مصر: تغيرات مناخية مفاجئة تثير قلقاً ومخاوف

عصام حجي يتوقع حدوث ظواهر أكثر شدة وتطرفاً

مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)
مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)
TT

مصر: تغيرات مناخية مفاجئة تثير قلقاً ومخاوف

مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)
مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)

فوجئ سكان مدينة القاهرة ومحافظات الدلتا (الثلاثاء) بسقوط أمطار غزيرة، وبشكل مفاجئ وغير معتاد في فصل الصيف، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، في ظاهرة مناخية غير مألوفة، ما سبب حالة من الارتباك، وأثار الكثير من الجدل حول كيفية الوصول إلى تفسير علمي مقبول لما حدث، ومعرفة أسبابه الحقيقية، وكيف يمكن التعاطي معه بما يضمن تقليل الأضرار التي تترتب على هذه الحوادث المناخية المفاجئة، والمتطرفة.

وفي حين وجه البعض النقد للهيئة العامة للأرصاد الجوية، مطالبين بمراجعة شاملة لأدائها، وضرورة تطوير قدراتها، حذر آخرون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى كوارث يصعب مواجهتها في المستقبل، مرجعين ذلك إلى التحولات المناخية التي يمر بها كوكب الأرض منذ عدة عقود، ومشيرين إلى أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة من «التطرف المناخي»، وأن علينا الاستعداد لتلك الظواهر المناخية الحادة، وغير المألوفة.

يصف الدكتور محمد السيد شلتوت، أستاذ علوم البحار الفيزيائية والتغيرات المناخية في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية في مصر، سقوط الأمطار الغزيرة بالأمس، بأنه من الأحداث المناخية النادرة، قائلاً إننا لا نستطيع وضع توصيف علمي دقيق لأسباب وقوعها، وعلاقة ذلك بالتغيرات المناخية، إلا أنه مع تكرار الأمر وخضوعه للدراسة والبحث والتحليل نستطيع معرفة أسبابه.

مخاوف من ارتفاع درجة حرارة البحر المتوسط (الشرق الأوسط)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: من المحتمل أن تكون هناك علاقة لما حدث بالتغيرات المناخية، مفسراً ما جرى بأنه كان نتيجة وجود كتلة هوائية مشبعة ببخار الماء كونت منطقة ضغط منخفض، ما أدى إلى سقوط الأمطار وبكميات غزيرة في بعض المناطق.

وأوصى شلتوت بأن يتم تطبيق ما يعرف بـ«تقنيات النمذجة العددية»، على أن تطبق على نماذج وبيانات مستخلصة من ظروف وتغيرات الطقس المصرية، وليست من تلك المستمدة من حالات الطقس العالمية العامة. وأَضاف أنه ينبغي أن يجري تحديث هذه البيانات كل ساعة، وأن تكون القياسات على ارتفاعات كبيرة جداً من سطح الأرض لضمان دقتها.

تغير المناخ وراء سقوط الأمطار في شهر يوليو بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفيما يتعلق بالتغيرات التى طرأت على مياه البحر الأبيض المتوسط، قال إن درجة حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط تزداد سنوياً بمعدل 0.03 سيلزيوس، ورغم أن هذا المعدل ليس كبيراً، فإنه ذو تأثير ملموس، أضف إلى ذلك أن الموجة الحرارية في الصيف أصبحت أطول.

وتوقع أن يكون لتلك التغيرات مردود سلبي على الوضع الاقتصادي، إذ قد تؤدي هذه التغيرات إلى هجرة كثير من الأسماك، كما أن هذا الوضع قد يقلل كثيراً من العوائد المالية الآتية من السياحة، حيث ستفقد الكثير من المنتجعات الشاطئية جاذبيتها للسياح القادمين من الخارج، والذين يبحثون في العادة عن شواطئ مشمسة ذات درجات حرارة ومعدلات رطوبة معتدلة.

عالم الفضاء المصري بوكالة «ناسا»، الدكتور عصام حجي، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن نتائج أحد أبحاثه التي جرى نشرها مؤخراً أشارت إلى أن تلك الظواهر المناخية المتطرفة لم تعد مجرد ظواهر لحظية طارئة، وأنه من المتوقع ارتفاع وتيرة حدوثها في مصر والمنطقة العربية خلال السنوات القادمة.

