الغلاء يدفع مصريين للتخلي عن «ولائم الأفراح»

لجأوا إلى «قاعات الزفاف» لتخفيف الأعباء

ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

الغلاء يدفع مصريين للتخلي عن «ولائم الأفراح»

ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

يستعد سعيد عطية (57 سنة)، شيخ قرية وقاضٍ عرفي، بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)، لإتمام مراسم زواج ابنه الأوسط خلال الخريف المقبل، وبدأ في حجز قاعة الزفاف قبل الموعد المحدد بنحو 5 أشهر بسبب الضغط الهائل في عدد الحجوزات.

واضطر سعيد وكثيرون غيره إلى إقامة حفلات الزفاف في قاعات بالمدن الحضرية والريفية توفيراً للنفقات، وذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل لافت خلال الأعوام الماضية، خصوصاً اللحوم.

وفي الوقت الذي كان يعادل فيه الدولار الأميركي 16 جنيهاً مصرياً في عام 2019، أقام سعيد فرحاً ضخماً لابنه الأكبر، حضره نحو 800 شخص عبر سرادق كبير تم تخصيص جزء منه لعمل مائدة غداء.

جانب من تجهيزات حفلات الزفاف بالريف (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويقول سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «من أجل استقبال وضيافة معارفي الكُثر قمت بشراء عجلَين كبيرين بنحو 50 ألف جنيه وقتها، بجانب لوازم الضيافة والمشروبات الأخرى، وثمن الفراشة والإضاءة، وهذا كله كلفني نحو 70 ألف جنيه»، مشدداً على أنه إذا أراد تكرار هذا الأمر في فرح ابنه القادم فلن يكفيه 300 ألف جنيه (الدولار الأميركي يعادل راهناً نحو 50 جنيهاً)، لذلك لجأ إلى إقامة فرح ابنه في قاعة أفراح بالقرب من قريته، يبلغ سعر إيجارها خلال 3 ساعات 15 ألف جنيه فقط، بالإضافة إلى 15 ألفاً أخرى «لزوم واجب المياه الغازية وقطع الجاتوه».

ويؤكد سعيد أن «ما لجأ إليه أخيراً بات يفعله قطاع كبير من العائلات» بمحافظته تحت وطأة «الغلاء والتضخم»، وقدّر نسبة من عزفوا عن إقامة شوادر الأفراح في الفضاءات الواسعة بالمدن والقرى بسبب ارتفاع تكلفتها، بنحو 80 في المائة، معتبراً أن قاعات الأفراح تشهد حالياً إقبالاً لافتاً من العائلات؛ لأن أسعارها مناسبة، وتؤدي الغرض من دون أي ضغوط على المنزل.

ارتفاع أسعار اللحوم بشكل خاص يدفع مصريين للتخلي عن ولائم الأفراح (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وتسارع معدل التضخم في مدن مصر بأقوى وتيرة منذ بداية العام في مايو (أيار) الماضي، ليبلغ 16.8 في المائة على أساس سنوي مقابل 13.9 في المائة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، متأثراً بزيادة في أسعار الأغذية، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في شهر يونيو (حزيران) من العام الجاري.

وجاء الصعود في الشهر الماضي مدفوعاً بارتفاع أسعار الفاكهة 13.4 في المائة على أساس سنوي، والخضراوات 2.1 في المائة، والأسماك 2.4 في المائة، والأجهزة والمعدات الطبية 6.9 في المائة.

ورفعت مصر خلال أبريل الماضي، للمرة الثانية في 6 أشهر، أسعار المواد البترولية، متوقعة أن تحقق وفراً قدره 35 مليار جنيه في موازنة السنة المالية الحالية 2024-2025، وشملت زيادة الأسعار جميع أنواع البنزين والسولار، وبلغت قيمة الزيادة جنيهَين للتر في المتوسط.

ويصل متوسط سعر كيلو اللحم البلدي حالياً إلى نحو 400 جنيه في مصر، وهو ما يعتبره سعيد سبباً رئيسياً في عزوف العائلات عن إقامة الولائم؛ فاللحوم تعد العمود الفقري لأي دعوة، رغم ارتفاع أسعار الأرز والخضراوات والسلع الأخرى.

أعداد كبيرة في حفلات الزفاف بالقرى (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وعلى غرار سعيد عطية، يسعى عادل حمدي، أحد شيوخ قرية عرب جهينة بمركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية (دلتا مصر)، في طريقه لتجاوز صعوبات فرح ابنته الصغرى في نهاية العام الجاري، ويقول حمدي لـ«الشرق الأوسط»: «أفكر في هذا الأمر منذ عام، فبعيداً عن فاتورة جهاز العروس الضخمة التي سوف أدفعها، أبحث عن حل مثالي لحفل حنة ابنتي، ولا سيما أنه قد سبق لي أن زوّجت 4 من أبنائي، وذبحت في فرح كل منهم جملاً ليكفي المدعوين، لكن ثمن الجمل الواحد ذي الوزن المتوسط سيصل إلى 70 ألف جنيه، وهذا رقم كبير بسبب أعباء المعيشة».

