رحيل زياد الرحباني... حزن الدهر كله في قلب فيروز

أضفى على شعبيتها الكاسحة شعبية

منح فيروز عمراً فنياً جديداً مختلفاً من بعد رحيل والده عاصي الرحباني (أ.ف.ب)
منح فيروز عمراً فنياً جديداً مختلفاً من بعد رحيل والده عاصي الرحباني (أ.ف.ب)
TT

رحيل زياد الرحباني... حزن الدهر كله في قلب فيروز

منح فيروز عمراً فنياً جديداً مختلفاً من بعد رحيل والده عاصي الرحباني (أ.ف.ب)
منح فيروز عمراً فنياً جديداً مختلفاً من بعد رحيل والده عاصي الرحباني (أ.ف.ب)

سبت حزين على عشاق الرحابنة. كان لا بد أن ينعى وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، الراحل زياد الرحباني لنصدق أن المشاغب صاحب العبقرية الموسيقية قد رحل فعلاً.

كشفت كلمة سلامة عن أن الحالة الصحية لزياد كانت قد تدهورت، والمخاوف كبرت: «كنا نخاف من هذا اليوم، لأننا نعلم تفاقم حالته الصحية وتضاؤل رغبته في المعالجة. وتحولت الخطط لمداواته في لبنان أو في الخارج إلى مجرد أفكار بالية لأن زياداً لم يعد يجد القدرة على تصور العلاج والعمليات التي يقتضيها. رحم الله رحبانياً مبدعاً سنبكيه بينما نردد أغنيات له لن تموت».

وكشف الوزير سلامة في مقابلة تلفزيونية أن الوزارة كانت تتابع وضعه الصحي في الأشهر الأخيرة عبر أصدقاء مقربين بقوا حوله، وأنه «كان بحاجة لزرع كبد والعملية خطيرة، وبقي زياد متردداً نظراً لأن نتائج العملية لم تكن مضمونة، وجاءت النتيجة على النحو الحزين الذي بدا منتظراً منذ أسابيع، ومع ذلك فإن الخبر وقع مؤلماً إلى أقصى الحدود».

وتردد أن ريما الرحباني كانت قد هيأت سكناً من ثلاثة طوابق، أحدها لإقامة فيروز وآخر لها، والثالث لزياد، بعد أن تدهورت صحته، انتقلت العائلة إليه كي تتمكن من العناية بزياد وتبقى محيطة به.

زياد الرحباني مسرحي، موسيقي، شاعر، موزع، عازف، مخرج، هو كل هذا في آن. فنان متعدد، اتسم بعفويته يوم كتب، وبراعته حين لحن، وخفة ظله وهو يعانق المسرح.

رافق والدته في حفلاتها تلحيناً وتوزيعاً وعزفاً على البيانو (رويترز)

عن 69 عاماً غادر زياد، تاركاً في قلب والدته فيروز حزن الدهر كله. فهو الذي منحها عمراً فنياً جديداً مختلفاً من بعد رحيل والده عاصي الرحباني. كتب لها ما قدمها بنكهة أخرى لجيل متطلّب. صارت معه فيروز لكل الأعمار، عشق الفتيان كما كانت غرام آبائهم وأمهاتهم، والجدّات.

رافق والدته في حفلاتها تلحيناً وتوزيعاً وعزفاً على البيانو، فأضفى على شعبيتها الكاسحة شعبية. غيابه سيكون ثقيلاً ووازناً على المشهد الفني اللبناني كله، حفلاته المنتظرة ستختفي، لكن مسرحياته التي لم يتوقف بثها والاستشهاد بها، وتكرار جملها على ألسن الناس حتى تحولت إلى أقوال مأثورة ستبقى.

