حفريات مصرية تلقي الضوء على تطور أدمغة الحيتان

صورة تخيّلية لحوت (Protocetus) تُظهر الجمجمة وتجويف الدماغ المُعاد بناؤه رقمياً (الرسم من تنفيذ الفنان تايلر ستون)
صورة تخيّلية لحوت (Protocetus) تُظهر الجمجمة وتجويف الدماغ المُعاد بناؤه رقمياً (الرسم من تنفيذ الفنان تايلر ستون)
TT

حفريات مصرية تلقي الضوء على تطور أدمغة الحيتان

صورة تخيّلية لحوت (Protocetus) تُظهر الجمجمة وتجويف الدماغ المُعاد بناؤه رقمياً (الرسم من تنفيذ الفنان تايلر ستون)
صورة تخيّلية لحوت (Protocetus) تُظهر الجمجمة وتجويف الدماغ المُعاد بناؤه رقمياً (الرسم من تنفيذ الفنان تايلر ستون)

توصل فريق بحثي دولي بمشاركة فريق «سلام لاب» المصري لنتائج مثيرة تُعيد رسم خريطة تطور الحيتان، حيث أظهرت الدراسة الجديدة أن الحيتان القديمة بدأت أحجام أدمغتها تكبر قبل أن تترك اليابسة بالكامل، بينما احتفظت في الوقت نفسه بحاسة الشم التي ورثتها من أسلافها البرية.

وتقدم الدراسة المنشورة، الأربعاء، في مجلة «إيفولوشن» تحليلاً دقيقاً لتجويف الدماغ لنوعين من الحيتان التي عاشت في أزمان مبكرة، وهما (Protocetus atavus) الذي عاش قبل نحو 43 مليون سنة، واكتُشفت حفرياته بمنطقة جبل المقطم في نهاية القرن التاسع عشر، و(Aegyptocetus tarfa) الذي عاش قبل نحو 41 مليون سنة، وتمت تسميته في عام 2011 بعد اكتشافه بوادي طرفة بالصحراء الشرقية.

وكلاهما ينتمي لعائلة «البروتوسيتيدات» (Protocetidae)، وهي مجموعة من الحيتان المنقرضة التي كانت تحتفظ بأطراف رباعية تجعلها كائنات برمائية، وتُمثل هذه الحيتان مرحلة انتقالية بين الحياة على اليابسة، وفي البيئة البحرية.

وشارك في الدراسة فريق دولي من الباحثين من ألمانيا، وإيطاليا، ومصر، والولايات المتحدة.

وقال عالم الحفريات المصري، البروفسور هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، وأستاذ الحفريات بالجامعة الأميركية بالقاهرة والمؤلف المشارك بالدراسة: «تعد هذه الدراسة نموذجاً لاستخدام التكنولوجيا الحديثة في دراسة كائنات منقرضة سبق اكتشافها من قبل».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «سعت هذه الدراسة للإجابة عن سؤال علمي: لماذا تتميز الحيتان عن بقية الثدييات بأدمغتها الكبيرة، وما إذا كان هذا التطور جاء مرتبطاً بانتقالها بشكل كامل للعيش في البحر، مما تطلب حاجة أكبر لتطوير قدراتها الإدراكية للتكيف مع بيئتها الجديدة»، وأوضح سلام أن دراسة تشريح الدماغ في هذه الحيتان فتحت لنا نافذة على اللحظة التي بدأت فيها الحيتان تنفصل إدراكياً عن الحياة البرية.

تصوير مقطعي

واستخدم الباحثون تقنيات التصوير المقطعي المحوسب عالي الدقة، والتصوير ثلاثي الأبعاد لدراسة جماجم هذه الحيتان، وتمكنوا من إعادة بناء نموذج رقمي دقيق لتجويف الدماغ، والجهاز الشمي، وهو ما أتاح لهم رؤية واضحة لحجم وتركيب هذا العضو الحيوي في مرحلة مبكرة من تطور الحيتان، ما أتاح فهماً أعمق لكيفية تطور الجهاز العصبي والحسي في الحيتان خلال انتقالها من اليابسة إلى البحر.

كما تمت مقارنة البنية الدماغية لهذه الحيتان بقاعدة بيانات ضخمة تضم عشرات الثدييات البرية والبحرية، الحية والمنقرضة، لفهم مكانة هذه الحيتان في سياق تطور الثدييات ككل.

