لماذا التعليم الأساسي في مصر «بات مُرهِقاً»؟

«غروبات الماميز» تضج بتعليقات ساخرة مع انتهاء «القرن الدراسي»

طلاب مصريون في إحدى المدارس الابتدائية (المصدر: وزارة التربية والتعليم المصرية)
طلاب مصريون في إحدى المدارس الابتدائية (المصدر: وزارة التربية والتعليم المصرية)
TT

لماذا التعليم الأساسي في مصر «بات مُرهِقاً»؟

طلاب مصريون في إحدى المدارس الابتدائية (المصدر: وزارة التربية والتعليم المصرية)
طلاب مصريون في إحدى المدارس الابتدائية (المصدر: وزارة التربية والتعليم المصرية)

«وأخيراً... انتهاء القرن الدراسي»، قالتها الأم المصرية شيماء أحمد، عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، معبرةً في سخرية عن سعادتها بنهاية السنة الدراسية الحالية.

مع اختتام امتحانات الفصل الدراسي الثاني، لدى كثير من صفوف النقل، احتفلت أمهات مصريات بأسلوبهن الخاص بوصول العام الدراسي إلى خط النهاية، وتحولت «غروبات الماميز» على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيق «واتساب» إلى ساحة واسعة يعبرن من خلالها عن شعورهن بالراحة بعد شهور طويلة من الضغط والتوتر المصاحب لأشهر الدراسة.

وبدأ العام الدراسي الحالي في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، وينتهي رسمياً 5 يونيو (حزيران) المقبل للسنوات غير النهائية بالمرحلة الإعدادية والثانوية، بإجمالي 35 أسبوعاً دراسياً. فيما تنتهي امتحانات «الشهادة الثانوية» في 10 يوليو (تموز) 2025.

تداوُل مصطلح «القرن الدراسي» على نطاق واسع تبرِّره منى شوكت، التي تقطن بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) ويدرس أطفالها الثلاثة في صفوف النقل بالمرحلتين الإعدادية والثانوية، بقولها لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المصطلح جاء تعبيراً ساخراً عن طول العام الدراسي وما يحمله من ضغوط مستمرة، فالأمهات يشعرن أن الأشهر الدراسية كأنها تمتد لعقود، نظراً لما يشهده العام من إرهاق في متابعة الأبناء في المذاكرة، كما تحولت العملية التعليمية إلى تحدٍّ يومي للأسرة ككل يتطلب جهداً نفسياً واجتماعياً ومادياً كبيراً، لذا فحالة الاحتفاء بإنجاز هذا العبء منطقية للغاية».

وتواصلت فرحة التعبير عن الخلاص من «العبء الدراسي» عبر مختلف منصات «السوشيال ميديا»، من خلال توظيف «الكوميكسات» ومنشورات الفكاهة.

ورغم ضحك ربة المنزل الثلاثينية المقيمة بالجيزة، مريم أحمد، مع مشاهدتها مقطعاً درامياً للفنانة المصرية، عبلة كامل، من المسلسل الشهير «لن أعيش في جلباب أبي»، وُظّف للإشارة إلى نهاية الامتحانات، إلا أنه جاء معبّراً عن معاناتها.

تقول الأم لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام كان مرهقاً جداً، خصوصاً مع وجود ابنتي الكبرى في الصف الرابع الابتدائي لغات، حيث كانت المواد الدراسية صعبة، مما دفعني إلى تخصيص وقت طويل يومياً للمذاكرة معها، مما أثر على حياتنا المنزلية بالكامل، فلم نتمكن من الخروج كثيراً أو استقبال الضيوف، فكل شيء يدور حول الواجبات والامتحانات، وزاد الأمر تعقيداً التقييمات المستمرة التي أقرّتها الوزارة، فبدلاً من امتحان شهري واحد، أصبح لدينا تقييم أسبوعي في كل مادة، وهو ما ضاعف الضغوط».

