أبطال زياد الرحباني... من «نخلة التنّين» إلى كارمن نجمة القلب وفيروز الأمّ

في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)
في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)
TT

أبطال زياد الرحباني... من «نخلة التنّين» إلى كارمن نجمة القلب وفيروز الأمّ

في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)
في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)

الخشبة قدرُ العائلة الرحبانيّة. كان زياد أوّل مَن وطئها من أبناء الجيل الثاني. حدث ذلك عام 1973 عندما ارتدى ابنُ عاصي وفيروز زيّ الشرطي، ووقف على المسرح ليؤدّي دوراً بسيطاً في «المحطّة». هي المسرحية ذاتها التي شهدت على أولى إبداعاته الموسيقية، أغنية «سألوني الناس» وهو بعدُ في الـ17 من عمره.

الفنان المتمرّد منذ الصغر لم يُرِد أن يبقى أسير مسرح العائلة، وفي السنة ذاتها كتب وعرض أولى مسرحياته الخاصة «سهريّة».

من «سهريّة» عام 1973 إلى «لولا فسحة الأمل» عام 1994، وما بينهما وما تَلاهما من ألبومات موسيقية وأغنيات، لم يحصر زياد الرحباني البطولة بشخصه، على الرغم من كونه الكاتب والملحّن والمخرج والممثل. فعلى ضفاف الخشبة «الزياديّة»، نبتت شخصيات دخلت أسماؤها الذاكرة الجماعية العربية. في مسرحه وموسيقاه، صنع الرحباني أبطالاً ورفع مواهبَ إلى مرتبة النجومية، لتبقى بطلته الأولى والدته فيروز.

صنع زياد الرحباني أبطالاً كثيرين لتبقى بطلته الأولى والدته فيروز (إكس)

«نخلة التنّين»... جوزيف صقر توأم الفن

برز حسُ الفكاهة والسخرية لدى زياد الرحباني منذ مسرحيته الأولى، وذاك الاسم الذي أطلقه على بطلها. مع أنّ «سهريّة» كانت أقرب إلى جلسة موسيقية أكثر منها إلى مسرحية، غير أنها شكّلت بدايةً موفّقة صفّق لها الجمهور طويلاً وأحبّوا بطلها صاحب المقهى «نخلة التنّين». وما أضفى سحراً إلى الشخصية، صوت جوزيف صقر الذي ارتبط اسمُه بأعمال زياد الرحباني، فكانا بمثابة توأم فني إذ حمل صقر بصوته أبرز الأغاني التي ألّفها الفنان.

«الحالة تعبانة يا ليلى»، «يا بنت المعاون»... هذا بعضٌ من أغاني «سهريّة» بصوت جوزيف صقر الذي عاد في شخصياتٍ ومسرحياتٍ أخرى. هو «بركات» في «نزل السرور»، و«رامز» في «بالنسبة لبكرا شو»، و«أبو ليلى» في «فيلم أميركي طويل»، و«المختار» في «شي فاشل».

أكان في الشخصيات التي تقمّصها أم في شخصه الحقيقي، تحوّل جوزيف صقر إلى بطل من أبطال زياد الرحباني. بصوته العذب والدافئ، عبرت الأغاني إلى قلوب الجمهور وصنعت مكانةً في أرشيف الأغنية العربية، من دون أن تسمح لغبار السنوات بأن يتراكم فوقها.

«أنا اللي عليكي مشتاق»، «طلّي اضحكيلو يا صبيّة»، «عايشة وحدا بلاك»، «اسمع يا رضا»، «يا زمان الطائفية»، «راجعة بإذن الله»، «مربى الدلال»، «تلفن عياش»... كلّها أعمال من تأليف زياد الرحباني كان جوزيف صقر خير سفيرٍ لها.

زياد الرحباني وتوأم مشروعه الفني جوزيف صقر (فيسبوك)

مروان محفوظ... صوتٌ خلّد أغاني زياد

قبل أن يسافر صوته عبر القارّات ويصبح فنّان الحنين اللبناني في المهجر، وقف مروان محفوظ شاباً على مسرح زياد الرحباني. اكتشف فيه الأخير موهبة استثنائية فمنحه، إلى جانب دوره في «سهريّة»، بعضاً من أجمل ما ألّف من أغاني.

عبرت السنوات ولم يستمر التعاون بينهما، غير أن اسم محفوظ ظلّ مرتبطاً بأعمال مثل «سرقني الزمان»، و«حدا من اللي بيعزّونا»، و«خايف كون عشقتك»، إضافةً إلى «يا سيف عالأعدا طايل» التي لا يعرف كثيرون أنها من تأليف زياد الرحباني.

كارمن لبّس... نجمة على المسرح وفي القلب

هي اليوم إحدى أبرز نجمات الشاشة الصغيرة في العالم العربي. لكنّ انطلاقتها كانت على مسرح زياد الرحباني. رافقته الممثلة كارمن لبّس منذ بداياته المسرحية، فشاركت في «نزل السرور»، ولاحقاً في «فيلم أميركي طويل»، و«بخصوص الكرامة والشعب العنيد»، و«لولا فسحة الأمل».

لم تتوقف العلاقة بين زياد وكارمن عند حدود المسرح، بل تحوّلت إلى قصة حب استثنائية استمرت 15 عاماً وكُتبت فيها سطور وأغنيات. وفق تصريحات للبّس، فإنّ عدم الاستقرار المعيشي لعب دوراً في انتهاء العلاقة، لكنّ المؤكّد أنها خُلّدت في أغنية «عندي ثقة فيك» بصوت فيروز، والتي أهداها الرحباني للمرأة التي لم يحب أحداً كما أحبّها.

