أبطال زياد الرحباني... من «نخلة التنّين» إلى كارمن نجمة القلب وفيروز الأمّ

في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)
في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)
TT

أبطال زياد الرحباني... من «نخلة التنّين» إلى كارمن نجمة القلب وفيروز الأمّ

في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)
في مسرحه وموسيقاه صنع زياد الرحباني أبطالاً حُفرت أسماؤهم في التاريخ الفني (أ.ف.ب. ومواقع التواصل)

الخشبة قدرُ العائلة الرحبانيّة. كان زياد أوّل مَن وطئها من أبناء الجيل الثاني. حدث ذلك عام 1973 عندما ارتدى ابنُ عاصي وفيروز زيّ الشرطي، ووقف على المسرح ليؤدّي دوراً بسيطاً في «المحطّة». هي المسرحية ذاتها التي شهدت على أولى إبداعاته الموسيقية، أغنية «سألوني الناس» وهو بعدُ في الـ17 من عمره.

الفنان المتمرّد منذ الصغر لم يُرِد أن يبقى أسير مسرح العائلة، وفي السنة ذاتها كتب وعرض أولى مسرحياته الخاصة «سهريّة».

من «سهريّة» عام 1973 إلى «لولا فسحة الأمل» عام 1994، وما بينهما وما تَلاهما من ألبومات موسيقية وأغنيات، لم يحصر زياد الرحباني البطولة بشخصه، على الرغم من كونه الكاتب والملحّن والمخرج والممثل. فعلى ضفاف الخشبة «الزياديّة»، نبتت شخصيات دخلت أسماؤها الذاكرة الجماعية العربية. في مسرحه وموسيقاه، صنع الرحباني أبطالاً ورفع مواهبَ إلى مرتبة النجومية، لتبقى بطلته الأولى والدته فيروز.

صنع زياد الرحباني أبطالاً كثيرين لتبقى بطلته الأولى والدته فيروز (إكس)

«نخلة التنّين»... جوزيف صقر توأم الفن

برز حسُ الفكاهة والسخرية لدى زياد الرحباني منذ مسرحيته الأولى، وذاك الاسم الذي أطلقه على بطلها. مع أنّ «سهريّة» كانت أقرب إلى جلسة موسيقية أكثر منها إلى مسرحية، غير أنها شكّلت بدايةً موفّقة صفّق لها الجمهور طويلاً وأحبّوا بطلها صاحب المقهى «نخلة التنّين». وما أضفى سحراً إلى الشخصية، صوت جوزيف صقر الذي ارتبط اسمُه بأعمال زياد الرحباني، فكانا بمثابة توأم فني إذ حمل صقر بصوته أبرز الأغاني التي ألّفها الفنان.

«الحالة تعبانة يا ليلى»، «يا بنت المعاون»... هذا بعضٌ من أغاني «سهريّة» بصوت جوزيف صقر الذي عاد في شخصياتٍ ومسرحياتٍ أخرى. هو «بركات» في «نزل السرور»، و«رامز» في «بالنسبة لبكرا شو»، و«أبو ليلى» في «فيلم أميركي طويل»، و«المختار» في «شي فاشل».

أكان في الشخصيات التي تقمّصها أم في شخصه الحقيقي، تحوّل جوزيف صقر إلى بطل من أبطال زياد الرحباني. بصوته العذب والدافئ، عبرت الأغاني إلى قلوب الجمهور وصنعت مكانةً في أرشيف الأغنية العربية، من دون أن تسمح لغبار السنوات بأن يتراكم فوقها.

«أنا اللي عليكي مشتاق»، «طلّي اضحكيلو يا صبيّة»، «عايشة وحدا بلاك»، «اسمع يا رضا»، «يا زمان الطائفية»، «راجعة بإذن الله»، «مربى الدلال»، «تلفن عياش»... كلّها أعمال من تأليف زياد الرحباني كان جوزيف صقر خير سفيرٍ لها.