توافقها الرأي الأم سارة غمري، وهي طبيبة ووالدة لتلميذين، تقطن بمحافظة القليوبية (دلتا مصر)، وتروي لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت الدراسة مبكراً وانتهت متأخرة، والمعلمون كانوا يسابقون الوقت لإنهاء المناهج قبل الوقت المحدد، وكثير من المواد تُركت للأهالي ليقوموا بشرحها في المنزل، إما بأنفسهم وإما باللجوء إلى الدروس الخصوصية، مما زاد من الأعباء عليّ، وشعرت بالانعزال عمّن حولي، فالتعليم أصبح يستحوذ على 80 في المائة من وقت الأسرة ومجهودها».

مُؤسِّسة «ائتلاف أولياء أمور مصر»، الخبيرة التربوية والاجتماعية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك الكثير من الضغوط التي يعاني منها الأمهات والطلاب في العام الدراسي، ويظهر ذلك جلياً مع منشورات الأمهات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تترجم ما تشهده الأسرة من توتر شديد لأسباب متعددة، أبرزها عدم قيام بعض المدارس بدورها في توفير بيئة تعليمية داعمة ومحفزة للطلاب، مما يدفع أولياء الأمور إلى الدروس الخصوصية، مما يشكل عبئاً مادياً كبيراً عليهم».

وتتابع: «كما تلجأ الأمهات إلى تحويل البيت إلى مدرسة مسائية، للمتابعة مع أطفالهن، وهنا تتأثر صحة الأم النفسية من ضغوط الدراسة، فتعاني من القلق والتوتر والشعور بالإحباط، كما قد يُحدث تأثيرات على الصحة الجسدية، مثل الصداع والأرق خصوصاً إذا كانت الأم مرأة عاملة».

وزير التربية والتعليم المصري يتحدث إلى أولياء أمور طلاب بمحافظة المنوفية (المصدر: وزارة التربية والتعليم المصرية)

ورغم أن كتيب «مصر في أرقام» يفيد بأن متوسط نصیب الفرد من الإنفاق السنوي للأسرة على «التعليم» يبلغ 5.7 في المائة من قيمة إنفاقها السنوي، فإن أولياء أمور من بينهم الأب الأربعيني عبد الرحمن مجدي، وهو ولي أمر 3 تلاميذ، ويعمل مندوب تسويق بمحافظة المنوفية، (دلتا مصر)، يؤكدون أن النسبة أعلى من ذلك بكثير. ويضيف مجدي لــ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «نتعرض لضغوط اقتصادية كثيرة تستنزفها العملية التعليمية، تتمثل في التكاليف المتزايدة للكتب الخارجية والدروس الخصوصية، إلى جانب مصروفات المدرسة، وتكاليف المواصلات للمدرسة والدروس».

وزير التربية والتعليم والمصري في زيارة لمدرسة بمحافظة المنوفية (المصدر: وزارة التربية والتعليم المصرية)

وترى الخبيرة الاقتصادية، الدكتورة هدى الملاح، أنه في ظل ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار، فإن الأسر المصرية تخصص جزءاً كبيراً من دخلها لتغطية نفقات التعليم، الذي يعد أولوية بالنسبة إليهم، مؤكدةً أن التعليم بات يمثل عبئاً مالياً كبيراً على مختلف المستويات الاجتماعية، وتختلف هذه الأعباء وفق دخل الأسرة ونوعية التعليم الذي تختاره لأبنائها.

وحسب تصريحات لوزير التربية والتعليم المصري السابق، رضا حجازي، في عام 2022، فإن متوسط فاتورة الدروس الخصوصية في مصر تقدَّر بنحو 47 مليار جنيه سنوياً.