سيبقى منه الكثير الكثير، فهو في الأصل كان يغيب ويعود، بسبب مزاجيته الكاسحة، لكن هذا لم يمنع أن يكون دائماً حاضراً. إنه ينضح فناً، وكأنه حالة فنية ابتكارية لا تتوقف، إن هو غنى حتى بصوته الأجشّ، بدا أن هذا الغناء يستحق أن يصغى إليه، وإن سخر كرر الناس من بعده سخرياته كنكات تستحق أن تروى، وإن أعلن عن حفل، انتظره المحبون قبل الموعد بكثير لتأمين مقاعدهم. هو حالة فنية قائمة بذاتها، منذ كان صغيراً وموهبته تدهش.

زياد الرحباني مراهقاً (أ.ف.ب)

بدأ تأليف أول أعماله مراهقاً، يوم لحن لأمه فيروز «سألوني الناس»، مما كشف عن موهبة لم تكن رغم يناعته غضّة. خلال الحرب الأهلية اللبنانية، سطع نجم زياد الرحباني بشكل لافت من خلال مسرحياته التي حفظ البعض نصوصها عن ظهر قلب. أتت البداية مع «نزل السرور»، «بالنسبة لبكرا شو»، «فيلم أميركي طويل»، «شي فاشل»، «لولا فسحة الأمل»، «بخصوص الكرامة والشعب العنيد».

هل رأيت مسرحيات تتداول كالأغنيات؟ أم سمعت عن نصوص تقطع وتجزأ وتصير أمثالاً وحكماً متداوله. هكذا كانت كلمات زياد تعلق في الأذهان بسرعة كما ألحانه. المسرحيات تم تداولها على كاسيتات، تناقلتها الإذاعات وأعادت بثها باستمرار، ثم تم العمل على إعادة تصوير مسرحيتين وعرضا بنسختهما الرديئة، وكان ذلك أفضل ما يمكن، في صالات السينما.

روح زياد الساخرة، مع براعته اللغوية الاختزالية العميقة، ومهارته الموسيقية اللافتة، صنعت خليطاً عجيباً. هذا كله كان يسكبه ليس فقط في المسرحيات، وإنما أيضاً في الأغنيات التي تبدو من الآن خالدة ولا يمكنها أن تشيخ، مثل «ع هدير البوسطة» أو «عودك رنان» أو «حبيتك تنسيت النوم»، أو «عندي ثقة فيك»، والكثير الكثير، مما تسمعه مرة ويبقى عالقاً في البال.

زياد الرحباني مع فيروز في مسرحية «ميس الريم» (أ.ف.ب)

يسجل لزياد جرأته في تغيير النمط الفيروزي، ولفيروز قبولها ولو على مضض بقفزة لم تكن متوقعة، جلبت لهما الكثير من النقد بعد وفاة عاصي. لكن زياد لم يكن مجرد فنان، هو حامل قضايا، وأحد أهم قضاياه التي لا يتحدث عنها أحد، ولا يلتفت لها جمهوره بعناية، هو مناصرته الرهيبة للمرأة في أغنياته، فهو يتحدث باسمها، ويشتكي بلسانها، ويحكي عن عذاباتها، ويسخر من الرجل الذي يعجز دائماً عن أن يصل إلى ما تنتظره المرأة منه.

في أسطوانته «مونودوز» مع سلمى، يتجلى ذلك، وهي تقول لحبيبها «ولّعت كتير، خلصت الكبريتي لا إنت الزير ولني نفرتيتي»، أو «ضاق خلقي يا صبي من هالجو العصبي... يا صبي شكك ما بينفع، شو بينفع يا ترى! مين قلك تستسهل، تكذب دايماً ع مَرَه». من الصعب أن نجد رجلاً كتب تبرم المرأة بالرجل بالعفوية والبراعة التي كتب بها زياد، في أغنيات لا تنتهي.

استوحى لا بد من تجربته الشخصية التي لم تكن تجد النساء وسيلة للتعايش معها. لم يقل يوماً إنه نصير النساء صراحة بالفجاجة المعتادة، لكنه بقي طوال الوقت يترجم الشعار الرنان الفج الذي نتناقله بسيل عارم من الألحان والأغنيات التي جعل الرجال يرددونها وهم سعداء، ومستمتعون.

