الطبيب الذي سحب الرصاص من أجساد الغزيين... بطلاً لفيلم «المهمة»

مهرجان عمّان السينمائي يستضيف العرض العالمي الأول للفيلم بحضور الجرّاح محمد طاهر والمنتج مايك ليرنر

الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)
الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)
TT

الطبيب الذي سحب الرصاص من أجساد الغزيين... بطلاً لفيلم «المهمة»

الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)
الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)

«كادت تلك اليد تكون معجزة غزة، لكن حتى المعجزات لا تبقى على قيد الحياة هنا»، هكذا علّق الجرّاح محمد طاهر بعدما خسرت الطفلة مريم يدها، رغم محاولاته الحثيثة لتفادي البتر.

دخل الطبيب العراقي - البريطاني إلى القطاع الفلسطيني المنكوب في 3 مهمات إنسانية خلال الحرب. جرى توثيق إحداها ضمن فيلمٍ حمل عنوان «المهمة»، وقد استضاف «مهرجان عمّان السينمائي الدولي» عرضَه العالمي الأول، وذلك في مسرح «رينبو» في العاصمة الأردنية، الذي امتلأ بالحضور، على رأسهم الدكتور طاهر، ومنتج الفيلم المخرج البريطاني مايك ليرنر.

د. طاهر والمنتج مايك ليرنر في حوار مع حضور مهرجان عمّان السينمائي (الشرق الأوسط)

على هامش العرض، تحدَّث طاهر لـ«الشرق الأوسط» عن المرات الكثيرة التي استطاع فيها أن ينقذ حياة ضحايا القصف الإسرائيلي على غزة، وكذلك عن المرات التي تحطّم فيها قلبه أمام أطفالٍ يلفظون أنفاسهم الأخيرة. يقول: «إحدى أصعب اللحظات، وهي لا تُحصى، كانت في مستشفى (شهداء الأقصى) في دير البلح. في ذلك اليوم وصلت إصابات كثيرة من بينهم أطفال. كان أحدهم مرمياً أرضاً ومتروكاً برأسٍ مضمّد عشوائياً. تُرك يموت وحده... وأنا، وسط الفوضى والصراخ والدماء، ذهبت إليه ومسكت يده ومسحت على صدره كي لا يموت وحده».

تستوقفه دموعه عندما يسترجع مشاهد مثل هذه، وفي الفيلم أيضاً بكى الدكتور طاهر. تأثّر أمام أمٍ تشكره لأنه أجرى جراحة ناجحة لجسد ابنها المشظّى، كما شارك العائلات لوعة فقد الأحبة، وهو بكى كذلك في كل مرةٍ كان يغادر فيها غزة، تاركاً خلفه ضحايا علّقوا آمال الشفاء عليه.

د. طاهر خلال مهمته داخل مستشفى الأقصى في غزة (إنستغرام)

اليوم، وبعد أشهر قليلة على انتهاء مهمته الأخيرة، بات الطبيب ممنوعاً من دخول القطاع. لقد ذاع صيتُه وصارت الحكايات التي يوثّقها تزعج إسرائيل. غير أن الفيلم الجديد هو الشاهد الأكبر على جراح الغزيين والجحيم المفتوح عليهم.

على مدى ساعة ونصف الساعة، تابع الحضور يوميات الغزيين الدامية من خلال حركة الدكتور طاهر (40 سنة)، وهو جرّاح أعصاب من أصول عراقية، وُلد وعاش في لندن. جلس الطبيب في القاعة وسط المشاهدين، عاينَ ردود فعلهم بين شهقاتٍ ودموع وتصفيق. منهم مَن لم يستطع متابعة الفيلم لفرط قسوة المشاهد، ومنهم مَن أشاح نظره كلّما اقتربت الكاميرا من الجراح المفتوحة.

«كل المحتوى حقيقي. لا نصوص ولا تحضير ولا إعادة تمثيل هنا»، يؤكّد الدكتور طاهر لـ«الشرق الأوسط». ما الحاجة إلى سيناريو ومؤثرات خاصة حين يكون الواقع تجسيداً للسرياليّة؟!

