السجادة الحمراء... قوّة جذب غريبة

فيلمان عن فتاتين مفقودتين في المغرب والعراق

مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
TT

السجادة الحمراء... قوّة جذب غريبة

مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)

«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان»- 4

تستأثر «السجادة الحمراء» باهتمام كبير. هي محطُّ تمنيات واهتمامات عدد كبير من الحاضرين... ربما أغلبهم.

وفي حين أَصعد الدرجات نفسها غير مهتمٍّ بالسجادة وأيّ لون هي، مسارعاً الخطى لدخول الصالة واحتلال مقعدي المفضل (H16)، هناك مئات الحاضرين الذين لا يمكن لهم تفويت الفرصة، خصوصاً إذا ما كانوا إما من صنف النجوم أو من صنف الساعين للنجومية. معظم الإناث اللواتي يصعدن هذه السلالم المبهرة يتوقَّفن أمام الكاميرات المصطفّة على الجانبين. تغمز، تبتسم، ترفع كتفها بدلال وتميل برأسها فوقه. الملابس مختلفة الألوان، لكن غالبيّتها من النوع الكاشف، إما من فوق أو من تحت. حال منحها «بوزات» للصف الأول من المصوّرين، تستدير للصف الثاني وتعاود تشغيل النمرة.

التقاط الصور على السجادة الحمراء في «كان» (أ.ب)

الطموح هو أن صورها في المجلات ستسترعي انتباه مخرج أو منتج فيتصل بها، لكن ذلك كان سائداً قبل عقود وهنَّ يعلمن ذلك، لكنها فرصة ذهبية قد لا تتكرّر.

هنّ لسن الوحيدات في هذا الطموح. هناك فريق هندي من مخرج ومنتجين وممثلين وممثلات، وصل إلى السلم «غراند لوميير» (الصالة الرئيسية للمهرجان) وتجمّد في أرضه. رفع أفراد الفريق أيديهم ملوّحين للمصوّرين الواقفين تحت أشعة شمس لاهبة بستراتهم وحمولتهم من الكاميرات. التُقطت الصور، ومعظم المصورين لم يعرفوا من هؤلاء. التصوير انتهى، لكن الفريق بقي واقفاً في مكانه.

هذا ليس كل شيء. بعد نحو ربع ساعة، سار الفريق إلى أعلى السلم ومن ثَمَّ استدار مجدداً وأخذ يبتسم ويُلوِّح لثلاث دقائق أخرى، قبل أن يأتي رجل من قسم الاستقبال ويطلب منهم دخول الصالة.

أيام حافلة

يتكرَّر هذا المشهد يومياً مرّتين على الأقل، لكن الأفلام تُعرض لنحو 20 ساعة في اليوم، وبحضور كثيف موزَّع ما بين عروض المسابقة الرسمية، وعروض تظاهرة «نظرة ما»، وعروض تظاهرة «نصف شهر المخرجين» و«أسبوع النقاد»، وبرامج وعروض للكلاسيكيات وسواها. يجد المرء نفسه (إذا لم يكن من عشَّاق السجادة الحمراء) وهو ينتقل من صالة إلى أخرى، محتفظاً ببطاقات الأفلام الممنوحة له حتى لا ينسى الأفلام التي شاهدها في ذلك اليوم. وهناك كثير من الأفلام للمشاهدة من كل المستويات. هناك قمم ومرتفعات ووديان بين هذه الأفلام، والجميع يبقى في البال أو على الورق من يومٍ ليوم.

لقطة من فيلم «صراط» (مهرجان «كان»)

الحال أن الأيام التسعة التي مرَّت منذ انطلاق الدورة الـ78 في 13 من الشهر الحالي، حفلت بالأعمال التي تستحق كل دقيقة لاكتشافها، بصرف النظر عن مستوياتها. هناك تحف عدَّة هذا العام تنضح بالجدِّية والتجديد. مهمّة فناً كما مهمَّة مضموناً. وربما في أعلى القائمة «صراط» (Sirât)، فيلم إسباني الإنتاج للمخرج أوليفر لاكس، من الصعب وصفه بسبب كونه متعدد المفاجآت ومتميّزاً برؤية فنية صارخة. يقع على بُعد سنوات ضوئية من أيِّ شيء آخر معروض هنا.

يبدأ الفيلم بمكبرات صوت ضخمة تُركّب في صحراء مغربية. بعد قليل، يبدأ تشغيلها: موسيقى هادرة من «نوتة» متكرّرة على غرار ما هو منتشر هذه الأيام. موسيقى ضاجَّة (وضعها كانغدينغ راي)، وما يُبهر ليس الصوت ولا الرقص بحد ذاته، بل عدد الراقصين الضخم (من الجنسين) وهم يمارسون ذلك التجانس الفوضوي مع الموسيقى. تنتقل الكاميرا بينهم. تصوِّرهم في تشنجهم وفوضاهم. بين هؤلاء رجل اسمه لوي (سيرغي لوبيز) يسير مع ابنه الصغير حاملاً صورة ابنته التي اختفت منذ 8 أشهر. سمِع أنها في المغرب، وقد انضمّت إلى هذه الجموع التي تقيم حفلاتها في عمق الصحارى.