«زكريّا»، «الأستاذ نور» وغيرهم... زياد الرحباني بطلُ ذاتِه

بأسلوبٍ خارجٍ عن النص ولا يشبه التمثيل في شيء، أطلّ زياد الرحباني بطلاً على مسرحه. في «نزل السرور» (1974) و«بالنسبة لبكرا شو» (1978)، كان «زكريّا» زوج «ثريّا» المخدوع، والمستسلم لواقعٍ غارق في الانحلال الأخلاقي والمآزق المعيشية.

أما في «فيلم أميركي طويل» (1980)، المسرحية التي تدور في مستشفى الأمراض العقلية والتي تعاين بجرأة وسخرية الأثر النفسي والعقلي للحرب الأهلية اللبنانية، فجسَّد الرحباني شخصية «رشيد» المريض ذات الصوت المرتفع والغاضب طوال الوقت. وفي «شي فاشل» (1983)، اقترب من شخصيته الحقيقية فكان «الأستاذ نور» أي مخرج المسرحية التي ترمز عثراتها إلى فشل التركيبة اللبنانية، وتنتقد في طيّاتها مثاليّة مسرح الأخوَين رحباني، أي الأب عاصي والعمّ منصور.

في شخصيات «زكريّا» و«الأستاذ نور» وغيرها كان الرحباني بطلاً على مسرحه (الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام)

«أبو الزلف» ورفاقه

من بنات أفكار زياد الرحباني التي دخلت التاريخ شخصية «أبو الزلف» في «شي فاشل». هو مشهد لا يتعدّى الربع ساعة، يدخل فيه الممثل زياد أبو عبسي إلى الخشبة، ليفضح بواقعيةٍ صارخة وجارحة النفاق الاجتماعي والطائفي والفني في لبنان، المتستّر في ظل التراث والمثاليات. وكان أبو عبسي أحد الممثلين الأساسيين على مسرح الرحباني، إذ أطلّ في أعماله كلها.

مثلُه فنانون كثر أصبحوا نجوماً لمجرّد ارتباط اسمهم باسمِ زياد الرحباني، وظهورهم المتكرر في أعماله المسرحية. من بين هؤلاء سامي حوّاط، وبطرس فرح، ورفيق نجم، وغازاروس أنطونيان، وغيرهم.

أبطال خارج المسرح

لم يؤمن زياد الرحباني بالنجاح الفردي، بل أحاط نفسه بمجموعات من الفنانين. مع مرور الأجيال، تبدّلت الوجوه والأسماء ولم تتبدّل قناعته بقوّة الجماعة، أكان في الأعمال المسرحية أم في الألبومات الموسيقية.

بعيداً عن المسرح، تعاون موسيقياً مع أصوات كثيرة. تذكر نجمة الاستعراض اللبنانية مادونا أنّ بداياتها الغنائية كانت مع زياد الرحباني وأنها تتلمذت على يدَيه، وقد جمعتهما في التسعينيات أغنية خارجة عن المألوف شكلاً ومضموناً بعنوان «كيفك».

ومن بين النجمات اللواتي حظين بفرصة التعاون مع الرحباني، المطربة لطيفة التونسية. لم يقتصر الأمر على أغنية واحدة بل على ألبوم صدر عام 2006 وحمل عنوان «معلومات أكيدة». وقد انتشرت بقوّة من بين أعمال الألبوم أغنيتا «بنصّ الجوّ»، و«أمّنلي بيت».

أصواتٌ كثيرة سقاها زياد الرحباني من نبع موهبته، كما بقيت نوتاتٌ وكلمات في أدراج مكتبه كان من المفترض أن تغنّيها أصواتٌ عربية معروفة، من بينها الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب.

فيروز... البطولة المطلقة

من بين الأبطال الذين صنعهم زياد الرحباني، تميّزت واحدةٌ لمجرّد أنها هي التي أتت بتلك الموهبة إلى هذا العالم. فيروز الأمّ بطلة زياد من دون منافِس. هي التي منحته الحياة، عاد ومنحَها ولادةً جديدة لفنّها بعد أن طُويت صفحة عاصي في الثمانينيات.

أعاد زياد الرحباني ابتكار فيروز على طريقته. هي «فيروزياد»، كما يحلو لبعض مُريديهما أن يسمّوها. جعلها تغنّي لغةً أقرب إلى لغة الناس، وكأنه أراد أن يؤنسنَها بعد أن جلست طويلاً على عرشٍ لا يُطال.

من ألبوم «معرفتي فيك» عام 1984 والذي انتشرت منه أغنية «زعلي طوّل»، حتى «ولا كيف» في 2002، أمسك زياد يد أمّه بحِرصِ ولَد وبحِكمةِ مدير.

مع زياد كسرت فيروز حاجز التردّد فخرجت عن النص وغنّت «كيفك إنت»، و«مش قصة هي»، و«سلم لي عليه»، و«ضاق خلقي»، و«صباح ومسا»، وغيرها الكثير.

في تسعينها، ربما لم تتوقّع سيدة الصوت أن تودّع الابن الذي أنجبته في الـ22 من عمرها، وأطلقته إلى الفن وهي في الـ39، ثم خاضت إلى جانبه كبرى ثوراتٍها الموسيقية في ستّينها وسبعينها.


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الوتر السادس صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.


مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».