«الفك المفترس» يعود إلى الصالات بعد 50 سنة

احتفاء عالمي بفيلم «جوز» عن السمكة القاتلة وصياديها الثلاثة

مشهد للسمكة القاتلة في الفيلم (يونيڤرسال - أ.ب)
مشهد للسمكة القاتلة في الفيلم (يونيڤرسال - أ.ب)
TT

«الفك المفترس» يعود إلى الصالات بعد 50 سنة

مشهد للسمكة القاتلة في الفيلم (يونيڤرسال - أ.ب)
مشهد للسمكة القاتلة في الفيلم (يونيڤرسال - أ.ب)

«تحتاج إلى مركب أكبر»، يقول صيّاد الوحوش البحرية كوينت للشريف برودي بينما يُخططان مع عالِم البحار هوبر لكيفية اصطياد ثلاثتهم سمكة قرش بيضاء هي أضخم من أي سمكة قرش شاهدها أي منهم.

هي أيضاً أكبر سمكة قرش شوهدت في فيلم إلى ذلك الحين، مع تعدد الأفلام السابقة التي تحدّثت عن سمك القرش، وحكايات عن ضحايا بائسين وصيادين مهرة.

50 سنة مرّت على إنتاجه (عُرض لأول مرة في شهر مايو «أيار» سنة 1975) وقريباً يعود إلى الصالات في احتفاء مُستحق.

بوستر فيلم «جوز» (الفك المفترس) العائد للصالات بعد 50 عاماً (يونيڤرسال - أ.ب)

«جوز» («فكّان» إذا ما أردنا التعريب الدقيق تحديداً لفك علوي وآخر سفلي في مقدّمة رأس تلك السمكة) كان أول فيلم في هجوم سينمائي انطلق من نجاح هذا الفيلم الذي لم يكن متوقعاً. منذ ذلك الحين، وإلى الآن، شهدت السينما 46 فيلماً تحتوي على ذلك الحيوان البحري المفترس، بينها 3 أجزاء لـ«جوز» (الفك المفترس) نفسه تم تحقيقها في 1978 و1983 و1987.

أسماء بديلة

الفيلم الأول وحده من إخراج ستيفن سبيلبرغ، الذي كان قد قدّم فيلمين من قبل، هما «مبارزة» (Duel) سنة 1971، و«شوغرلاند إكسبرس» (1974).

وقبل اختيار سبيلبرغ لمهمّة إنجاز هذا الفيلم تم التفكير في دك رتشردز وجون ستيرجز، وكلاهما من المخرجين المعتمدين بهوليوود في تلك الفترة.

ستيفن سبيلبرغ (يونيفرسال)

كذلك، فإن كلّاً من الممثلين الرئيسيين -روبرت شو في دور الصيّاد المحترف كوينت، وروي شنايدر في دور الشريف برودي، وريتشارد درايفوس في دور عالِم البحار هوبر- لم يكن بالضرورة الخيار الأول للدور الذي أُسنِد إليه. إذ طُرحت أسماء أخرى، رفض بعضها الأدوار المقترحة، مثل روبرت دوفال الذي أبدى اهتماماً بدور الشريف، وشارلتون هستون الذي كان يرغب في تجسيد شخصية كوينت.

لا عجب في أن شخصية كوينت هي الأقوى؛ الرجل الخبير الذي يقص في مشهد لم يرد في رواية بيتر بنشلي بعض ماضيه مع القرش بألم ظاهر على محياه؛ لأن ذلك الماضي بمثابة صراع مضنٍ بينه وبين وحش كاسر غلبه في أكثر من مناسبة.

شخصية الشريف برودي مندفعة عاطفياً. مخلص لعمله ولزوجته المتبرمة (لورين غاري)، يُواجه محافظ البلدة موراي هاملتون في رغبة الأخير التغاضي عن خطر سمكة تقضم أبدان السائحين الذين جاءوا للاستمتاع بالبحر.

أما هوبر فلا يقل اندفاعاً، لكنه غارق في قواعد التعامل تبعاً لدراسته (وبصفته ممثلاً يبدو أقل ثقة بنفسه من الآخرَين).

الصراع الأخير

الحبكة في حد ذاتها لا تقدّم جديداً على صعيد أفلام الرعب؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي، لطالما وُجد من يُحذّر من خطر داهم سببه وحش أو حشرة عملاقة، غالباً نتيجة تعرضها لإشعاع نووي أو لقدوم كائنات من الفضاء الخارجي. دائماً هناك مَن لا يصدّقه إلى أن تتراكم الضحايا، ثم يتبدّى الخطر أمام أعين الجميع. لكنها المعالجة الذكية وتوفير الإمكانات الإنتاجية لتقديم جديد في سينما الوحوش المرعبة هو ما يميّز ذلك الفيلم، وأحد أسباب نجاحه الكبير في صيف 1975.

«جوز»... حكاية سمكة وصيادين (يونيڤرسال - أ.ب)

في «جوز» تبحر سمكة قرش كبيرة قرب شاطئ بلدة صغيرة، وتبدأ التهام مَن تستطيع الوصول إليه من السائحين السابحين في المياه الدافئة. الشريف برودي يُحذّر من النزول إلى الماء، لكن الفيلم يعتمد على تفعيلة استخدمت سابقاً ولاحقاً في مثل هذه الأفلام، وهي أنه لسبب أو لآخر، لن يستمع صاحب القرار لطلب برودي إغلاق الشاطئ خوفاً من انحسار السياحة في ذلك الموسم، معتقداً أن المشكلة انتهت باصطياد سمكة قرش كبيرة. لكنها ليست السمكة المقصودة، ما يدفع باتجاه استمرار محاولات صيدها، وصولاً إلى المشهد الأخير مع ممثلي الأدوار الرئيسية الثلاثة فوق مركب يبدأ الوحش بمهاجمته، ويدفع أحدهم حياته في صراعه معه.