لا يناسب الفيلم أصحاب القلوب الضعيفة لما يحتويه من مشاهد قوية داخل غرف العمليات (الشرق الأوسط)

يفيض وثائقيّ «المهمة» بالدماء والآلام، تقترب كاميراته من أعماق الجسد، تلاحق ملاقط الطبيب وهي تسحب الرصاصات والشظايا من بين العظام والأضلاع. وحدهم أصحاب القلوب القوية قادرون على متابعة المُشاهدة، فالعمل قاسٍ بصورته، لكنه لا يفعل سوى توثيق حقيقة ما يجري في غزة من دون تجميل، ومن قلب مستشفياتها وغرف عملياتها. يقترب العمل في هذه الناحية أكثر إلى التغطية الإخبارية منها إلى الفيلم الوثائقي.

يؤكد طاهر أنّ التصوير جرى بمجهودٍ شخصي من الفريق الطبي، مع حرصٍ على عدم الكشف عن أسماء المصوّرين لأسبابٍ أمنية، إلا أنّ اللقطات تبدو محترفة. فالنقلات انسيابية، والصورة واضحة وثابتة رغم قسوة المحتوى. «في البداية لم تكن هناك خطة لتحويل مهمتي الطبية إلى فيلم، لكن نصائح عدة من حولي نجحت في إقناعي بالأمر. ولاحقاً عندما بدأنا التصوير في غزة، أدركنا أن ما سنقدّمها للعالم رسالةٌ إنسانيةٌ نفتح من خلالها أبواب مستشفيات وغرف عمليات غزة أمام الرأي العام العربي والعالمي».

رغم الظروف الصعبة فإن التصوير محترف والحركة السينمائية انسيابية (الشرق الأوسط)

لا يقتصر التصوير على داخل المستشفيات فحسب، بل تواكب العدسة الطبيب وزملاءه المتطوّعين في جمعيّة «الفجر العلمي» وهي منظّمة غير حكومية تكرّس جهودها لتقديم الخدمات الطبية للأشخاص المحرومين منها أينما كانوا في العالم.

ترافق الكاميرا إذن الدكتور طاهر خلال تنقّله بين شمال القطاع وجنوبه، فهو جال على عدد كبير من مستشفيات غزة. تلك المشاهد الخارجية توثّق بدَورها هَولَ ما حلّ بغزّة من دمار شامل لم يُبقِ سوى مساحات لا متناهية من الركام. والرحلة من الشمال إلى الجنوب محفوفة بأخطار القصف، وبالعصابات التي تسرق المساعدات، وبشتّى أشكال القلق.

استراحة للأطباء المتطوعين في مستشفيات غزة (إنستغرام)

لكن ثمة دائماً نافذة ضوء يحرص الفيلم على فتحها، كأن يخرج الطبيب إلى الشارع في فسحة قصيرة بعد ليلة طويلة من العمليات الجراحية. هناك، وسط الأبنية المدمّرة، يصافح الأطفال ويقدّم لهم الحلوى. «هذه هي فسحتي واستراحتي من فظاعة ما أرى في غرف العمليات»، يعلّق طاهر. ثم يرافق فريقه الطبي والتمريضي في استراحة لساعات على شاطئ غزة. يسيرون على الرمال، ويتحدّثون إلى الصيادين والسبّاحين المحاصَرين بالزوارق الإسرائيلية. «هذا المشهد الوحيد الذي لم تهشّمه الصواريخ... البحر والرمال»، يعلّق طاهر.

وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم تأثيراً، تمتزج وحشيّة الحرب بشاعريّة الكَون؛ فبعد ليلٍ طويلٍ من الإسعافات والعمليات يصعد الطبيب إلى سطح المستشفى مستعيناً بضوء الجوال. يتفرّج على السماء، حيث تلمع النجوم وتظهر المجرّات بوضوح في ليل غزة الدامس، لكن سرعان ما يطغى أزيز المسيّرات الإسرائيلية ليسلب سحر اللحظة.

اختُتم العرض بوقوف الحضور تصفيقاً لدقائق (الشرق الأوسط)

ليس من المؤكّد بعد ما إذا كان فيلم «المهمة» سيشقّ طريقه إلى مهرجانات سينمائية دولية أخرى، لكنه سيُعرَض في بعض صالات المملكة المتحدة وأوروبا. أما الانطلاقة من قلب عمّان ومن ضمن فعاليات مهرجانها السينمائي، فمحطة أساسية في طريقه نحو الناس. «يعني لي كثيراً أن يكون العرض الأول في الأردن، خصوصاً أنه دولة لصيقة بفلسطين، وأن نسبة الفلسطينيين فيه مرتفعة»، يقول الدكتور طاهر.