نادراً ما يستطيع أولاد الأساطير الفنية أن يتحولوا إلى أسطورة، غالباً ما يسجنون في هالة الأهل. ابن فيروز الشاهقة وعاصي الرحباني الشامخ، لم يبق سجين المجد الهائل الذي ورثه. ترك المنزل صغيراً جداً، هرباً من المشاجرات العائلية التي لم يعد يطيقها. وضعٌ اعترف أنه كان قاسياً، لكنه ربما حرره من كل شيء، حرره حتى أصبح أسير نفسه المتفلتة من كل شبيه أو مثيل. صار زياد الرحباني شيئاً آخر، لا تشبه أغنياته رومانسية الأخوين رحباني أو مثالية أجوائهم المسرحية.

ذهب زياد إلى النقد الساخر المرير حتى من نفسه، لم يساير أو يهادن أو يغلف غضبه، وسخطه على الطائفية التي كرهها من دون تردد أو ملل، وحاربها بكل نصوصه وأعماله. لم يكن زياد لسان حال الجميع في مواقفه السياسية، لكنه لاقى في أعماله الفنية إجماعاً منقطع النظير، وفي عبقريته ما جعله عشق السوريين والمصريين، والكثير من العرب الذين أصغوا إليه، رغم عامية أعماله ومحكيتها الغائرة في لبنانية محلية، تصعّب فهمها.

يوم جعل فيروز تغني «كيفك إنت ملّا إنت» قامت الدنيا عليه ولم تقعد، كيف أخرج والدته من رصانتها، إلى كلمات بخفة لا تليق بها، لكن الوقت أثبت أن زياد كان يرى أبعد من الجميع، وأن «عندي ثقة فيك» و«مش قصة هاي»، و«إيه في أمل» لم تكن أقل عبقرية من «بحبك ما بعرف ليش» و«نسم علينا الهوا» أو أي من أغنيات الأخوين رحباني.

ترك زياد أرشيفاً هائلاً، لا بد أن يجد اليوم من يعنى به ويجمعه ويجدده. فقد بدأ التلحين والتأليف صغيرا. إضافة إلى المسرحيات والأغنيات، هناك المقابلات الصحافية والموسيقات التصويرية التي قام بوضعها لأعمال فنية عديدة بينها أفلام، وكذلك هناك برامج إذاعية، وأعمال لم تنشر، عدا التوزيع الذي عمل عليه للكثير من الأغنيات التي أعادت غناءها فيروز في حفلاتها بعد وفاة عاصي، أضف إلى ذلك أغنياته الخاصة، وتلك التي غناها صديق عمره الراحل جوزيف صقر.

زياد الرحباني ظاهرة، وليس فناناً. واكب حكاية لبنان وأرشفها موسيقى وكلمات ونصوصاً تمثيلية. هو كل لبناني ولد مع الحرب وبقي يعيشها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، لكن زياد استطاع أن يقول ما عجز عنه الآخرون بالسخرية والنكتة والكلمة اللبنانية البليغة واللحن الخالد.


مقالات ذات صلة

رئيس هيئة البث الإسبانية يؤيد استمرار مقاطعة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

أوروبا يوفال رافائيل ممثلة إسرائيل تؤدي أغنية خلال الحفل الختامي لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» لعام 2025 في بازل بسويسرا 17 مايو 2025 (رويترز)

رئيس هيئة البث الإسبانية يؤيد استمرار مقاطعة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

قال رئيس هيئة البث العامة الإسبانية، الثلاثاء، إنه يؤيد مقاطعة مسابقة «يوروفيجن» مجدداً بسبب مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق جانب من حفل كاظم الساهر في القاهرة (حساب الشركة المنظمة للحفل على «إنستغرام»)

كاظم الساهر يحتفل بألبومه الجديد وعيد ميلاده مع جمهوره المصري

بحنجرة ذهبية تحمل ألحاناً وكلمات فصحى عميقة، صدح «القيصر»، كاظم الساهر، في القاهرة بباقة مميزة من أجمل أغنياته.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق نجاة لحظة تكريمها من الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان (إدارة الجائزة)

ظهور استثنائي لنجاة في «أبوظبي للكتاب» يخطف اهتمام مصريين

خطف ظهور استثنائي للمطربة المصرية الكبيرة نجاة بمعرض «أبوظبي للكتاب» بدورته الـ35 اهتمام مصريين وذلك خلال تكريمها ومنحها جائزة «شخصية العام الثقافية».