أعضاء الفريق المصري المشارك في الدراسة (سلام لاب)

وقال عبد الله جوهر، عضو «سلام لاب» وطالب الدكتوراه بجامعة ولاية أوكلاهوما بالولايات المتحدة والمؤلف المشارك بالدراسة: «تُبرز دراستنا مرحلة دقيقة ومهمة في تطور الحيتان؛ حيث تُظهر نتائجنا أن عملية تضخم الدماغ في الحيتان بدأت قبل اكتمال انتقالها للبيئة البحرية، مما يشير إلى أن التطور العصبي والإدراكي سبق التكيف الكامل مع الحياة المائية، مضيفاً أن «احتفاظ هذه الحيتان البرمائية بحاسة الشم يعكس استمرار وظائف حسية موروثة خلال هذه المرحلة الانتقالية».

وتوصل الفريق إلى نتائج لافتة كشفت أن (Protocetus atavus) امتلك دماغاً كبيراً نسبياً مقارنة بالحيتان الأخرى التي عاشت في الفترة ذاتها، مما يشير إلى أن الزيادة في حجم الدماغ بدأت في وقت مبكر من تاريخ الحيتان، قبل أن تصبح كائنات بحرية بشكل كامل.

كما وجد الفريق أن دماغ هذا الحوت القديم يختلف عن دماغ الحيتان الحديثة، إلا أن حجمه الكبير مقارنة بحجم الجسم يُعد مؤشراً مبكراً على تطور القدرات الإدراكية لديها، ما ساعده على الهيمنة في البيئة البحرية.

جهاز شم متطور

كما كشفت الدراسة أن هذين النوعين احتفظا بجهاز شم متطور يُستخدم للكشف عن الروائح الجوالة في الهواء، وهي قدرة تفتقر إليها الحيتان المسننة التي تعيش اليوم بشكل كامل، بينما تكاد تختفي في الحيتان البالينية المعاصرة، وهو ما يفسره سلام بقوله: «هذا يعني أن الحيتان القديمة كانت لا تزال قادرة على استخدام حاسة الشم أثناء تواجدها على اليابسة، على الأرجح لاكتشاف الفيرومونات أو الإشارات الكيميائية الأخرى التي قد تلعب دوراً في التزاوج، أو التواصل».

كما علقت الدكتورة شروق الأشقر، مسؤول حفريات الثدييات بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، وغير المشاركة في البحث، على نتائج الدراسة بقولها: تكتسب هذه الدراسة أهمية كبيرة لكونها تسلط الضوء على مرحلة محورية في تطور الحيتان، وهي الانتقال من الحياة البرية إلى الحياة البحرية. فقد أظهرت النتائج أن الحيتان بدأت في تكبير أدمغتها في وقت مبكر من تاريخها التطوري، بينما كانت لا تزال تحتفظ بحاسة شم متطورة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: يشير هذا إلى أن فقدان حاسة الشم لم يحدث بشكل فوري مع التحول إلى الحياة البحرية، بل جاء لاحقاً، ما يعكس أن تطور القدرات الإدراكية في الحيتان كان تدريجياً ومعقداً. وتُعد هذه النتائج أول توثيق تفصيلي لتشريح دماغي في حوت برمائي من عصر الإيوسين، وتسهم في إعادة تقييم الفرضيات السابقة حول العلاقة بين البيئة، والحواس، وتطور الدماغ لدى الثدييات البحرية.


مقالات ذات صلة

عملية إنقاذ غير مسبوقة... حوت أحدب يعود إلى المياه العميقة

يوميات الشرق البحر ينتظر عودته (أ.ف.ب)

عملية إنقاذ غير مسبوقة... حوت أحدب يعود إلى المياه العميقة

تمكَّن حوت أحدب كان عالقاً على ضفة رملية قبالة منطقة تيميندورفر شتراند الألمانية المطلَّة على بحر البلطيق من تحرير نفسه ليلة الخميس - الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)

«أغنية» حوت عمرها 75 عاماً تكشف عن أسرار أصوات المحيطات

تسجيل لحوت أحدب يعود إلى عام 1949 قد يُقدّم فهماً جديداً لكيفية تواصل هذه الحيوانات الضخمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)

«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

هناك حاجة إلى إقرار ضوابط أشدّ صرامة على حركة القوارب وسلوك البشر...

«الشرق الأوسط» (فنيسيا )
يوميات الشرق صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
يوميات الشرق سيرة امرأة كتبتها الأمواج (أ.ب)

البحر يُودّع ابنته... رحيل «سيدة الاستاكوزا»

غيَّب الموت فيرجينيا أوليفر، التي تُعدّ إحدى أكبر صيّادات الاستاكوزا (جراد البحر) سنّاً في العالم، بعد رحلة عطاء استمرّت نحو قرن.

«الشرق الأوسط» (مين (الولايات المتحدة))

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.