أما الأم «ولاء»، موظفة بإحدى الشركات العقارية، فتنهدت طويلاً وهي تشاهد مقطع فيديو بعنوان «خلّصنا ماجستير 3 ابتدائي»، قبل أن توضح أنها بوصفها أمّاً مطلقة ومسؤولة عن طفل وطفلة، كان عليها تحمل الأعباء المالية للدراسة، بالإضافة إلى ترتيب مواعيد الدروس الخصوصية، ومتابعة الأطفال تليفونياً عند الخروج مع المنزل للذهاب إلى الدروس وحتى العودة خوفاً من التعرض لأي أذى، مضيفةً لـ«الشرق الأوسط»: «مع انتهاء الامتحانات أخيراً، يمكنني أخذ استراحة قصيرة من هذا القلق اليومي، قبل أن يبدأ (ماجستير جديد) العام المقبل».


مقالات ذات صلة

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

يوميات الشرق جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية شراكة مع الكلية الملكية البريطانية للفنون، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»، لتطوير المواهب الثقافية.

يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
المشرق العربي د. محمد عبد الرحمن تركو وزير التربية السوري (يسار) مع د. مروان الحلبي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ورئيس هيئة التميز والإبداع د. شادي العظمة خلال التصفيات النهائية لـ«الأولمبياد العلمي السوري» لموسم 2025 - 2026 (إكس)

مناهج تعليمية سورية باللغة الكردية مطلع العام الدراسي المقبل

بدأت وزارة التربية والتعليم السورية وضع مناهج باللغة الكردية وإعداد كوادر تعليمية مؤهلة، ضمن جدول زمني لا يتجاوز 6 أشهر، على أن يبدأ تدريس المناهج العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

لطالما كانت ألعاب الطاولة نشاطاً أساسياً تجتمع حوله العائلات، أو وسيلة ممتعة للتواصل مع الأصدقاء في أمسية هادئة، ما دامت لا تُسبب فوضى أو جدالاً حول القواعد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم جامعة هارفارد الأميركية

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي، غير أن هذا الموقع بات مهدداً.


لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
TT

لندن تستضيف «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن
«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

تستضيف جامعة كينغز لندن، الأربعاء في 4 فبراير (شباط) 2026، معرض «Saudi Futures – Career Fair 2026» («مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026»)، بتنظيم مشترك من الجمعيات الطلابية السعودية في جامعة كوين ماري بلندن، وكلية كينغز لندن، وجامعة كوليدج لندن، إلى جانب النادي السعودي في لندن.

ويحظى الحدث، الذي ينظّم للمرة الأولى في العاصمة البريطانية وداخل القاعة الكبرى بحرم «ستراند» الجامعي، بدعم رسمي من الملحقية الثقافية السعودية في المملكة المتحدة، ويهدف إلى ربط الطلبة والخريجين السعوديين الدارسين في بريطانيا بالجهات والمؤسسات التي توفر فرصًا وظيفية، وبرامج دراسات عليا، وتدريبًا مهنيًا في مختلف القطاعات.

ويستقطب الحدث مشاركين من تخصصات أكاديمية متنوعة ومن جامعات متعددة في لندن، ما يجعله منصة جامعة لتعزيز الجاهزية المهنية وبناء علاقات بين الطلبة وسوق العمل، وفق بيان المنظمين.

نموذج متقدم

ويبرز معرض «مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» بوصفه نموذجًا متقدمًا للتنسيق المؤسسي بين الجمعيات الطلابية السعودية في عدد من الجامعات البريطانية الكبرى، حيث تتكامل الجهود الطلابية عبر المؤسسات الأكاديمية المختلفة لتقديم مبادرة مهنية منظمة وواسعة النطاق.

ويشارك في المعرض ممثلون عن جهات توظيف ومؤسسات تعليمية وشركات دولية تقدم برامج للخريجين والتدريب المهني، إلى جانب جهات أكاديمية وحكومية داعمة، ما يوفر للطلبة السعوديين فرصة التواصل المباشر مع سوق العمل وبناء شبكات مهنية مبكرة.