انتصار دردير (القاهرة )
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)

ليلة سيلين ديون في باريس... عودة مدويّة ومضادّة للألم

سيلين ديون تشعل ليل باريس مصارحةً الجمهور عن مرضها، ومؤدّيةً مجموعة من أغاينها الأسطورية وسط دموع الفرح.

كريستين حبيب (بيروت)

«الجونة السينمائي» للرهان على العمل المؤسسي بعيداً عن «آل ساويرس»

نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)
نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«الجونة السينمائي» للرهان على العمل المؤسسي بعيداً عن «آل ساويرس»

نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)
نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)

يتجه مهرجان «الجونة السينمائي»، مع تحضيراته لنسخته التاسعة المقررة خلال المدة من 15 إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى الرهان على العمل المؤسسي داخل إدارته، بعيداً عن مؤسسيه، رجلي الأعمال سميح ونجيب ساويرس، مع التوسع في الأنشطة والفعاليات، وتصميم هوية جديدة للمهرجان السينمائي.

ويشهد المهرجان، الذي يحتضن عرض أكثر من 70 فيلماً، حضوراً لافتاً للسينما الفلسطينية ضمن الفعاليات المختلفة، مع عرض عدد من الأفلام المعنية بفلسطين، التي شاركت في عدد من المهرجانات الدولية، ضمن مسابقات المهرجان المختلفة.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي أُقيم في القاهرة، الثلاثاء، للإعلان عن تفاصيل الدورة الجديدة، قال رجل الأعمال سميح ساويرس إنهم يأملون، مع انعقاد الدورة العاشرة من المهرجان، أن ينتهي ارتباط اسم المهرجان بمؤسسيه، على غرار ما حدث مع مهرجان «كان السينمائي»، مشيراً إلى أنهم بدأوا العمل على هذا الأمر بالفعل، مع إطلاق هوية بصرية جديدة خلال الدورة التاسعة من المهرجان.

سميح ساويرس خلال حديثه في المؤتمر الصحافي (إدارة المهرجان)

وقال المدير الفني للمهرجان، أندرو محسن، لـ«الشرق الأوسط» إن مؤسسي المهرجان بدأوا، منذ مدة طويلة، منح مساحة أكبر لجيل الشباب في الإدارة، إلى جانب الدور الذي يقوم به المدير التنفيذي للمهرجان، عمرو منسي، على مستويات عدة، مشيراً إلى أنهم يدرسون أموراً عدة في الوقت الحالي.

وأضاف أن العمل على هذا التصور بدأ بالفعل تمهيداً لتنفيذه بعد النسخة العاشرة من المهرجان، التي تُقام في أكتوبر 2027، مع درس كثير من المقترحات وآليات تنفيذها، ومنها إقامة كثير من الفعاليات على مدار العام لدعم السينمائيين، سواء من خلال التدريبات أو ورش العمل.

ويشهد برنامج المهرجان، الذي أُعلن عنه، عرض نحو 70 فيلماً من أحدث الإنتاجات العربية والدولية، موزعة على 3 مسابقات رسمية للأفلام الروائية الطويلة والوثائقية والقصيرة، إلى جانب العروض خارج المسابقة والعروض الخاصة، بينما تبلغ قيمة الجوائز المالية 230 ألف دولار.

وتضم دورة هذا العام أعمالاً وصلت إلى الجونة بعد مشاركات وجوائز في مهرجانات كبرى، مثل «كان» و«برلين» و«فينيسيا» و«صندانس» و«كارلوفي فاري». كما يواصل المهرجان توسيع الجانب الصناعي من خلال «سيني جونة»، الذي يستقبل مشروعات في مرحلتي التطوير وما بعد الإنتاج، إلى جانب البرامج المهنية والتدريبية.

ملصق ترويجي لفيلم «المواطن أسامة» (إدارة المهرجان)

ويبرز الحضور الفلسطيني في «المسابقة الوثائقية» من خلال فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة، الذي يتابع مصوراً يوثّق الحياة والفقد والبقاء في غزة على مدار عام، في محاولة لرصد التجربة اليومية للسكان من داخل الأحداث.

ويشارك أيضاً فيلم «طبيب أميركي»، الذي يتناول تجربة 3 أطباء أميركيين يدخلون قطاع غزة خلال الحرب. كما يضم البرنامج فيلم «من قتل أليكس عودة؟»، الذي يعيد فتح ملف اغتيال القيادي في المجتمع الفلسطيني الأميركي أليكس عودة، بعد عقود من وقوع الجريمة. بينما يمتد حضور فلسطين إلى مسابقة الأفلام القصيرة من خلال فيلم «كنتاكي غزة» للمخرج الأردني عمر رمال، الذي يتناول غزة تحت الحصار عبر حكاية متخيّلة مرتبطة بأسطورة مطعم للوجبات السريعة.

وشهد المؤتمر الصحافي للمهرجان الإعلان عن تكريم الفنانة منى زكي بجائزة «الإنجاز الإبداعي»، إلى جانب الاحتفاء بمرور 10 سنوات على رحيل المخرج محمد خان، بالإضافة إلى إقامة «ماستر كلاس» للمخرج المصري يسري نصر الله ضمن الفعاليات.

ويقول الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» إن «توجّه مهرجان (الجونة السينمائي) نحو بناء كيان أكثر استقلالاً عن ارتباطه باسم عائلة ساويرس يمثّل خطوة داعمة لاستقرار المهرجان؛ لكون الهدف مرتبطاً بتحويل (الجونة) إلى مؤسسة سينمائية قائمة بذاتها».

صناع المهرجان في صورة تذكارية بعد المؤتمر الصحافي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

وأشاد، في الوقت نفسه، بقدرة المهرجان على اجتذاب أفلام حاصلة على جوائز من مهرجانات سينمائية دولية مهمة، معتبراً أن البرنامج الجديد يتمتع بمستوى فني جيد وتنوّع واضح في الاختيارات، خصوصاً ما يتعلق بالتوسع في دعم المشروعات وصنّاع السينما من خلال «سيني جونة»، التي تفتح الباب أمام أصحاب المشروعات للحصول على فرص للتطوير والتواصل مع العاملين في الصناعة، بما يعزز الجانب المهني للمهرجان، إلى جانب عروض الأفلام.


أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
TT

أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي

عادت فصول «العلاقة الشخصية والفنية» التي جمعت الفنان أحمد العوضي بالفنانة ياسمين عبد العزيز لسنوات للواجهة مجدداً رغم طلاقهما قبل عامين، خصوصاً بعد حديثه عن «الذكريات والحب»، و«العلاقات العاطفية» في بودكاست «قصتي» من خلال تصريحات وتشبيهات غامضة اعتبرها البعض جدلية ولا تليق.

وعلى خلفية سؤاله في البودكاست، «عن الذكريات الحلوة التي تبقى إذا انتهى الحب، وهل الحب الجديد بإمكانه محو الذكريات أم تظل مرافقة للإنسان؟»، أكد العوضي أن كلامه سيكون صادماً، مضيفاً: «عندما اقتنيت سيارة للمرة الأولى في حياتي أعجبت بها كثيراً وكنت سعيداً بها، وعندما استبدلتها بماركة مغايرة شعرت بسعادة أكبر، لذلك لا يمكنني العودة لسيارتي الأولى».