ربما لن يستطيع الطبيب العودة إلى غزة في مهمة رابعة، إلا أنه يستعد لإطلاق منصة تُجمَع من خلالها المساعدات، وتُقدَّم أشكال الدعم كلها لأهالي القطاع. وفق طاهر، هؤلاء يستحقون الأجمل: «أكثر ما فاجأني في أهل غزة، أنهم رغم الفاجعة، لم يفارقوا يوماً إيمانهم».


مقالات ذات صلة

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد السعدني - مهرجان مالمو

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

قال الفنان المصري أحمد السعدني إن تجربته في فيلم  «ولنا في الخيال حب» تمثل محطة مميزة في مشواره.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يستثمر الفيلم في مرافق البوليفارد ليحولها إلى بيئة درامية جديدة (لقطة من الفيديو الدعائي للفيلم)

«عوو»... أول فيلم سعودي يُصوَّر بالكامل في «بوليفارد وورلد»

بدأ في الرياض، مطلع الأسبوع الحالي، تصوير الفيلم السعودي «عوو»، المعروف سابقاً باسم «البوليفارد»، في خطوة تعكس توسّع الإنتاج السينمائي المحلي

«الشرق الأوسط» ( الدمام)
يوميات الشرق الممثلة السعودية خلال كلمتها المصوَّرة في حفل ختام «هوليوود للفيلم العربي» (إدارة المهرجان)

لمار فادان «أفضل ممثلة صاعدة» في «هوليوود للفيلم العربي»

أكّدت في كلمتها المسجَّلة، لعدم تمكّنها من السفر إلى أميركا، أنّ الجائزة ليست لها وحدها، بل لجميع فريق العمل...

أحمد عدلي (القاهرة)

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
TT

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)

بدأ الفريق الطبي والجراحي التابع لـ«البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الخميس، عملية فصل التوأمتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، الملتصقتين بالرأس؛ إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وذلك في مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني بالرياض.

وأوضح المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» رئيس الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج، الدكتور عبد الله الربيعة، في تصريح صحافي، أن التوأمتين الملتصقتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، بمنطقة الرأس، قدِمتا إلى السعودية في 17 مايو (أيار) 2025، وبعد دخولهما المستشفى قام الفريق الطبي بإجراء فحوص دقيقة ومتعددة لهما، وعقد اجتماعات عدة توصَّل من خلالها إلى أنَّ حالتهما تُعد من أكثر الحالات تعقيداً على مستوى العالم، نظراً لعوامل طبية عدة، من أبرزها وجود وضعية زاوية معقدة للرأسين، واشتراك واسع في الجيوب الوريدية الدماغية، وتداخل نسيج الدماغ بين الطفلتين، بالإضافة إلى أنَّ الطفلة كليا كانت تعاني من قصور في عضلة القلب وضمور شديد في الكليتين مع فشل كلوي تام؛ مما يؤدي إلى رفع مستوى الخطورة الجراحية بشكل كبير.

وبيَّن أنَّ الفريق الجراحي، بقيادة الدكتور معتصم الزعبي استشاري جراحة مخ وأعصاب الأطفال، قرَّر تنفيذ العملية على 5 مراحل يشارك فيها 30 من الاستشاريين والمتخصصين والكوادر التمريضية والفنية في تخصصات عدة، منها التخدير، والعناية المركزة، والأشعة المتقدمة، وجراحة التجميل، مشيراً إلى أنَّه من المتوقع أن تستغرق العملية 24 ساعة.

وقال الربيعة: «بناءً على التقييم الطبي متعدد التخصصات، والدراسات التشخيصية الدقيقة، فإنَّ نسبة الخطورة تصل إلى 50 في المائة نظراً للتحديات الطبية المصاحبة للحالة، مع وجود احتمال حدوث مضاعفات عصبية شديدة قد تتسبب بالإعاقة بنسبة تصل 60 في المائة»، مشيراً إلى أنَّه جرى التشاور مع أحد المراكز الطبية المتخصصة في مثل تلك الحالات، وتوافقت مرئياته مع تقييم الفريق الطبي من حيث درجة خطورة العملية، وارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وتمَّ شرح الحالة بشكل مفصل لوالدَي الطفلتين اللذين أبديا تفهمهما لخطة الفريق الجراحي.

ولفت إلى أنَّ هذه العملية تعد رقم 70 ضمن «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الذي استطاع منذ عام 1990، أن يعتني بـ157 توأماً من 28 دولة في 5 قارات حول العالم.


نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
TT

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)

في ظلّ التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتنامي دور التكنولوجيا في إعادة تشكيل موازين الثروة، تتجه المؤشرات إلى تصاعد غير مسبوق في أعداد فاحشي الثراء. ويعكس هذا الاتجاه تسارع وتيرة تراكم الثروات لدى شريحة محدودة من الأفراد، في وقت تتزايد فيه النقاشات حول اتساع فجوة عدم المساواة عالمياً.

وكشفت تقديرات نقلتها صحيفة «الغارديان» أن عدد المليارديرات حول العالم قد يصل إلى نحو 4 آلاف ملياردير بحلول عام 2031، مدفوعاً بالنمو السريع في ثروات الأثرياء.

وبحسب تحليل أجرته شركة «نايت فرانك» العقارية، يبلغ عدد المليارديرات حالياً 3110 على مستوى العالم، ومن المتوقَّع أن يرتفع هذا الرقم بنسبة 25 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، ليصل إلى نحو 3915 مليارديراً.

ولا يقتصر النمو على فئة المليارديرات فقط، بل يشمل أيضاً شريحة أصحاب الثروات الكبيرة؛ إذ ارتفع عدد الأفراد الذين تبلغ ثروتهم 30 مليون دولار أميركي (22 مليون جنيه إسترليني) على الأقل من 162 ألفاً و191 شخصاً في عام 2021 إلى 713 ألفاً و626 شخصاً حالياً، أي بزيادة تتجاوز 300 في المائة، وفقاً لبيانات «نايت فرانك».

وأوضح ليام بيلي، رئيس قسم الأبحاث في الشركة، أن هذا النمو الهائل في ثروات المليارديرات وأصحاب الملايين يعود بدرجة كبيرة إلى الأرباح المتحققة في قطاع التكنولوجيا، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «لم تكن القدرة على توسيع نطاق الأعمال التجارية بهذا الشكل ممكنة في السابق»، مشيراً إلى أن التطور التكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي، أسهم في تسريع تكوين الثروات الضخمة بشكل غير مسبوق.

وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي، توقعت الدراسة أن يتضاعف عدد المليارديرات في بولندا من 13 إلى 29 مليارديراً خلال الفترة بين عامي 2026 و2031، كما يُتوقع أن يشهد العدد في السويد زيادة بنسبة 81 في المائة، ليرتفع من 32 إلى 58 مليارديراً خلال الفترة نفسها.

يأتي هذا التوسع في أعداد الأثرياء، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم. فقد أظهر تقرير عدم المساواة العالمي، الصادر العام الماضي، أن أقل من 60 ألف شخص فقط (أي ما يعادل 0.001 في المائة من سكان العالم) يملكون ثروة تزيد على ثلاثة أضعاف ما يمتلكه النصف الأفقر من سكان العالم.

وفي ضوء هذه المؤشرات، تصاعدت الدعوات الموجهة إلى قادة الدول لفرض ضرائب أعلى على فاحشي الثراء، وسط مخاوف من تزايد قدرة أصحاب الثروات الضخمة على التأثير في القرار السياسي وشراء النفوذ.

من جهتها، كشفت منظمة «أوكسفام» الخيرية عن تسجيل عدد قياسي من المليارديرات خلال العام الماضي؛ إذ تجاوز إجمالي عددهم حاجز 3 آلاف للمرة الأولى في التاريخ، مشيرة إلى أن إجمالي ثرواتهم مجتمعة بلغ نحو 18.3 تريليون دولار.

وعلى صعيد الأفراد، يتصدر رجل الأعمال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، قائمة أغنى أثرياء العالم، بثروة صافية تُقدّر بنحو 785.5 مليار دولار، وفقاً لقائمة «فوربس». ويحلّ في المرتبة الثانية لاري بيج، أحد مؤسسي «غوغل»، بثروة تبلغ 272.5 مليار دولار، يليه جيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، بثروة تُقدّر بـ259 مليار دولار.


عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
TT

عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)

سالت أطنانٌ من الحِبر عن الملكة التي جلست على العرش 70 عاماً. صدرت مئات الكتب التي فصّلت سيرة إليزابيث الثانية، لكن أغرب ما في الأمر ألّا سيرة من بينها كانت رسمية أو أنها صدرت عن قصر باكينغهام . طوَت أشهَرُ ملكات بريطانيا عقوداً من الحُكم من دون أن تفكّر في تدوين سيرتها، تاركةً للتاريخ أن يرويَها.