«مستقبل السعودية – معرض التوظيف 2026» في لندن

ويعكس هذا التعاون المشترك انتقال الجمعيات الطلابية من تنظيم أنشطة محدودة النطاق إلى إطلاق منصات احترافية تستجيب لاحتياجات الطلبة السعوديين في مرحلة مفصلية من مسيرتهم التعليمية، لا سيما في ما يتعلق بالاستعداد المبكر لسوق العمل وبناء المسار المهني.

تنامي المبادرات

كما يركز المعرض على تعزيز الربط العملي بين الجانب الأكاديمي ومتطلبات الحياة المهنية، من خلال إتاحة فرص التواصل المباشر مع جهات توظيف ومؤسسات تقدم برامج تدريب وتطوير مهني، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المهني لدى الطلبة والخريجين، وتوسيع آفاق مشاركتهم في فرص التطور الوظيفي داخل وخارج المملكة.

ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يعكس تنامي دور المبادرات الطلابية السعودية في الخارج، وقدرتها على العمل المشترك وتقديم فعاليات نوعية ذات أثر ملموس، تدعم جاهزية الكفاءات الشابة وتواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل العالمي.


الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
TT

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية، الجمعة، شراكةً مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA)، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لكُلّيتَي «التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي» بـ«جامعة الرياض للفنون»، وذلك لتطوير المواهب الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي.

وجرت مراسم التوقيع خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، التي تحمل عنوان «في الحِلّ والترحال»، بحي جاكس في الدرعية؛ إذ مثَّلت الوزارة نهى قطّان، وكيلة الشراكات الوطنية وتنمية القدرات، فيما مثّل الكلية رئيسُها ونائب المستشار البروفسور كريستوف ليندنر.

وستتعاون الكلية مع الجامعة في التصميم المشترك، وتقديم برامج أكاديمية لمرحلتَي البكالوريوس والدراسات العليا، وأخرى تأسيسية، تغطي مجالات العمارة، والتصميم، والتخطيط الحضري.

وتمثّل هذه البرامج جسراً يربط بين الإرث والابتكار، وتسهم في تنمية المواهب الوطنية وتمكينها من أداء دورٍ فاعل في تشكيل البيئات العمرانية ومجالات التصميم، وبناء الكفاءات في الفنون البصرية التقليدية والمعاصرة، ضمن رؤية إبداعية عالمية تنطلق من الهوية الثقافية الفريدة للسعودية.

وتأسست الكلية في لندن عام 1837، وجاءت كأفضل جامعة للفنون والتصميم عالمياً لمدة 11 عاماً متتالية وفق تصنيف «كيو إس» للجامعات حسب التخصص، للأعوام من 2015 حتى 2025، وتُعد من أكثر الجامعات المتخصصة كثافةً في البحث العلمي بالمملكة المتحدة.

وتقدّم الكلية مجموعة واسعة من البرامج في الفنون البصرية، والتصميم، والعمارة، والاتصال، والعلوم الإنسانية عبر كلياتها المختلفة، مع تركيزها على تطوير الكفاءة المهنية، ودفع حدود الممارسة الإبداعية من خلال التعليم والبحث والتعاون العابر للتخصصات.

وتأتي هذه الشراكة ضمن سلسلةٍ من شراكات أكاديمية ومذكرات تفاهم توقّعها «جامعة الرياض للفنون» وكليّاتها مع مؤسساتٍ دولية رائدة، بهدف تصميم البرامج الأكاديمية، وتعزيز التعاون البحثي، وتقديم برامج تعليمية إثرائية في مجالات الثقافة والتنمية.

كان الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، أعلن خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025 عن إطلاق «جامعة الرياض للفنون» في كلمته الافتتاحية بـ«مؤتمر الاستثمار الثقافي»، بوصفها حجر الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي في المملكة.

وتهدف الجامعة إلى تأهيل طلابها بالمعرفة والمهارات والرؤية اللازمة للإسهام في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإبداعي في السعودية، ويُنتظر أن تُعلِن عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بها وكلياتها وشراكاتها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الذي سيُطلق خلال الربع الحالي.


«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.