«غود سايف ذا كوين» تُحيي روح فريدي ميركوري في لبنان وتستحضر جنون الروك

مهرجان «أعياد بيروت» يُضيء السماء بمشهدية تُضاهي مسارح العالم

يُستعاد صوت فريدي ميركوري فتُضاء الذاكرة (الشرق الأوسط)
يُستعاد صوت فريدي ميركوري فتُضاء الذاكرة (الشرق الأوسط)
TT

«غود سايف ذا كوين» تُحيي روح فريدي ميركوري في لبنان وتستحضر جنون الروك

يُستعاد صوت فريدي ميركوري فتُضاء الذاكرة (الشرق الأوسط)
يُستعاد صوت فريدي ميركوري فتُضاء الذاكرة (الشرق الأوسط)

تحت سماء بيروت التي لطالما عرفت كيف تُنجِب من جراحها مواسم فرح، بدا القمر بدراً كاملاً، مُشرِّعاً نوره على مدينة لم تكسرها الأيام. على مسافة قريبة من بحر يُعانق الأرصفة وأضواء تتراقص فوق المياه، اجتمع آلاف من مُحبّي موسيقى «الروك آند رول» ليستعيدوا بصوت واحد وزمن واحد وأمل مُشترك، إرثاً موسيقياً يتخطّى حدود الذاكرة ويخترق أعمق طبقات الوجدان.

صوتٌ واحد نبضٌ واحد وسماءٌ تردّد صدى «كوين» (الشرق الأوسط)

لم يشهد ليل الخميس مجرَّد حفل موسيقي. فما تقدَّم كان طَقْساً روحياً تدفَّقت فيه المشاعر مع كلّ نغمة وكلّ ضربة إيقاع، واستيقظت فيه الروح، وانتفضت القلوب، وتوحَّد الجمهور في حالة جماعية من النشوة والاندفاع. هناك، على مسرح مهرجان «أعياد بيروت»، حضرت فرقة «غود سايف ذا كوين» للمرّة الأولى إلى لبنان من بعيد؛ من أرض الأرجنتين، لتؤدّي ما هو أبعد من أغنيات قديمة. شمَلَ الأداء استحضار روح فريدي ميركوري وأسطورة فرقة «كوين»، فأحيت في بيروت ذكرى صاخبة وصادقة، عاشتها أجيال وما زالت تتوارثها القلوب.

في بيروت تردَّدت تلك الأغنيات الخالدة (الشرق الأوسط)

وُلدت فرقة «غود سايف ذا كوين» في مدينة روزاريو الأرجنتينية، ومنذ تأسيسها عام 1998، تبنَّت إحياء روح «كوين» بكلّ ما فيها من جنون وأناقة وحضور طاغٍ. أرادت من هذا الالتحام أن يُشكّل مشروعاً فنّياً استعاد أدق تفاصيل العروض الحيّة التي اشتهرت بها الفرقة البريطانية، من الملابس والصوت، إلى الإيماءات المسرحية التي طبعت فريدي ميركوري، وجعلته أيقونة لا تتكرّر. وسرعان ما خطفت الأنظار في بلادها وخارجها، لتُصبح واحدة من أبرز الفرق في العالم التي تُجيد النفخ في رماد الأساطير لتُعيدها حيّة على المسرح.

في حضرة الروك تتهاوى الأقنعة وتعلو الحقيقة (الشرق الأوسط)

في الليلة البيروتية، أطلَّ المُغنّي بابلو بادين مُحمَّلاً بالرموز والإشارات، كما لو أنه يوزّع أسراراً ورسائل خفيةً على الجمهور. فالصاعقة التي زيَّن بها ملابسه ليست اختياراً عفوياً. كانت رمزاً يُعلن من خلاله تمرّد الروح وطاقة الإنسان الخام؛ وينتصر لذلك المزيج من الألم والقوة، ومن الضجيج والتأمُّل، ومن الحضور المُفاجئ الذي يستحيل تجاهله. كانت الصاعقة اختزالاً لنبض الصدمة التي تُحدثها موسيقى «الروك آند رول» في الوجدان، وللصوت الداخلي الذي يهزّ الإنسان ليوقظه ويُحرّضه على أن يكون نفسه، من دون أقنعة ومساومات.