زياد الرحباني وتوأم مشروعه الفني جوزيف صقر (فيسبوك)

مروان محفوظ... صوتٌ خلّد أغاني زياد

قبل أن يسافر صوته عبر القارّات ويصبح فنّان الحنين اللبناني في المهجر، وقف مروان محفوظ شاباً على مسرح زياد الرحباني. اكتشف فيه الأخير موهبة استثنائية فمنحه، إلى جانب دوره في «سهريّة»، بعضاً من أجمل ما ألّف من أغاني.

عبرت السنوات ولم يستمر التعاون بينهما، غير أن اسم محفوظ ظلّ مرتبطاً بأعمال مثل «سرقني الزمان»، و«حدا من اللي بيعزّونا»، و«خايف كون عشقتك»، إضافةً إلى «يا سيف عالأعدا طايل» التي لا يعرف كثيرون أنها من تأليف زياد الرحباني.

كارمن لبّس... نجمة على المسرح وفي القلب

هي اليوم إحدى أبرز نجمات الشاشة الصغيرة في العالم العربي. لكنّ انطلاقتها كانت على مسرح زياد الرحباني. رافقته الممثلة كارمن لبّس منذ بداياته المسرحية، فشاركت في «نزل السرور»، ولاحقاً في «فيلم أميركي طويل»، و«بخصوص الكرامة والشعب العنيد»، و«لولا فسحة الأمل».

لم تتوقف العلاقة بين زياد وكارمن عند حدود المسرح، بل تحوّلت إلى قصة حب استثنائية استمرت 15 عاماً وكُتبت فيها سطور وأغنيات. وفق تصريحات للبّس، فإنّ عدم الاستقرار المعيشي لعب دوراً في انتهاء العلاقة، لكنّ المؤكّد أنها خُلّدت في أغنية «عندي ثقة فيك» بصوت فيروز، والتي أهداها الرحباني للمرأة التي لم يحب أحداً كما أحبّها.

«زكريّا»، «الأستاذ نور» وغيرهم... زياد الرحباني بطلُ ذاتِه

بأسلوبٍ خارجٍ عن النص ولا يشبه التمثيل في شيء، أطلّ زياد الرحباني بطلاً على مسرحه. في «نزل السرور» (1974) و«بالنسبة لبكرا شو» (1978)، كان «زكريّا» زوج «ثريّا» المخدوع، والمستسلم لواقعٍ غارق في الانحلال الأخلاقي والمآزق المعيشية.

أما في «فيلم أميركي طويل» (1980)، المسرحية التي تدور في مستشفى الأمراض العقلية والتي تعاين بجرأة وسخرية الأثر النفسي والعقلي للحرب الأهلية اللبنانية، فجسَّد الرحباني شخصية «رشيد» المريض ذات الصوت المرتفع والغاضب طوال الوقت. وفي «شي فاشل» (1983)، اقترب من شخصيته الحقيقية فكان «الأستاذ نور» أي مخرج المسرحية التي ترمز عثراتها إلى فشل التركيبة اللبنانية، وتنتقد في طيّاتها مثاليّة مسرح الأخوَين رحباني، أي الأب عاصي والعمّ منصور.

في شخصيات «زكريّا» و«الأستاذ نور» وغيرها كان الرحباني بطلاً على مسرحه (الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام)

«أبو الزلف» ورفاقه

من بنات أفكار زياد الرحباني التي دخلت التاريخ شخصية «أبو الزلف» في «شي فاشل». هو مشهد لا يتعدّى الربع ساعة، يدخل فيه الممثل زياد أبو عبسي إلى الخشبة، ليفضح بواقعيةٍ صارخة وجارحة النفاق الاجتماعي والطائفي والفني في لبنان، المتستّر في ظل التراث والمثاليات. وكان أبو عبسي أحد الممثلين الأساسيين على مسرح الرحباني، إذ أطلّ في أعماله كلها.

مثلُه فنانون كثر أصبحوا نجوماً لمجرّد ارتباط اسمهم باسمِ زياد الرحباني، وظهورهم المتكرر في أعماله المسرحية. من بين هؤلاء سامي حوّاط، وبطرس فرح، ورفيق نجم، وغازاروس أنطونيان، وغيرهم.