ليس سوى بعد 4 سنوات على رحيلها، حتى كلّف ابنُها الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي بكتابة سيرتها الرسمية الأولى. كياي (51 عاماً)، عملت عن قُرب مع العائلة البريطانية المالكة، ومن المرتقب أن تسجّل حوارات مع عدد من أفرادها ومع أصدقاء الملكة والخدَم لإنجاز عملها. كما ستُمنح إذناً خاصاً بالوصول إلى الأرشيف الملَكيّ، من أجل الاطّلاع على أوراق إليزابيث الخاصة والرسمية.

من اللافت أنّ العاهل البريطاني أصرّ على أن تكون كاتبة سيرة أمّه أنثى، وهو اختار كياي لكونها خبيرة في الشؤون الملَكيّة البريطانية وقد ألّفت كتباً عنها، كما أنها أمينة صندوق «المجموعة الملَكيّة» وعضو في «لجنة إحياء ذكرى الملكة إليزابيث».

اختار الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي لكتابة سيرة والدته الملكة إليزابيث (قصر باكنغهام)

الملكة وزينة الصيصان والشوكولاته

بانتظار السيرة الرسمية التي ليس من المتوقع أن تصدر خلال وقتٍ قصير، تنتشرُ بين حينٍ وآخر خفايا وتفاصيل من كواليس حياة الملكة إليزابيث، كتلك التي كشفتها مساعدتُها الخاصة أنجيلا كيللي في حوار مع مجلة «فانيتي فير» الأميركية نُشر في نهاية مارس (آذار) الماضي.

تحدّثت كيللي عن روح النكتة لدى الملكة، وعن اهتمامها بالموضة، وعن عاداتها الصباحيّة. مرَّت كذلك على الخلافات العائلية، من دون أن تغفل استذكار إليزابيث الجدّة التي أحبّت الاعتناء بأحفادها وأولادهم.

أنجيلا كيللي مساعدة الملكة إليزابيث ومنسّقة أزيائها (مجموعة الصور الملَكيّة)

خلال إجازة عيد الفصح، كانت تنتقل الملكة إلى قصر وندسور، حيث اعتادت تزيين مقرّ إقامتها بالصيصان الملوّنة وبالبيض المصنوع من الشوكولاته. أما صيفاً في بالمورال، فكانت تتفرّغ لعائلتها. تقول كيللي التي لطالما رافقتها: «أحبّت أن تقوم بدور الجدّة. كانت تأخذ أحفادها في نزهات سيراً أو ركوباً على الخيل». وتتذكّر كيللي كيف أن الملكة كانت تصرّ على غسل الصحون شخصياً بعد كل مأدبة شواء كانت تقيمها للعائلة أو حتى لرئيس الحكومة. تضيف: «كانت الملكة مليئة بالحيويّة وجدّة مرِحة جداً».

وفق مساعدتها كانت تصرّ الملكة على غسل الصحون بعد مآدب الشواء العائلية (أ.ف.ب)

الملكة تغنّي وترقص

انضمّت أنجيلا كيللي إلى فريق عمل الملكة إليزابيث عام 1994، بعد سنتَين من لقائهما الأول في مقرّ السفير البريطاني في ألمانيا حيث كانت تعمل مدبّرة منزل. أُعجبت الملكة بسلوك كيللي التي دُعيت إلى تقديم طلب عمل في قصر باكنغهام. وتُخبر الموظفة السابقة أنها حينذاك لم تكن تملك ثمن ثوبٍ جديد ترتديه إلى مقابلة العمل، فاضطرّت إلى بيع غسّالتها لشراء واحد.

تسلَّقت كيللي سلالم القصر بتأنٍ إلى أن أصبحت المساعدة الخاصة ومستشارة أزياء الملكة. ولم تتوقف الأمور عند حدود العلاقة المهنية، بل تحوَّلت ابنة الخيّاطة وعامل ميناء ليفربول المولودة عام 1957 إلى كاتمة أسرار ملكة إنجلترا، كما كانت ترى فيها «الصديقة المفضّلة». واتّضح مع مرور الوقت أنهما تتشاركان بعض الخصال، كالاهتمام بالموضة، وحسّ الفكاهة، ومنح الأولوية للواجب قبل أي شيء آخر.

ارتاحت سيدة العرش لكيللي إلى درجة أنها كانت تتصرف على طبيعتها أمامها، وتتخلّى عن صرامة البروتوكول الخاص بالتاج. وتروي المساعدة السابقة أنّ الملكة إليزابيث كانت تستمع كل صباح إلى برنامج الإعلامي تيري ووغان على «راديو 2»، وكلما كانت تُبَثّ أغنية Dancing Queen (ملكة الرقص) لفريق «آبا»، كانت تتمايل يميناً ويساراً وتغنّي. وتضيف كيللي: «كانت الملكة تحب الغناء وكان صوتها جيداً».