وفور انتشار المقطع المصور على مواقع التواصل الاجتماعي انتقدت تعليقات ومشاركات عدة لحديث العوضي، وهاجمه بعضهم مفسرين حديثه وكأنه يلمح إلى علاقته السابقة بطليقته الفنانة ياسمين عبد العزيز، مؤكدين أنها السبب في نجوميته. ومن بين التعليقات اللافتة التي انتقدت العوضي «الحب أرقى من التشبيه بالسيارات»، وكتب آخر «النهايات أخلاق».

وبدوره، رد أحمد العوضي على الجدل المثار في بيان رسمي الثلاثاء، جاء فيه: «لم أقصد مطلقاً أي معنى سيء لأي شخص في برنامج (قصتي)، وما جرى تداوله من تصريحات تخصُّ السيارات وتأويليها يخص من نقلها»، مضيفاً: «لم أقصد ما فهمه بعضهم، فالتشبيه كان عائداً على مراحل الحياة، وليس على العلاقات العاطفية، وأعتذر إن كان بعضهم قد فهم ما قلته بشكل خاطئ».

وأكد العوضي أنه يكنُّ كل الاحترام والتقدير لـ«نجمة العالم العربي الأولى» حسبما وصفها، وتابع: «ذكرت على مدار حديثي أنني أحمل كل الذكريات الطيبة لكل من دخل حياتي».

وختاماً؛ اعتذر العوضي عن تفسير كلامه بشكل خاطئ، مؤكداً أنه يدين لياسمين عبد العزيز بالكثير في مشواره الفني.

ياسمين عبد العزيز (إنستغرام)

الناقد الفني طارق الشناوي قال إن «العوضي جانبه الصواب في حديثه، وعليه أن يكون أكثر حصافة في اختيار الأمثلة للتوضيح»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «تشبيه الحب أو الحياة العاطفية بالسيارات كان غليظاً وينقصه العمق والطرافة، ويسيء إلى المرأة في المطلق بعيداً عن زوجته السابقة، فالحديث عن موديلات السيارات والحب يشير إلى ضعف الثقافة والخيال».

ورداً على تفسير تصريحات العوضي بالمسيئة، خصوصاً من قبل النساء، عدّت الاستشارية النفسية والأسرية لمى الصفدي ما قاله العوضي «غير مناسب وناتج عن حالة توتر، لأن الإنسان يلجأ إلى التشبيهات غير المنطقية في مثل هذه الحالة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «ما قاله العوضي لا يمثل الواقع وعلاقات البشر المبنية على التفاعل من ناحية المشاعر والإنسانيات، التي تختلف عن التعامل مع الآلات، ولذلك فهناك مشكلة كبيرة وتشبيه في غير محله استدعى الاعتذار».

أحمد العوضي (فيسبوك)

وكان آخر ظهور رسمي جمع الثنائي ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي خلال احتفالية تكريم «الأفضل» عام 2023، وفنياً تصدَّر العوضي خلال موسم دراما رمضان الماضي بطولة «علي كلاي»، فيما قدَّمت ياسمين عبد العزيز بطولة «وننسي اللي كان». كما شهد موسم الصيف السينمائي على منافستهما من خلال فيلمي «شمشون ودليلة»، و«خلي بالك من نفسك».

وأكد الناقد الفني أحمد سعد الدين، أن «ما صنع هذا اللبس في الفهم هو أن اسم العوضي لا يزال مرتبطاً بياسمين، وأن نجوميته هي أساسها، وذلك حسب وجهة نظر البعض الذين يفسرون تصريحاته دائماً من هذا الجانب»، لافتاً إلى أن تجاهل ياسمين للتصريحات وعدم الرد أمر طبيعي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «حمل كلام العوضي الأخير أوجه عدة، وفتح المجال لوضعه في سياقات مختلفة طبيعية أو غير ذلك»، لافتاً إلى أن «البرامج الحوارية أصبحت فخاً للمشاهير، وفقدت مصداقيتها لتعمُّدها التعمق في العلاقات الشخصية من أجل صناعة (الترند)».