البحث عن طريق

فجأة، يصل الجيش ويفرّق الجمع، لكن بعض الحافلات تفلت من القافلة التي أبعدها الجيش عن الموقع. اثنتان منها تقلّان 6 أشخاص، وخلفهما ذلك «الباص» الصغير الذي يقوده لوي، وبجانبه ابنه، بعدما دلَّه أحدهم على وجود حفل آخر في منطقة صحراوية أخرى.

من «صراط»: أب يبحث عن ابنته (مهرجان «كان»)

ما يحدث بعد النصف ساعة الأولى عصيٌّ على الترجمة إلى كلمات من دون أن يفقد جزءاً من بصريته. الأحداث نفسها غير متوقَّعة: عبورٌ في صحراء، ووديان، فتسلق جبال، ومن ثم اجتياز أنهار، والدخول في حقل ألغام. وفي كل موقع، شيء ما يحدث على نحو صادم ومباغت. لا حاجة للقول إن القافلة تفقد وجهتها، وتجد نفسها معزولة وسط تلك الرقعة الشاسعة من الأرض. وسرعان ما تتكرَّر صور تراجيدية غير متوقَّعة. في بدايات الفيلم، تتوقف الأحداث دقيقةً كاملة نسمع خلالها (وبشكل مباشر) آيات من القرآن الكريم، كانت ملهماً للمخرج في اختيار عنوان فيلمه، إذ إن كلمة «صراط» تشير إلى خط الوصول الروحي بين الأرض والسماء.

المخرج أوليفر لاكس (رويترز)

وعلى الرغم من وضوح الإشارة، لا يبدو أن الفيلم منشغل بتصنيف شخصياته أو بتحديد اتجاهاتها. معظمها شخصيات أجنبية (سيرغي لوبيز هو الممثل المحترف الوحيد، لكن الآخرين يقدّمون أداءً رائعاً أيضاً). يعرض الفيلم مصائرهم ويترك للمُشاهد أن يتأمل، إن أراد، مسيرتهم الأبدية بعد ذلك.

كعكة عيد الميلاد

هناك رحلة أخرى في فيلم عراقي-أميركي بعنوان «كعكة الرئيس»، وهو الفيلم الأول لمخرجه حسن هادي الذي ألقى كلمة طويلة خلال العرض الافتتاحي في تظاهرة «نصف شهر المخرجين»، شكر فيها كل الذين عملوا معه فرداً فرداً. 10 دقائق من التعداد (وبجوارها نحو 7 دقائق من الترجمة إلى الفرنسية) مما دفعني إلى التساؤل: ما الذي سيتلوه إذا ما حدث وفاز بجائزة ما؟ يتولَّى هذا الفيلم سرد حكاية متأخرة عن وقتها، تقع في عام 1990 قبيل انهيار حكم الرئيس الراحل صدَّام حسين، وتدور حول الفتاة الصغيرة لميا (تؤديها جيداً بنين أحمد نايف) التي يطلب مدرِّسها منها تحضير كعكة بمناسبة عيد ميلاد الرئيس. تتعامل لميا مع المهمة بجديَّة، وتمضي مع جدَّتها (وحيدة خريبات) إلى المدينة حيث من المفترض أن تجمع مكوِّنات الكعكة، لكن جدّتها تحاول التخلص منها («باتت عبئاً لا أستطيع تحمّله»، كما تقول) بإيداعها في عهدة صاحبة مطعم. تفرُّ لميا، وتلتقي بزميل المدرسة سعيد (سجد محمد قاسم)، الذي يسرق محافظ النقود ويعطيها لوالده المتسوّل لقاء نسبة.

المخرج العراقي حسن هادي (أ.ف.ب)

معاً (هي والديك الذي تحمله لميا طوال الوقت)، سيشكِّلان ثنائياً تتابعهما الأحداث، في حين تنطلق الجدّة للبحث عنها وتدخل قسم الشرطة للغاية. تصرخ في الضباط غير آبهة بمحاولات تهدئتها وإقناعها بأن عليها أن تقدِّم محضراً عن اختفاء حفيدتها. هذا بالطبع دون أن ننسى أنها قبل لحظات كانت تودُّ التخلص منها. يسير المخرج بفيلمه بطاقة مقبولة، ويُحسب له تلقائية تمثيل الفتاة خصوصاً. بيد أن السرد من مشهد إلى آخر ينطوي على بدائيّات التنفيذ. هناك حكاية بلا أسلوب فنيٍّ مؤازر، مما يجعل الفيلم خالياً من الضرورة. وفي حين يريد المخرج وصم الفترة منتقداً أوضاعاً عديدة، يفتقد إلى التوقُّف عن دفع الأحداث بلا معالجة فنية مدروسة. هناك اعتماد على الصَّخب في الحوار المتبادل بين الشخصيات.

جدة تبحث عن حفيدتها في عهد صدَّام حسين (مهرجان «كان»)

ربما هذا هو الواقع في الحياة العامة، لكن الفن لا يجب أن يُضحَّى به لا للواقع ولا لسواه. إلى ذلك، هناك رصفٌ من المصادفات التي تَعبُر الفيلم كلما أُريد لها. صدّام حسين في الفيلم رمزاً لفترة حكمه، والرغبة في انتقاد تلك الفترة لا تأخذ بعين الاعتبار أن الحكاية في الواقع قد تقع اليوم أو بعد غد، بالشخصيات نفسها أو من دونها.


مقالات ذات صلة

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».