أحداث محذوفة

شخصيات الفيلم مرسومة جيداً، والكثير مما ورد منها في الرواية تم حذفه لجانب أحداث وضعها بنشلي لترويج حكايته، من بينها ما يُشبه «السوب أوبرا». هذا نفع رواج الكتاب (قامت يونيڤرسال بدفع 250 ألف دولار بالإضافة إلى 10 في المائة من الأرباح) لكن الفيلم رغم اختلافه عن الرواية ناجح بدوره من حيث أن الاهتمام صار محصوراً (حسب سيناريو وضعه كارل غوتليب وساهم فيه بنشلي والممثل روبرت شو قليلاً)، بالسمكة وحدها، كما من حيث النتيجة التجارية التي بلغت 478 مليون دولار من الإيرادات عالمياً.

من بين العناصر التي حُذفت في اقتباس الرواية التي كتبها بيتر بنشلي، كان هناك خيط عاطفي بين زوجة الشريف وعالِم البحار هوبر، إلى جانب توسّع في رسم شخصية المحافظ بوصفه سياسياً فاسداً على علاقة ثابتة بالمافيا (بينما يظهر في الفيلم بوصفه شخصاً لا يهمه سوى الحفاظ على اقتصاد المدينة، مقابل إثارة الشريف لهلع السائحين). كما استبعد السيناريو أيضاً تناول شعور الشريف بالدونية إزاء طبقة المحافظ والسائحين الأثرياء.

عند المغيب

هذا دفع بالفيلم للتخصص في خط واحد: صراع أبطال الفيلم ضد القرش، وضد الممتنعين عن تصديق الخطر الماثل. كذلك يُشهد لسبيلبرغ ذلك القدر من إتقان التوتر في مجمل الفيلم، بدءاً من ركض برودي على الشاطئ مطلقاً نفير التحذير بعدما اعتقد أنه شاهد القرش يحوم قريباً، وانتهاءً بالمشهد الأخير بعد أن تم تفجير القرش، ولقطة تُصور هوبر وبرودي عند المغيب.

المشهد ذاته يُشبه ذلك الوارد في «مبارزة» عندما ينتصر ديڤيد مان (دنيس ويڤر) على وحش مختلف مجسّد بالشاحنة مجهولة القيادة تُحاول طوال الفيلم سحقه. ها هي الشاحنة تهوي في الوادي، وديڤيد يجلس على حافة الجبل يسترجع ما مرّ معه.

أبطال الفيلم على المركب (يونيڤرسال - أ.ب)

هذا المشهد الذي يتداول فيه الثلاثة على المركب خلال انتظارهم هجوم اليوم التالي يستمر لتسع دقائق من الحوار المهم. وسيلة ذكية لإبقاء المشاهدين مشدودين، لا لما سيحدث فيما بعد (الهجوم المنتظر للقرش) فقط، بل كذلك لخلفيات وشخصيات كل هؤلاء.

في نطاق هذه الشخصيات هناك تماثل بين دور الشريف بوصفه منذراً لكارثة قد تقع، وشخصية الكاتب النرويجي هنريك إبسن في روايته «عدو الشعب» (انتقلت إلى السينما سنة 1978 من إخراج روبرت شافر وبطولة ستيڤ ماكوين). فبرودي يواجه امتعاض الجميع من حوله، بمن فيهم زوجته وابنه والمحافظ وجموع طالبي متعة السباحة من السائحين.

«جوز» يكاد يكون خالياً من الشوائب الظاهرة. جيد الكتابة، وجيد التنفيذ، وفيه قدر كافٍ من عناصر التفكير، ومشحون بقوّة توليف تجعل المُشاهد في حالة ترقّب دائم وموسيقى (من جون وليامز) تنذر بما سيقع وتوحي به.

ما زال النظر إلى هذا الفيلم يستدعي نجاحاته. قد لا يرقى إلى مستوى تحفة ألفرد هيتشكوك «الطيور» (1963)، لكنه يُعدّ من الأعمال التي تضمّنت عناصر أساسية شكّلت ملامح سينما ستيفن سبيلبرغ، سواء من حيث الرموز التي تنطوي عليها شخصياته، أو من خلال معالجته السينمائية الشاملة.


مقالات ذات صلة

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

قالت المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم» لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد القس في دور «صقر القفوف» العقل المدبر لكل مصائب الحي (شاهد)

خيوط الشك تمزّق «حي الجرادية»... وتثير جدل الجمهور

تشهد الدراما السعودية في موسم رمضان هذا العام تنوعاً متزايداً في الموضوعات والبيئات الاجتماعية، ويأتي مسلسل «حي الجرادية» ضمن هذه الأعمال.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (2)... في سباق أفضل سيناريو فيلم «خاطئون» في المقدمة

في سباق أفضل سيناريوهين، أصلي ومقتبس، للفوز بجائزة الأوسكار يكمن الفارق الأول بين سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما، وسيناريو مقتبس عن مسرحية أو كتاب أو أي مصدر آخر.

محمد رُضا (لندن)

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».