مهرجان عمّان السينمائي يختتم دورته السادسة بتوزيع الجوائز على مستحقّيها

الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)
الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)
TT

مهرجان عمّان السينمائي يختتم دورته السادسة بتوزيع الجوائز على مستحقّيها

الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)
الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)

بعد 9 أيامٍ حافلة بالأنشطة السينمائية، من عروض أفلام، مروراً بالندوات واللقاءات الحوارية وليس انتهاءً بمنصة تسويق المشروعات السينمائية، اختتم مهرجان عمّان السينمائي الدولي فعاليات دورته السادسة في العاصمة الأردنية.

من «مركز الحسين الثقافي»، حيث كان الافتتاح في 2 يوليو (تموز)، ذكّرت مديرة المهرجان ندى دوماني بهويته: «هو مهرجان متجذّر في محيطه، لكنه منفتح على العالم، وهذا ما نطمح أن يستمرّ». وما الأفلام الفائزة بجوائز «السوسنة السوداء» سوى انعكاس لتلك الهوية، وللشعار الذي رفعه المهرجان هذا العام «عالم خارج النص».

رئيسة المهرجان الأميرة ريم علي ومديرته ندى دوماني برفقة فريق العمل في ختام الفعاليات (إدارة المهرجان)

جوائز الأفلام الروائية العربية

بحضور الأمير علي بن الحسين وزوجته الأميرة ريم علي، رئيسة المهرجان، توزّعت الجوائز على الفئات المتنافسة؛ من أفلام روائية طويلة، إلى أفلام قصيرة ووثائقية. مع العلم بأن 62 فيلماً من 23 دولة شاركت في هذه النسخة من المهرجان.

عن فئة الأفلام الروائية الطويلة، فاز «الذراري الحمر» من تونس للمخرج لطفي عاشور بـ«السوسنة السوداء». يتناول الفيلم المقتبس عن قصة حقيقية، انعكاس الإرهاب والعنف على الطفولة المهمّشة. وقد حصل الممثل الرئيسي في الفيلم الطفل علي الهلالي على تنويه خاص عن دوره. وقد تقاسمَ هذا التنويه مناصفةً مع الممثل الشاب عزّام أحمد عن دوره الرئيسي الأول في فيلم «أناشيد آدم».

المخرج التونسي لطفي عاشور متسلماً جائزة أفضل فيلم لـ«الذراري الحمر» (إدارة المهرجان)

وعن فئة الأفلام الروائية، فحاز الفيلم الفلسطيني «إلى عالم مجهول» للمخرج مهدي فليفل جائزتَي لجنة التحكيم والجمهور. ويتناول الفيلم رحلة هروب صديقَين فلسطينيَّين إلى أوروبا؛ بحثاً عن حياة أفضل، حيث يجدان نفسيهما في مواجهة تحديات وصعوبات كثيرة.

حصل الفيلم الفلسطيني «إلى عالم مجهول» على جائزتَي لجنة التحكيم والجمهور (موقع المهرجان)

أما الفيلم الأردني «سمسم»، الذي شكّل إحدى مفاجآت المهرجان، بما أنه من صناعة مواهب شابة في تجربتهم السينمائية الأولى، فقد نال تنويهاً خاصاً لأفضل كاتبة سيناريو في تجربة أولى. وسط تصفيق الجمهور، صعدت كاتبة الفيلم تمارا عويس، والمخرجة سندس السميرات إلى المسرح لتسلُّم الجائزة. وعن الفيلم ذاته، نالت الممثلة الصاعدة سجى كيلاني تنويهاً خاصاً لأفضل أداء بدور رئيسي للمرة الأولى.

ويعالج الفيلم، عبر قصة منبثقة من المجتمع الأردني، قضية الطلاق وانعكاساتها على المرأة في حياتها العائلية والمهنية. كما يتطرّق بجرأة إلى توق الأنثى إلى الحرية، بعيداً عن القيود التي يفرضها المجتمع الذكوري.

تنويه خاص لأفضل سيناريو للفيلم الأردني «سمسم» (إدارة المهرجان)

جوائز الأفلام الوثائقية العربية

بالانتقال إلى الأفلام الوثائقية، اختارت لجنة التحكيم «احكيلهم عنّا» للمخرجة الأردنية رند بيروتي، وقد نال الفيلم كذلك جائزة الجمهور في المهرجان. ويوثّق العمل حكاية 7 فتيات من أصول عربية وكردية وغجريّة، يقمن بشقّ طريقهنّ إلى مرحلة النضج في الريف الألماني. بحثاً عن طرق لتخطي التمييز والضغوط العائلية، تعرض تلك المراهقات مشاكلهن وأحلامهن الجامحة أمام الكاميرا.

