً ويلفظها خارج الجسد، تجد تلك الفائقة الصِّغَر طريقها إلى الرئتَين. وما يثير قلق العلماء أن الجزيئات البلاستيكية باتت منتشرة في كل مكانٍ تقريباً، وذلك بفعل تحلّلها عبر السنوات وانتقالها إلى الهواء والمياه والتربة.

واستنتجوا أن البلاستيك الذي استقر في جسد الإنسان جاء أساساً من نفايات أُنتجت منذ سنوات عدة. على سبيل المثال، وجد الباحثون كمية كبيرة من البولي إيثيلين، وهو النوع السائد من البلاستيك المُنتج في ستينات القرن الماضي، ولكن كمية أقل من البلاستيك المُستخدم في عبوات المياه، والتي انتشرت في التسعينات.

 

الكمّ الأكبر من البلاستيك في جسد الإنسان ناتج عن نفايات قديمة وليست حديثة العهد (رويترز)

 

بلاستيك في الدم والقلب

 

عام 2022، عثر باحثون من هولندا للمرة الأولى على آثار بلاستيك في الدم البشري. تلا ذلك اكتشاف علماء صينيين، العام الماضي، جزيئات بلاستيكية مستقرة في قلوب أشخاصٍ كانوا يخضعون لجراحات قلبيّة.

البحوث المتعلقة بوجود البلاستيك في جسم الإنسان حديثة العهد، إلا أن السنوات الثلاث الأخيرة كانت كافية لدقّ ناقوس الخطر؛ إذ يبدو أن تلك الجزيئات الصغيرة منتشرة في أعضاء عدة من الجسد، بدءاً بالكبد ومروراً بالكلى وليس انتهاءً بالقلب والدماغ.

يشكّل الكبد جبهة دفاع، فيقوم بما في وسعه لمنع جزيئات البلاستيك من التغلغل في الجسد. ولكن كلما صغر حجمها صارت المهمة أصعب. ما إن تدخل مجرى الدم حتى تتغلّف جزيئات البلاستيك بالبروتينات والدهون، فتتّخذ شكلاً تاجياً وتبدأ رحلتها عبر الأعضاء.

 

كلما كانت الجزيئات أصغر صعُبَ على جسد الإنسان التخلّص منها (رويترز)

 

الدماغ وسائر ضحايا البلاستيك

 

الدراسة الأحدث التي نُشرت حول الموضوع العام الماضي في مجلة «Nature Medicine»، أشارت إلى أن كمية البلاستيك في الدماغ البشري تضاعفت بنسبة 50 في المائة ما بين 2016 و2024. وأخطر ما تبيّن، أن الأشخاص المصابين بالخرف تحتوي أدمغتهم على كميات أكبر من الجزيئات البلاستيكية.

 

ارتفاع نسبة جزيئات البلاستيك في الدماغ ما بين 2016 و2024 (أرقام Nature Medicine)

لا دلائل علمية حتى الآن على رابط بين الجزيئات البلاستيكية ومرضٍ محدد. وفق فدى مراد، كل الاستنتاجات هي فعلياً ترجيحات أن تكون «الجزيئات مسؤولة إلى حدٍّ ما عن التهابات معينة قد تتحول على المدى الطويل إلى سرطان، كما أنها قد تتسبب في تشويه الخلايا والحمض النووي، إضافة إلى تقلّبات في جهاز المناعة وفي الهرمونات».

إحدى الدراسات التي حظيت باهتمام مؤخراً جاءت من إيطاليا؛ حيث وجد باحثون أن الأشخاص الذين لديهم جسيمات بلاستيكية دقيقة في لويحات شرايينهم، كانوا أكثر عرضة للإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية. كما وجدت بعض التحاليل مستويات أعلى من البلاستيك لدى الأشخاص المصابين بالتهاب الأمعاء وأمراض الكبد. أما الباحثون في جامعة كاليفورنيا، فوجدوا رابطاً بين الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والصحة الإنجابية والتهاب الجيوب الأنفية المزمن.

نفايات وبقايا بلاستيكية في أعماق البحر (أ.ف.ب)

 

الحدّ من أخطار البلاستيك

 

الجميع معرّض لجرعات من البلاستيك الدقيق على مدار الساعة، ولا يمكن بالتالي تحديد كمية المواد الداخلة والخارجة عبر الأنف والفم. وحتى إن كان الجسم يقوم بجهدٍ خارق للتخلص من هذه المخلفات، فإن التعرض المستمر لها يحوّل الأمر إلى معركة خاسرة.

لكن ثمة خطوات اتُّخذت على مستوى عالمي، مثل اقتراح «الوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية» عام 2023، وضع قيود صارمة على الجزيئات البلاستيكية التي تُضاف عمداً إلى مساحيق التجميل أو مواد التلوين. كذلك هناك فِرق علمية، ولا سيما في فرنسا، تعمل على تطوير موادّ قابلة للتحلل بشكلٍ صحي، ويمكنها أن تشكّل بديلاً عن البلاستيك.

وتلفت الاختصاصية فدى مراد إلى أن «لا طريقة طبية أو علمية للتخلص من الجزيئات البلاستيكية المكدسة في الجسم، ولكن يمكن -إضافة إلى تجنب التعرض لها- تسهيل خروجها من خلال الحفاظ على نشاط معوي منتظم، وتناول الطعام الغني بالألياف، إضافة إلى الإكثار من شرب المياه. كما يجب الانتباه إلى صحة الكبد بما أنه المسؤول عن تنقية الدم، والاعتناء بالأمعاء من خلال تناول البروبيوتيك».


مقالات ذات صلة

باحثون صينيون يبتكرون نموذجاً ثورياً لمحاكاة تلوث الهواء

يوميات الشرق نموذج صيني جديد يراقب تلوث الهواء والجسيمات الدقيقة (غيتي)

باحثون صينيون يبتكرون نموذجاً ثورياً لمحاكاة تلوث الهواء

نموذج «EPICC» يحسِّن محاكاة الجسيمات الدقيقة والأوزون لدعم إدارة تحديات التلوث في الصين والدول النامية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا أهالي قابس ناشدوا الرئيس قيس سعيد تفكيك مجمع للصناعات الكيميائية بسبب التلوث (أ.ف.ب)

آلاف التونسيين يتظاهرون ضد التلوث البيئي في قابس

خرج الآلاف من أهالي مدينة قابس، جنوبي تونس، الأربعاء، في مسيرة جديدة تطالب بتفكيك مجمع للصناعات الكيميائية، بسبب التلوث البيئي.

«الشرق الأوسط» (تونس)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي غزة أصبحت أنقاضاً وركاماً بسبب الحرب (أ.ب) play-circle

تلال القمامة وتسرب الصرف الصحي حلقة جديدة في سلسلة المآسي بغزة

لم تقتصر تبعات الحملة العسكرية الإسرائيلية المدمرة في غزة على الأنقاض في كل مكان، إذ جاءت أكوام النفايات لتشارك في مشهد الدمار برائحتها الكريهة والذباب الكثيف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
بيئة ماشية تسير على طول منطقة تمت إزالة الغابات منها بشكل غير قانوني في محمية بالقرب من جاسي بارانا بولاية روندونيا في البرازيل 12 يوليو 2023 (أ.ب)

الإنتربول يعلن عن حملة عالمية جديدة لمكافحة الإزالة غير القانونية للغابات

أعلن الإنتربول وشركاؤه، اليوم (الأربعاء)، عن إطلاق حملة إنفاذ قانون عالمية تهدف إلى تفكيك الشبكات الإجرامية التي تقف وراء قطع الأشجار غير القانوني.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.