كانت تبدأ الملكة بعض صباحاتها بالرقص والغناء (أ.ف.ب)

صانعة «اللوك» الملوّن

يشهد ستيوارت بارفن، أحد مصمّمي أزياء الملكة إليزابيث، للدور المحوَري الذي لعبته أنجيلا كيللي في الكواليس وللعلاقة المميزة التي جمعتها بالملكة. يقول إنّ الأخيرة كانت «تشعر بارتياحٍ وثقة أكبر بوجودها خلال جلسات القياس، لأنها كانت تجعل كل شيءٍ يبدو أسهل».

ومع مرور السنوات، استطاعت أنجيلا كيللي إقناع الملكة إليزابيث بإدخال تعديلات جذريّة إلى هندامها. يُنسَب إليها الفضل في جعلها تتخلّى عن التنّورة الطويلة وتعتمد الفساتين والقبّعات ذات الألوان الفاقعة والجريئة.

كانت لأنجيلا كيللي اليد الطولى في إقناع الملكة بارتداء الفساتين ذات الألوان الجريئة (رويترز)

أزمة تاج ميغان

غالباً ما كانت تنتعل أنجيلا أحذية الملكة الجديدة كي توسّعها لها، تفادياً لإيذاء قدمَيها لاحقاً عند انتعالها لوقتٍ طويل. ولم يقتصر الأمر على الأحذية بل انسحب على الحليّ والمجوهرات. يروي أندرو فورد، المراقب المالي السابق للعائلة البريطانية المالكة، كيف أنه أصيب بالدهشة يوم دخلت أنجيلا مكتبه وهي تضع عقداً من لآلئ الملكة، ليتّضح أنها فعلت ذلك بطلبٍ من إليزابيث نفسها، لأنّ اللؤلؤ يجب أن يكون قريباً من الجلد دائماً تفادياً لاصفراره.

ويوم اشتعل الخلاف حول التاج الذي ستضعه ميغان ماركل في زفافها، وقفت كيللي سداً منيعاً في وجه الأمير هاري واحتدمَ السجال بينهما، منعاً لإخراج أي تاج من مجموعة الملكة خارج القصر من أجل تجربته عند مصفف الشعر.

زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018 (رويترز)

أنجيلا «البندقيّة»

منحُ الملكة إليزابيث الضوءَ الأخضر لأنجيلا كيللي بفعلِ ارتياحها لها وثَّقتها بها، أزعجَ الدوائر الملَكيّة وعدداً من أفراد العائلة المالكة. ومَن كانت من المفترض أن تكتفي بدورها كمُساعدة للملكة، تحوَّلت إلى صديقتها المقرّبة وإلى شخصٍ نافذ داخل القصر.

يكشف موظِّف سابق في باكنغهام لـ«فانيتي فير» أنه «كان بوسعِ أنجيلا أن تُنجِح أو تُفشِل المسيرة المهنية لأي عاملٍ في القصر، لأنها كانت تحظى بثقة الملكة»، إلى درجة أنه أُطلق عليها لقب AK 47 نسبةً إلى البندقية الهجومية، وذلك بسبب قدرتها على إخراج الناس من القصر، حيث كانت محطّ تبجيلٍ وخوف في أنٍ معاً.

أنجيلا كيللي في الصفوف الأمامية مع الملكة إليزابيث خلال أسبوع لندن للموضة (إنستغرام)

ثياب الرحلة الأخيرة

تروي أنجيلا كيللي أنَّ علاقتها بالملكة إليزابيث ترسَّخت بقوة ما بين عامَي 2020 و2021، خلال الحَجر الذي فرضته جائحة كورونا. أمضت كيللي كل تلك المدّة إلى جانب الملكة في قصر وندسور، من ضمن فريق ضيّق جداً من المساعدين. وتخبر كيف أنها كانت تصفّف شخصياً شعر إليزابيث في تلك الفترة.

«عندما كانت تشعر بتوعّك، لم تكن جلالتها ترغب في أن يعلم أحد بذلك»، سرٌ آخر كشفته كيللي عن شخصية الملكة إليزابيث الصلبة. وهي التي رافقتها حتى آخر ساعات حياتها، أَلبَستها لرحلتها الأخيرة من قصر بالمورال في اسكوتلندا حيث توفيت إلى قصر باكنغهام حيث أمضت معظم سنواتها الـ96.