جائزتا الجمهور ولجنة التحكيم للفيلم الوثائقي الأردني «احكيلهم عنّا» (موقع المهرجان)

ومن بين الأفلام الوثائقية التي لاقت استحساناً كبيراً في مهرجان عمّان السينمائي، «أبو زعبل 89» للمخرج المصري بسام مرتضى. يوثّق الفيلم لحكاية مرتضى الشخصية مع والده الذي اعتُقل لأسباب سياسية في سجن أبو زعبل، ثم غادر إلى النمسا بعد خروجه، تاركاً بسام ووالدته مع مجموعة من أشرطة الكاسيت والرسائل التي تروي ذكريات العائلة.

حصل «أبو زعبل 89» على تنويه خاص من لجنة التحكيم، كما نال جائزة «فيبريسي (Fipresci)»، التي يقدّمها «الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية».

المخرج المصري بسام مرتضى وتنويه خاص لفيلمه الوثائقي «أبو زعبل 89» (إدارة المهرجان)

أما جائزة «السوسنة السوداء» لأفضل فيلم وثائقي، فقد ذهبت مناصفةً إلى «أمك، أمي» من المغرب، و«نحن في الداخل» للمخرجة اللبنانية فرح قاسم.

ويتناول كلٌ من العملَين قصصاً شخصية، حيث يوثّق الفيلم المغربي لعلاقة المخرجة سميرة المزغباتي مع والدتها. بينما تعود فرح إلى طرابلس بعد سنوات من الغياب، أملاً في إعادة التواصل مع والدها عبر اللغة الوحيدة التي يؤمن بها، أي الشعر.

المخرجة المغربية سميرة المزغباتي وجائزة «السوسنة السوداء» عن أفضل وثائقي (إدارة المهرجان)

جوائز الأفلام العربية القصيرة

للأفلام العربية القصيرة حصّتها كذلك في مهرجان عمّان السينمائي، وقد نال «السوسنة السوداء» فيلم «نهار عابر» للمخرجة رشا شاهين، وهو إنتاج مصري - سوري مشترك. أما جائزة لجنة التحكيم فحصل عليها الفيلم اللبناني «آخر أيام الصيفية» للمخرج بيار مزنّر. وقد ذهب التنويه الخاص إلى فيلم «مانجو» من مصر للمخرجة رندة علي. أما جائزة الجمهور لأفضل فيلم قصير فذهبت إلى «ونعم» للمخرج مساعد القديفي من الكويت.

جوائز الأفلام غير العربية

وفي خطوة جديدة في هذه الدورة من المهرجان، استُحدثت جوائز للأفلام غير العربية التي دخلت المنافسة للمرة الأولى. منح أعضاء لجنة التحكيم أصواتهم للفيلم السويسري «كلب قيد المحاكمة (Dog on Trial)»، بينما حصل على جائزة «السوسنة السوداء» الفيلم الأميركي «لمسة مألوفة (Familiar Touch)»، أما جائزة الجمهور لأفضل فيلم غير عربي فقد نالها فيلم الرسوم المتحركة التشيكي «حكايات من حديقة سحرية (Tales from the Magic Garden)».

على مدى 9 أيام، حاول «مهرجان عمّان السينمائي الدولي - أول فيلم» أن يتلاقى مع شعاره ويروّض عالماً خرج عن نصّه وعن طَوره. لم يكتفِ بعرض أفلامٍ ذات محتوى إنسانيّ عالٍ، بل خلق مساحاتٍ للتشبيك واللقاء والبساطة بين صنّاع الأفلام والمهتمّين بالشأن السينمائي من العالم العربي والعالم، من دون تكلّفٍ ولا بهرجة.

قبل أن تختمَ المهرجان واعدةً بتجديد اللقاء العام المقبل، تستذكر ندى دوماني عبارةً قالها أحد الضيوف ولم تسقط سهواً في أذنها: «This is a festival with a heart (هذا مهرجانٌ ذو قلب)».


مقالات ذات صلة

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.