وأوضح الناقد الفني أن «العتب على البرامج يأتي بعد العتب على الفنان الذي يسمح بالدخول في حياته الخاصة، ولذلك عليه تحمُّل التبعات السلبية والتفسيرات حمالة الأوجه للتصريحات».


مخاوف في مصر من فقدان حدائق تاريخية غطاءها الأخضر بـ«فعل التطوير»

حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
TT

مخاوف في مصر من فقدان حدائق تاريخية غطاءها الأخضر بـ«فعل التطوير»

حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)

في وقت تتجه فيه السلطات المصرية إلى تشديد إجراءات حماية الأشجار، وإطلاق خطط لزيادة الرقعة الخضراء، تتجدد المخاوف بشأن مصير الغطاء النباتي في عدد من الحدائق التاريخية، لا سيما تلك التي تشهد مشروعات تطوير واسعة، وفي مقدمتها حديقتا الحيوان والأورمان بالجيزة.

ووجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، في مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، بحظر قطع الأشجار أو اقتلاعها إلا بموافقة المحافظ وبعد الرجوع إلى جهاز شؤون البيئة، بالتزامن مع خطة «تخضير القاهرة» التي تستهدف زراعة 60 ألف شجرة و800 ألف شجيرة ونبات قبل نهاية العام.

غير أن تجدد الجدل بشأن إزالة الأشجار خلال بعض مشروعات التطوير يطرح تساؤلات حول مصير الأشجار القائمة، خصوصاً المعمَّرة منها، ومدى إمكانية تعويضها بزراعات جديدة.

وتبرز حديقتا الحيوان والأورمان (غرب القاهرة) بين المواقع التي أثارت أعمال تطويرها مخاوف بشأن الغطاء النباتي. وأُغلقت الحديقتان في يوليو (تموز) 2023 لبدء مشروع تطوير شامل، وسط تساؤلات بشأن حجم ما تبقى من غطائهما النباتي القديم، ومدى إمكانية تعويض ما يُفقد منه، خصوصاً مع غياب أرقام معلنة تقارن أعداد الأشجار ومساحة الغطاء الأخضر قبل التطوير وبعده.

جانب من الغطاء النباتي لحديقة الحيوان المرتقب افتتاحها بعد التطوير (صفحة سيرة القاهرة على «فيسبوك»)

وتقول الدكتورة هناء عبد النبي، أستاذة الزراعة بجامعة عين شمس، لـ«الشرق الأوسط» إن «أعمال التطوير في حديقة الأورمان أضرت في النهاية ببعض الأشجار القديمة، من بينها أشجار نادرة ومعمرة، لا سيما في الحزام الأخضر المحيط بالحديقة». وتلفت إلى «القيمة النباتية الخاصة للأورمان، التي كانت تضم أكثر من 5 آلاف شجرة معمرة ونادرة، من بينها (الماهوجني) و(أبو المكارم) و(الدلينا)».

وتضيف أن الحديقة أُنشئت «نهاية القرن التاسع عشر، في فترة شهدت انتشاراً كبيراً للحدائق والمساحات الخضراء في مصر، تقلص جزء كبير منها بمرور الزمن»، وهو ما يضاعف، وفق رؤيتها، أهمية الحفاظ على الحدائق التاريخية المتبقية وأشجارها المعمرة.

ولا تقتصر القيمة النباتية على حديقة الأورمان، التي تقع على مساحة 95 فداناً؛ إذ كانت حديقة الحيوان المجاورة تضم، عند بدء تطويرها عام 2023، نحو 38 ألف شجرة، بينها أنواع نادرة.

وتعهدت الحكومة المصرية آنذاك بالحفاظ على النباتات والأشجار النادرة خلال تطوير حديقة الحيوان، ونفى مجلس الوزراء ما تردد عن تجريفها، مؤكداً أنه «لا يمكن المساس بأي من النباتات والأشجار النادرة»، بينما أكدت وزارة الزراعة أن خطة التطوير تراعي الحفاظ عليها وعلى الطابع التراثي للحديقة.

