هل تتأثر «الانتعاشة السياحية» المصرية بالتصعيد الإسرائيلي - الإيراني؟

الحكومة أعلنت تأجيل افتتاح «المتحف الكبير» لنهاية العام

تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)
تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)
TT

هل تتأثر «الانتعاشة السياحية» المصرية بالتصعيد الإسرائيلي - الإيراني؟

تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)
تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)

في أولى تداعيات التصعيد الإسرائيلي - الإيراني أعلنت الحكومة المصرية تأجيل افتتاح «المتحف المصري الكبير» لنهاية العام الحالي، كما شكلت مصر غرفة عمليات لمتابعة التداعيات المتلاحقة للتصعيد الإسرائيلي - الإيراني الأخير. وتباينت الآراء بشأن تأثير الأحداث على ما حققته القاهرة من «انتعاشة سياحية»، في الآونة الأخيرة، راهنين حجم التأثير على الإيرادات السياحية بمدى تصاعد التوترات في المنطقة.

وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، السبت، تأجيل افتتاح المتحف المصري الكبير إلى الربع الأخير من العام الحالي، وقال، في تصريحات صحافية، إن «الحكومة تضع كل السيناريوهات في حال تصاعد الصراع».

وأوضحت وزارة السياحة والآثار، في إفادة رسمية السبت، أنه «في ضوء تطورات الأحداث الإقليمية الراهنة، فقد تقرر إرجاء الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، الذي كان مقرراً في الثالث من يوليو (تموز) المقبل»، مشيرة إلى أنه «سيتم تحديد موعد جديد للافتتاح الرسمي للمتحف خلال الربع الأخير من العام الحالي، على أن يتم الإعلان عنه في الوقت المناسب، وذلك بعد التنسيق مع جميع الجهات المعنية لضمان تنظيم فعالية تليق بمكانة مصر السياحية والثقافية على الساحة الدولية».

ووفق الإفادة فإن «هذا القرار أيضاً جاء انطلاقاً من المسؤولية الوطنية للدولة المصرية، وحرصها على تقديم حدث استثنائي عالمي في أجواء تليق بعظمة الحضارة المصرية وتراثها الفريد، وبما يضمن مشاركة دولية واسعة تواكب أهمية الحدث».

توقعات متباينة بشأن تأثر السياحة في مصر بالتصعيد الإيراني - الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

وكان من المقرر إغلاق المتحف منتصف الشهر الحالي تمهيداً للافتتاح، لكن في ضوء التأجيل، سيواصل المتحف استقبال زائريه في المناطق التي شهدت افتتاحاً تجريبياً منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وحتى اقتراب موعد الافتتاح الرسمي الجديد.

وسبق أن تأجل افتتاح المتحف أكثر من مرة، بسبب تداعيات جائحة (كوفيد - 19)، وحرب غزة. ويعرض المتحف للمرة الأولى المقتنيات الكاملة للفرعون الذهبي «توت عنخ آمون»، منذ اكتشاف مقبرته في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، إضافة إلى مجموعة مميزة من الآثار المصرية. وكانت مصر تتوقع أن يساهم المتحف في تنشيط السياحة وزيادة عائداتها.

وعلى صعيد التداعيات السياحية للتصعيد، أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، في إفادة رسمية مساء الجمعة، عن تشكيل غرفة عمليات لمتابعة الحركة السياحية بمختلف المقاصد المصرية في ضوء التداعيات المتلاحقة الناتجة عن تطورات الأوضاع الإقليمية.

أهرامات الجيزة (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار)

وبحسب الإفادة فإن «غرفة العمليات التي يتابع عملها وزير السياحة والآثار شريف فتحي تتولى التنسيق مع الجهات المعنية داخل مصر وخارجها بشأن حركة الطيران وعودة حجاج السياحة البريين، وتضم ممثلين عن الإدارات المركزية لشركات السياحة، والمنشآت الفندقية والمحال والأنشطة السياحية، إلى جانب وحدة الطيران بالوزارة».

كما «تتابع الغرفة أيضاً أوضاع السائحين الموجودين في مصر من مختلف الدول التي تم إغلاق مجالاتها الجوية تأثراً بالأحداث»، وفق الإفادة التي أكدت أن «وزيري السياحة والآثار والطيران المدني المصريين يتابعان المستجدات من كثب، للوقوف على أي تطورات».

وشهدت منطقة الشرق الأوسط إغلاقاً واسعاً لعدد من المجالات الجوية الحيوية بعد بدء الضربات الإسرائيلية على منشآت نووية ومصانع صواريخ باليستية في إيران فجر الجمعة. ما أدى إلى شلل مؤقت في حركة الطيران، خصوصاً في أجواء، إسرائيل، وإيران، والعراق، والأردن، وسوريا.

وأوضح مصدر مطلع بوزارة السياحة والآثار لـ«الشرق الأوسط» أن «الوزارة تتابع تطورات المشهد الإقليمي لتقييم تأثيره على حركة السياحة»، مشيراً إلى أنه «حتى الآن لم يتم إلغاء أي حجوزات سياحية». وقال: «مصر استطاعت على مدار العام الماضي تجاوز اضطرابات جيوسياسية كان من المتوقع أن تلقي بظلالها على معدلات السياحة».