عصام حجي يقترح ترميم شواطئ ساحل البحر المتوسط بمصر (الشرق الأوسط)

وأضاف أنه لا يمكن تقديم مقترحات للحلول دون فهم أسبابها، مشدداً على ضرورة ترميم الشريط الساحلي في مصر وتوسعته وإعادة تدعيمه بالرمال، رافضاً الميل إلى نشر رسائل الطمأنة بين الناس قبل القيام بما يجب علينا القيام به من خطوات وتدابير ضرورية.

وكان بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي قد شاركوا بعض الفيديوهات التى يظهر فيها ارتفاع مستويات موج البحر، إذ عبر البعض عن قلقه من حالة البحر غير المعتادة في مثل هذه الأوقات من كل عام، حيث اعتاد المصريون الاستمتاع بمياه البحر وأجواء الشاطئ، وهو ما فسره حجي بأنه نوع من العواصف البحرية التى تحدث داخل البحر دون أن تمتد إلى خارجه، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع متوسط درجات حرارة مياه البحر المتوسط، نافياً أن تكون لذلك علاقة باحتمالات وقوع موجات التسونامي كما يدعي البعض.

وسائل الإنذار المبكر

ولم تتوقع الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية في بيانها الصادر الاثنين سقوط أمطار في يوم الثلاثاء، إذ قالت إن البلاد ستشهد طقساً شديد الحرارة ورطباً نهاراً في أغلب الأنحاء، وحاراً رطباً على السواحل الشمالية، فيما تبلغ درجة الحرارة العظمى في القاهرة الكبرى في الظل 37 درجة مئوية.

ويمكن لعمليات الرصد والإنذار المبكر والتخطيط السليم أن تقلل كثيراً من الأضرار المحتملة، بل وتمنع آثارها من أن تصبح حالات طوارئ خطرة واسعة النطاق.

ومن جانبه، يشدد حجي على أن ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات وكذلك زيادة معدلات الخسائر لا يكونان مرتبطين بشدة الأحداث المناخية المتطرفة فقط، وإنما أيضاً بمستوى وعي المواطنين وجاهزيتهم، ومدى استعدادهم، وكيفية تعاطيهم مع تلك الأحداث، منوهاً إلى ضرورة أن تكون هناك منظومة للإبلاغ المبكر، وأن تكون لدى المواطنين التعليمات الكافية للتعامل مع تلك الأحداث.

وتوقع أن تكون هناك أحداث أخرى أكثر شدة وتطرفاً في المستقبل، واصفاً «عدم الاستعداد لتلك الأحداث بأنه بمثابة الانتحار الذاتي».

الإسكندرية من بين المدن المتضررة من تغير المناخ (الشرق الأوسط)

ويستخدم علماء الأرصاد الجوية بيانات الطقس -مثل ضغط الهواء وسرعة الرياح ودرجة الحرارة- للتنبؤ بأنظمة الطقس. كما يمكن التنبؤ بالعواصف الرعدية الشديدة التي لديها القدرة على إنتاج الأعاصير، مما يسمح للناس بالاستعداد لإعصار متوقع، وبالتالي الحصول على الإمدادات اللازمة، والاحتماء في الأماكن الآمنة. إلا أنه لا يزال مستوى نشر نظم الإنذار المبكر ضعيفاً حتى الآن لدى غالبية الدول، خصوصاً النامية منها.

أمطار نادرة شهدتها القاهرة الثلاثاء خلال الصيف (الشرق الأوسط)

كما لا يجري استغلال التقدم في تكنولوجيات الاتصالات استغلالاً كاملاً للوصول إلى الأشخاص المعرضين للخطر. ولا توجد قدرة كافية على نطاق العالم لترجمة الإنذارات المبكرة إلى إجراءات مبكرة، وفق تقرير حالة الخدمات المناخية لعام 2020.

وفي هذا الإطار، يقترح حجي الاستفادة من بلدان الاتحاد الأوروبي التي تطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، فبفضل أنظمة الإنذار المبكر والمعلومات الموجودة لديها، أصبح لدى الدول الأعضاء أنظمة أكثر كفاءة ومرونة للاستجابة لحالات الطوارئ.


مقالات ذات صلة

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.