ويرى الناشط البيئي أحمد فتحي أن أهمية الأشجار القديمة والمعمرة تتجاوز أعدادها، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل شجرة تمثل بيئة كاملة للكائنات التي تعيش عليها أو حولها، وعندما يتأثر الغطاء النباتي يتأثر النظام البيئي كله».

مخاوف من تراجع الغطاء الأخضر بحديقة الأورمان بالجيزة (الشرق الأوسط)

ويلفت فتحي إلى أن «الأشجار المعمرة توفر موائل للطيور والحشرات وغيرها من الكائنات، إلى جانب دورها في امتصاص الملوثات»، موضحاً أن جذورها ونظامها البيئي تطورا على مدار سنوات طويلة، ومن ثم لا يمكن النظر إلى الشتلات الجديدة بوصفها بديلاً فورياً لها.

ووصل الجدل إلى البرلمان المصري؛ إذ تقدم النائب محمد عبد الحفيظ، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني بشأن قطع الأشجار، لا سيما المُعمَّرة، وتراجع المساحات الخضراء. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأشجار المعمَّرة ليست مجرد عنصر جمالي، وإنما جزء من البنية الأساسية والأمن البيئي والصحي»، محذراً من «تأثير فقدان الغطاء الشجري على التوازن البيئي ودرجات الحرارة».

ولفت عبد الحفيظ إلى أن بعض الأشجار التي تطولها أعمال التطوير يتجاوز عمرها 50 عاماً، داعياً إلى دراسة بدائل تحافظ عليها، «سواء بتعديل التصميمات أو نقل الأشجار بدلاً من قطعها»، إلى جانب توفير قاعدة بيانات ترصد ما أزيل منها والمساحات الخضراء التي فُقدت خلال السنوات الأخيرة، في مقابل ما تتم زراعته ضمن المبادرة الرئاسية «100 مليون شجرة».

وتتصاعد المخاوف بشأن قطع الأشجار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع تداول شبه يومي لصور ومقاطع مصورة لما يقول ناشروها إنها وقائع قطع أو إزالة في مناطق مختلفة.

وامتد الرصد إلى صور الأقمار الاصطناعية، إذ أظهرت مقارنات زمنية منشورة لصور ملتقطة قبل بدء تطوير حديقتي الحيوان والأورمان وبعده تغيراً في كثافة الغطاء النباتي داخل الحديقتين خلال مرحلة التطوير، وهو ما أعاد إثارة التساؤلات بشأن حجم المساحات الخضراء التي تأثرت بالأعمال.

جانب من أعمال التطوير بحديقة الأورمان (الشرق الأوسط)

ويرى فتحي أن «الحملات المضادة لقطع الأشجار عبر مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في إيصال القضية إلى المسؤولين»، لافتاً إلى أن «كثيرين باتوا يبلغون عن حالات القطع الجائر للأشجار عبر مواقع التواصل، ومخاطبة صفحة وزارة الداخلية التي تعاملت، وفق قوله، مع بعض هذه الوقائع، واتخذت إجراءات قانونية بحق المتسببين فيها».

ويضيف: «وصول مطالب حماية الأشجار إلى هذا المستوى من الاهتمام الرسمي يعد أعلى مستوى وصلت إليه حملات المناصرة للبيئة حتى الآن»، معتبراً أن التحرك الشعبي لم يعد مقتصراً على تداول الصور والشكاوى، وإنما بدأ ينعكس في إجراءات رسمية.

وسبق أن أعلنت وزارة البيئة عام 2024 تشكيل لجنة استشارية علمية لدعم ملف التشجير، مع تعميم تعليمات تمنع قطع الأشجار أو تقليمها جائراً دون الرجوع إلى اللجان المختصة في المحافظات، غير أن استمرار إثارة وقائع الإزالة يعيد التساؤل حول فاعلية هذه الضوابط ومدى تطبيقها.