أبطال خارج المسرح

لم يؤمن زياد الرحباني بالنجاح الفردي، بل أحاط نفسه بمجموعات من الفنانين. مع مرور الأجيال، تبدّلت الوجوه والأسماء ولم تتبدّل قناعته بقوّة الجماعة، أكان في الأعمال المسرحية أم في الألبومات الموسيقية.

بعيداً عن المسرح، تعاون موسيقياً مع أصوات كثيرة. تذكر نجمة الاستعراض اللبنانية مادونا أنّ بداياتها الغنائية كانت مع زياد الرحباني وأنها تتلمذت على يدَيه، وقد جمعتهما في التسعينيات أغنية خارجة عن المألوف شكلاً ومضموناً بعنوان «كيفك».

ومن بين النجمات اللواتي حظين بفرصة التعاون مع الرحباني، المطربة لطيفة التونسية. لم يقتصر الأمر على أغنية واحدة بل على ألبوم صدر عام 2006 وحمل عنوان «معلومات أكيدة». وقد انتشرت بقوّة من بين أعمال الألبوم أغنيتا «بنصّ الجوّ»، و«أمّنلي بيت».

أصواتٌ كثيرة سقاها زياد الرحباني من نبع موهبته، كما بقيت نوتاتٌ وكلمات في أدراج مكتبه كان من المفترض أن تغنّيها أصواتٌ عربية معروفة، من بينها الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب.

فيروز... البطولة المطلقة

من بين الأبطال الذين صنعهم زياد الرحباني، تميّزت واحدةٌ لمجرّد أنها هي التي أتت بتلك الموهبة إلى هذا العالم. فيروز الأمّ بطلة زياد من دون منافِس. هي التي منحته الحياة، عاد ومنحَها ولادةً جديدة لفنّها بعد أن طُويت صفحة عاصي في الثمانينيات.

أعاد زياد الرحباني ابتكار فيروز على طريقته. هي «فيروزياد»، كما يحلو لبعض مُريديهما أن يسمّوها. جعلها تغنّي لغةً أقرب إلى لغة الناس، وكأنه أراد أن يؤنسنَها بعد أن جلست طويلاً على عرشٍ لا يُطال.

من ألبوم «معرفتي فيك» عام 1984 والذي انتشرت منه أغنية «زعلي طوّل»، حتى «ولا كيف» في 2002، أمسك زياد يد أمّه بحِرصِ ولَد وبحِكمةِ مدير.

مع زياد كسرت فيروز حاجز التردّد فخرجت عن النص وغنّت «كيفك إنت»، و«مش قصة هي»، و«سلم لي عليه»، و«ضاق خلقي»، و«صباح ومسا»، وغيرها الكثير.

في تسعينها، ربما لم تتوقّع سيدة الصوت أن تودّع الابن الذي أنجبته في الـ22 من عمرها، وأطلقته إلى الفن وهي في الـ39، ثم خاضت إلى جانبه كبرى ثوراتٍها الموسيقية في ستّينها وسبعينها.


مقالات ذات صلة

رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

الوتر السادس رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

في عملٍ يختصر ذاكرة الألم اللبنانية، تجمع الفنانة رفقا فارس شظايا وطنٍ مثقل بالكوارث، وتعيد صياغتها في «ميدلاي» بعنوان «حلم بوطن»، من إخراج جان بيار عبد الدايم.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس جورج كازازيان: لديَّ مؤلفات موسيقية غزيرة لم ترَ النور

جورج كازازيان: لديَّ مؤلفات موسيقية غزيرة لم ترَ النور

يُكرم مهرجان جمعية الفيلم في دورته الـ52 الموسيقار المصري - الأرميني جورج كازازيان، في أول تكريم يحظى به بعد مسيرة فنية طويلة بدأت في سبعينات القرن الماضي.

انتصار دردير ( القاهرة)
الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.