ويشدد على أن إقامة الأفراح في الشوادر الضخمة انخفضت بنسبة 90 في المائة في المنطقة التي يعيش فيها، مشيراً إلى أن «عائلة ثرية بالمنطقة كان لا يكفيها ذبح 5 عجول في أفراحها الماضية لجأت مؤخراً إلى إقامة أحدث فرح لديها في قاعة من دون تقديم الولائم رغم شهرة وكثرة المدعوين».

مصريون يلجأون إلى قاعات الزفاف لخفض تكاليف الزواج (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويؤكد أن النسب الباقية التي تحافظ على طقس الولائم من العائلات قد تقترض الكثير من الأموال من أجل ذلك الغرض. ويوضح أن بعض أسر الفتيات كانوا يحتفلون بليلة الحناء وتقديم الولائم خلالها، لكنهم حالياً في ظل الغلاء يكتفون بإحيائها على مستوى العائلة. ويلفت إلى أنه يعيش هذه الحيرة: «أعزم من وأترك مَن مِن دائرة معارفي الكبيرة!».

وشهدت مصر زيادات لافتة في أسعار المواد الغذائية خلال السنوات الماضية، وتوجهت الحكومة العام الماضي لرفع أسعار العديد من السلع والخدمات؛ إذ زادت أسعار تذاكر المترو والقطارات في أغسطس (آب) 2024 بنسب تراوحت بين 12.5 في المائة و25 في المائة، وذلك ضمن مساعي البلاد إلى تقليص الدعم على الكثير من الخدمات والسلع الرئيسية.

وفي مايو 2024، رفعت الحكومة سعر رغيف الخبز المدعم 300 في المائة، في خطوة هي الأولى منذ أكثر من 3 عقود، ثم جاء الإعلان عن رفع أسعار الإنترنت الأرضي وخدمات الهاتف الجوال، ثم زيادة في أسعار الكهرباء، ومواد البناء، وتحديداً الأسمنت والحديد.

انخفاض أعداد شوادر الأفراح بالقرى بفعل الغلاء في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وبنبرة ساخرة يقول أحمد عبد الفتاح (32 سنة)، وهو «مندوب مبيعات» من محافظة الشرقية (دلتا مصر): «باحمد ربنا إني لحقت نفسي واتجوزت في 2022 قبل ما الأسعار تولع، كيلو اللحمة وقتها كان بـ150 جنيهاً، الآن بـ400 جنيه».

كما اضطر محمد عطية (30 عاماً)، من محافظة الجيزة، إلى إقامة حفل زفافه قبل عدة أشهر في إحدى القاعات توفيراً للنفقات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أستطع إقامة حفل زفاف أمام المنزل بـ300 ألف جنيه، ودعوة المئات من دائرة المعارف والأقارب، لكنني اكتفيت بدعوة العشرات بسبب ضيق مساحة قاعة الزفاف، حيث كلفني إجمالي ما أنفقته في تلك الليلة 30 ألف جنيه فقط».


مقالات ذات صلة

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

يوميات الشرق طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

تحت عنوان «رمضانيات» استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر، وتعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا».

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق سلوى خطاب في مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

سلوى خطاب لـ«الشرق الأوسط»: أحب العمل مع الأجيال الجديدة

قالت الممثلة المصرية سلوى خطاب إن ظهورها في رمضان عبر 3 أعمال درامية أمر لم يكن مخططاً له لكونها وافقت على كل عمل منها في وقت مختلف.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)

«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

معظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وكذلك معظم المرشحين من المخرجين والممثلين وأبناء المهن المختلفة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق الأمير ويليام في سن الثانية مع والدته الراحلة ديانا (قصر كنسينغتون/إكس)

الأمير ويليام ينشر صورة نادرة لوالدته الأميرة ديانا بمناسبة عيد الأم

تعود الصورة إلى عام 1984، حيث يظهر الأمير ويليام وهو في الثانية من عمره إلى جانب والدته في حقل من الزهور المتفتحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملصفق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

بيتر يان دي بوي: «ماريينكا» يعالج تأثير حرب أوكرانيا في مصائر الناس

أراد المخرج البلجيكي بيتر يان دي بوي أن يروي الحرب من خلال حياة الناس لا عبر الأخبار العسكرية أو السياسية.

أحمد عدلي (القاهرة )

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
TT

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وحصد «معركة بعد أخرى» 6 جوائز، أهمها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسن.

ودخلت السياسة بقوة على الخط نظراً لتزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية.

وقال يواكيم تراير، مخرج «قيمة عاطفية» الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو يتسلم جائزته: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ليقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة». (تفاصيل ص 22)


«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended