«هل هلالك» يجذب آلاف المصريين بدار الأوبرا في ليالي رمضان

البرنامج يتضمَّن استعراضات وفنوناً شعبية وأوبريت «الليلة الكبيرة»

فرق الفنون الشعبية أحيت ليالي «هل هلالك» (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية أحيت ليالي «هل هلالك» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«هل هلالك» يجذب آلاف المصريين بدار الأوبرا في ليالي رمضان

فرق الفنون الشعبية أحيت ليالي «هل هلالك» (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية أحيت ليالي «هل هلالك» (وزارة الثقافة المصرية)

اعتاد المهندس إسماعيل محمد (48 عاماً) على قضاء ليالي رمضان يومياً تقريباً في ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية، للاستمتاع ببرنامج «هل هلالك» الذي تُقدِّمه وزارة الثقافة مجاناً إلى الجمهور لمدة 15 يوماً، وقرَّرت مدَّه العام الحالي ليُصبح 20 يوماً.

إسماعيل قال لـ«الشرق الأوسط»: «تُحبّ طفلتي مشاهدة أوبريت (الليلة الكبيرة)، وتشعر ببهجة كبيرة وهي ترى العرائس تتحرك وتغني أمامها، وتشاركها الرقص والغناء، كما أنها تنبهر بالألوان الزاهية والبراقة للفنانين الذين يقدِّمون الفقرات الأخرى».

وعلى الرغم من برودة ليالي القاهرة هذه الأيام، فإن فعاليات برنامج «هل هلالك» وفقراته الرمضانية، بثت فيها الدفء، وجذبت آلاف المصريين الذين حضروا بصحبة أطفالهم وتفاعلوا مع أعمال فنية كثيرة من غناء ورقص شعبي ومسرح.

من بين الفقرات الثابتة للبرنامج الرمضاني الذي يُعدُّه قطاع المسرح في وزارة الثقافة، أوبريت «الليلة الكبيرة» بلوحاته الغنائية المبهجة، وأجواء الموالد الشعبية، التي أبدعها الشاعر صلاح جاهين، ولحّنها الموسيقار سيد مكاوي، وأخرجها الفنان صلاح السقا، فضلاً عن فقرات من الأغنيات القديمة يقدمها الثنائي عبد الرحمن بودا، وأمنية النجار، وعروض فرقتي «رضا» و«القومية للفنون الشعبية» برقصاتها «الحصان»، و«التنورة»، والتحطيب الصعيدي، بالإضافة إلى فقرات السيرك القومي.

ويحظى برنامج «هل هلالك» بحضورٍ جماهيري لافت للسنة التاسعة، حيث يلتقي جمهور دار الأوبرا خلال الشهر الكريم مع عرائس «الليلة الكبيرة»، إلا أن التفاعل والحماس يظلان ممتدَيْن، حسب رأي الدكتور أسامة محمد علي مدير مسرح القاهرة للعرائس. الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن تقديم (الليلة الكبيرة) لم ينقطع على مدار السنوات، وهذا العرض بمنزلة أيقونة لمسرح العرائس في مصر، وقد اخترناه ضمن البرنامج ليستمتع الجمهور به، سواء كانوا أطفالاً أو كباراً».

«ولم تُضف أي تغييرات على مستوى الإخراج أو حركة الممثلين، أو الديكور منذ تقديم الليلة الكبيرة قبل أكثر من 60 عاماً، وحتى الآن، فما الذي يمكن إضافته في عناصرها، سواءً على مستوى العرائس التي صنعها الفنان ناجي شاكر، أو إخراج المخرج صلاح السقا، فكل العناصر متكاملة»، وفق محمد علي، «لا يُمكن تجويدها، أو اللعب في مساراتها».

ويوضح: «لأن أوبريت (الليلة الكبيرة) صار من ضمن التراث المصري الذي يجب ألا يُمس بأي نوع من التغيير، ما زال يتمتع بسحره الخاص، الذي يظهر واضحاً في استقبال الجمهور لنا في كل مكان نذهب إليه بمصر وخارجها أيضاً»، مشيراً إلى أن آخر عروض الأوبريت كانت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي خلال افتتاح «ملتقى الراوي» في إمارة الشارقة، بالإضافة إلى الأسبوع الثقافي المصري في قطر قبل أيام قليلة.

عرض الليلة الكبيرة يحظى بجمهور لافت (الشرق الأوسط)

ويتضمّن أوبريت «الليلة الكبيرة» مجموعة لوحات ترصد مشاهد من الموالد المصرية، بكل ما تحتويه من دلالات ورموز شعبية، ربما لم تعاصرها الأجيال الجديدة على أرض الواقع. ويؤكد مدير مسرح العرائس: «حين نقدِّمه يكون هدفنا أن نُعيد إلى الأذهان صورة الموالد المصرية المعروفة، نُجدِّدها في عقل الأجيال الجديدة وروحها، في رؤية بصرية راقية يقدمها فنانو تحريكٍ على مستوى عالٍ من التمكن والإبداع، بينهم: الفنان سيد رستم، وياسر عبد المقصود، ومحمد نور، وعدد من أبناء الجيل الجديد في مسرح العرائس».

بالإضافة إلى «الليلة الكبيرة»، يتضمّن برنامج «هل هلالك» مجموعة متنوعة من الفعاليات الفنية، منها حفلات غنائية للفنانين أميرة رضا، وآية عبد الله، وعلي الألفي، وفاطمة عادل، وفاطمة محمد علي، ومعهم فرقة «طبلة الست».

رقصات وأغنيات من الفنون الشعبية في ليالي رمضان (وزارة الثقافة المصرية)

وكان وزير الثقافة المصري، أحمد فؤاد هنو، قد قال في تصريحات صحافية، إن وزارته أعدَّت أجندة ثقافية وفنية ثرية ومتميزة احتفاءً بالشهر الفضيل، تستهدف مختلف الفئات العمرية والاجتماعية في جميع أنحاء مصر، إيماناً بأهمية الثقافة والفنون في تعزيز روح رمضان ونشر القيم الإيجابية بين أفراد المجتمع.

ويشمل البرنامج مجموعة متنوعة من العروض الفنية والموسيقية، والأمسيات الأدبية والشعرية، والمعارض التراثية، والعروض المسرحية، والبرامج المخصَّصة للأطفال والشباب لتعريفهم بعراقة التراث المصري والقيم النبيلة التي يتضمنها.

وقدّمت «الفرقة القومية للفنون الشعبية» مجموعة من أشهر استعراضاتها الفنية ضمن برنامج «هل هلالك»، منها: «الموشح»، و«دبكة المجوز»، و«البمبوطية»، و«التنورة»، و«الحجالة»، و«أم الخلول».

منصة «غناوي زمان» ضمن برنامج «هل هلالك» (الشرق الأوسط)

في حين تتواصل حفلات «فرقة رضا» للفنون الشعبية الاثنين والثلاثاء، لتقدم مجموعة من أعمالها المميزة في حفلَيْن استثنائيين بعد قرار تمديد فترة برنامج «هل هلالك» إلى 20 يوماً؛ لينتهي في 26 مارس (آذار) الحالي، بعد النجاح الجماهيري غير المسبوق الذي حقّقه البرنامج العام الحالي، وفق إفادة لوزارة الثقافة.

وتفاعل الجمهور مع الأغنيات القديمة التي قدَّمها الدويتو الفني عبد الرحمن عبد الله «بودا»، وأمينة النجار، ورقص الأطفال على مونولوجات وأغنيات «حلو يا حلو»، و«حنكورة»، و«بسلامته خطبني»، و«ظاظا فظاظا». يقول عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «إن ظهوري وزميلتي أمينة النجار في حفلات (هل هلالك)، جاء بعد نجاحنا على (السوشيال ميديا)، حيث كنَّا نغني مونولوجات الفنان محمود شكوكو، وإسماعيل يس، وسيد درويش».


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.