من الأرجنتين إلى بيروت... الروح واحدة حين تنفجر الموسيقى (الشرق الأوسط)

بالتوازي مع رمز الصاعقة، حمل بابلو بادين أيضاً إشارة «الرجل الخارق» (سوبرمان)، ليُذكّر الجميع بأنّ الإنسان يمكنه أن يتحدَّى عجزه، وأنّ في داخله رغبة عميقة في تجاوز جراحه والتحليق فوق ألمه، والاستمرار في التوهُّج حتى في لحظات الانكسار. بدت الرموز رسائل غير مباشرة من المُغنّي إلى الجمهور، ومن الموسيقى إلى الروح الإنسانية. نداء يُردّد بصوت مسموع: لا تخجلوا من جراحكم ولا تتراجعوا أمام ضعفكم. احتفلوا بها وامنحوها معنىً، فهي التي تجعل منكم بشراً حقيقيين.

تلك الليلة لم نُصفّق فحسب... بل تنفّسنا بصوتٍ مرتفع (الشرق الأوسط)

وجاءت الإضاءة في الأمسية لتكون عنصراً أساسياً في رَسْم معالم الروح الموسيقية، فشكَّلت الأنوار الملوَّنة انعكاساً مباشراً للأصوات، وانسياباً بصرياً يُعادل في تأثيره عزف الغيتار، وهدير الطبول، وهمس البيانو، وحشرجة الصوت. تراقصت هذه الأضواء بتناغمٍ مدهش، وعانقت الجمهور مثل يدٍ دافئة تُعانق كل روحٍ وتُلامس معها إحساساً عميقاً بالاندماج مع اللحظة والآخرين. وما شهده الجمهور من تفاعل بين الإضاءة والموسيقى في هذه الليلة، لم يكن أقلّ إبهاراً من حفلات الروك العالمية الكبرى.

الصاعقة ترجمة لجمر الداخل (الشرق الأوسط)

راح بابلو بادين يتجلَّى على المسرح بأداءٍ حرّ مُتفلّت من الجاذبية التقليدية للحركة. تنقَّل بجسد خفيف كأنه مصنوع من الهواء، يسرق من اللحظة حركات مستوحاة من روح ميركوري، لكنه يُعيد خلقها وفق إحساسه ومزاجه الفنّي. أغمض عينيه كأنه ينادي أصواتاً خفيّة من داخله، ثم فتح ذراعيه بكلّ سخاء وامتنان، فمنح الجمهور كلّ ما لديه من شغف وانفعال.

وبين الأغنية والأخرى، وبين الضوء والصوت، شعر الحاضرون بتجربة روحية خاصة. فالآتون إلى «أعياد بيروت» حضروا حفلاً تجاوز كونه استعادة لفرقة موسيقية عظيمة. الحقيقة أنه استعادة للذات وللهوية المتفلّتة من الانتماءات الضيّقة، واحتفاء بالتناقضات البشرية التي تجعل الحياة ممكنة. كانت ليلة للتمرُّد، وللحبّ بكلّ ما فيه من هشاشةٍ وقوة، وللحرّية بتعقيداتها وتحدّياتها. كما كانت لحظة اعترافات علنية جماعية، احتفالاً بالضعف والصلابة، بالألم والأمل، بالسقوط والنهوض.

«غود سايف ذا كوين» أعادت خلق الحلم (الشرق الأوسط)

ففي الأمسية، أعادت «غود سايف ذا كوين» ولادة روح «كوين» في بيروت من جديد. ففرقة «كوين»؛ تلك الثورة الوجودية، والظاهرة الإنسانية والفنّية، أرادت التأكيد دائماً على أنّ الموسيقى حين تكون صادقة، تستطيع أن تُصبح جناحاً يُحرّر الروح من قيودها، فتمنح الإنسان شعوراً بالحرّية والانتماء في آنٍ واحد.

كانت بيروت شاهدة على كلّ هذا، وكان الجمهور شريكاً حقيقياً في صناعة هذا الجمال، في ليلة أثبتت مرّة أخرى أنّ المدينة التي لا تستسلم، قادرة دائماً على إعادة إنتاج لحظات من الفرح الحقيقي، مهما تعاظمت الأزمات وبدت السماء لا تُطال.


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.