ولا يعتقد الخبير السياحي محمد كارم أن حركة السياحة في مصر ستتأثر بالتصعيد الأخير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حركة السياحة بين مصر وكل من إيران وإسرائيل ليست كبيرة»، لكنه أشار إلى أن «مدناً مثل طابا ونويبع قد تشهد تراجعاً في الإشغالات الفندقية وهذا أمر طبيعي مرتبط بالأحداث».

أحد مباني القاهرة التاريخية بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أشارت تقارير إعلامية مصرية إلى «إغلاق نحو 90 في المائة من المنشآت السياحية (فنادق وكامبات) في مدينتي طابا ونويبع الواقعتين بسيناء على شاطئ البحر الأحمر وتراجع معدل الإشغالات الفندقية في شرم الشيخ ومدن جنوب سيناء نتيجة الحرب على غزة».

في المقابل، توقع الخبير السياحي أحمد عبد العزيز أن «تتأثر حركة السياحة القادمة لمصر، لا سيما إذا تصاعدت الأحداث أكثر من ذلك». وقال إن «التأثر لن يكون بسبب خوف الناس من السفر بل بسبب إيقاف الرحلات في بعض مطارات دول المنطقة».

وأوضح عبد العزيز أن «عدداً من الرحلات لم تتم منذ بدء التصعيد بسبب إيقاف حركة الطيران في مطارات عربية، بالأردن والعراق».

وبينما أشار عبد العزيز إلى أن تحذيرات السفر الدولية بشأن التوترات في المنطقة لا تشمل مصر، قال إن «عدداً من البرامج السياحية الدولية لا سيما تلك القادمة من أميركا اللاتينية تكون برامج ثلاثية تشمل الأردن وإسرائيل ومصر»، متوقعاً أن «تشهد هذه البرامج تراجعاً في الفترة المقبلة ما سيؤثر بالتبعية وبشكل غير مباشر على عائدات السياحة المصرية».

واستقبلت مصر، وفق بيانات رسمية، 15.7 مليون سائح خلال عام 2024، ما يُعدّ أعلى رقمٍ تحققه البلاد في تاريخها. وقال رئيس الوزراء المصري في إفادة رسمية في فبراير (شباط) الماضي: «لولا الاضطرابات الإقليمية التي تحيط بمصر لارتفع هذا الرقم إلى 18 مليون سائح».

معبد رمسيس الثاني بأبو سمبل (الشرق الأوسط)

وأكد كارم أنه على مدار العام الماضي ورغم الاضطرابات السياسية في المنطقة شهدت مصر «انتعاشة سياحية» ما يؤكد أنها «لن تتأثر بالتصعيد الأخير»، على حد قوله.

وتجاوزت السياحة المصرية اضطرابات تشهدها المنطقة مسجلة أرقاماً قياسية هذا العام. ووفق إفادة لمجلس الوزراء المصري، سجلت أعداد السياحة الوافدة للبلاد زيادة بنسبة 25 في المائة منذ بداية العام الحالي.

مدينة القاهرة التاريخية تجتذب الكثير من السائحين (الشرق الأوسط)

وكانت مصر تستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2028 عبر استراتيجية أعلنتها الحكومة سابقاً، لكنها عادت وعدلت الاستراتيجية ورحّلت هدفها إلى عام 2031.

ويعد قطاع السياحة ركناً أساسياً للاقتصاد المصري، ومصدراً مؤثراً في توفير العملة الصعبة، وفرص العمل. ووفق بيانات البنك المركزي المصري بلغت عائدات السياحة خلال عام 2024 نحو 15.3 مليار دولار، مقابل 14.1 مليار دولار في 2023.


مقالات ذات صلة

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030»

الاقتصاد قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030»

لم تكن السياحة في السعودية يوماً مجرد نشاط عابر، بل هي امتداد لثقافة ضاربة في القدم. ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل هذا الإرث لفضاء سياحي رحب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر للتوسع في استقبال حفلات الزفاف العالمية بمقاصدها السياحية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر للتوسع في استقبال حفلات الزفاف العالمية بمقاصدها السياحية

تتجه مصر إلى التوسع في استقبال حفلات الزفاف العالمية بمقاصدها السياحية.

عصام فضل (القاهرة)
يوميات الشرق في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق  مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» عالمياً عبر الموقع الاستراتيجي لموانئها (المنطقة الاقتصادية لقناة السويس)

مصر لتعزيز سياحة «اليوم الواحد» باستقبال سفينة في بورسعيد

تتجه مصر إلى تعزيز سياحة «اليوم الواحد» عالمياً، والترويج لمعالمها الأثرية والثقافية، عبر استقبال سفن كبرى بموانئها المختلفة.

عصام فضل (القاهرة )
يوميات الشرق مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتي «TT416» و«TT417» الأثريتين للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.