تغييرات بسيطة تُحسِّن الذاكرة والمزاج

التجارب الجديدة لا تحتاج إلى أن تكون مُبالَغاً فيها مثل السفر

إحضار الزهور من حديقتك لجدتك قد يُحدِث تأثيراً إيجابياً (جامعة تورنتو)
إحضار الزهور من حديقتك لجدتك قد يُحدِث تأثيراً إيجابياً (جامعة تورنتو)
TT

تغييرات بسيطة تُحسِّن الذاكرة والمزاج

إحضار الزهور من حديقتك لجدتك قد يُحدِث تأثيراً إيجابياً (جامعة تورنتو)
إحضار الزهور من حديقتك لجدتك قد يُحدِث تأثيراً إيجابياً (جامعة تورنتو)

أفادت دراسة أجراها باحثون في جامعة تورنتو الكندية، بأنّ أداء نشاط جديد واحد فقط يومياً يُمكن أن يُحسّن المزاج والذاكرة والصحة العامة بشكل ملحوظ، وهو اكتشاف قد يكون مفيداً خصوصاً للمعرَّضين لخطر الإصابة بأمراض الخرف وألزهايمر.

وتُعدّ هذه الدراسة، المنشورة في دورية «ساينتفيك روبرتس»، الأولى التي تستكشف «التنوّع التجريبي»؛ ويعني ممارسة دمج أنشطة جديدة ومحفِّزة في الحياة اليومية بكونها وسيلة لتعزيز الذاكرة وجودة الحياة لدى كبار السنّ.

في هذا السياق، قالت المؤلِّفة المُشاركة فيها، والأستاذة في قسم علم النفس بكلية الآداب والعلوم بجامعة تورنتو، مورغان بارينس: «بعد التقدُّم في السنّ، تُعدّ العزلة الاجتماعية والبيئة غير المحفِّزة من بين أهم عوامل الخطر للتدهور المعرفي ومرض ألزهايمر».

وأوضحت: «تُضيء نتائجنا على أهمية منح أحبائك المسنّين تجارب جديدة وثرية. لا يتطلَّب ذلك كثيراً -فأمرٌ بسيطٌ مثل إحضار الزهور من حديقتك لجدّتك يمكن أن يُحدث تأثيراً إيجابياً في الذاكرة والصحة العامة».

وفي حين يُساعد الروتين على تنظيم الموارد المعرفية وتحريرها، شدَّدت بارينس على أهمية موازنة ذلك بالتجديد. كما أشارت إلى أنه رغم تركيز الدراسة على فئة كبار السنّ، فإن فوائد الانخراط في تجارب جديدة تُطبّق على جميع الأعمار.

وفيها، شجّع الباحثون 18 مشاركاً سليماً، بمتوسط ​​عمر 71 عاماً، على المُشاركة في تجارب فريدة على مدار 8 أسابيع خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة صيف 2020. وأتاحت لهم رتابة هذه الفترة دراسة كيفية تأثير الأحداث الجديدة في كبار السنّ الذين كانوا أكثر عُرضةً لخطر التدهور المعرفي بسبب العزلة.

استخدم المشاركون تطبيقاً للهواتف الذكية قائماً على علم الأعصاب يُسمى «هيبو كاميرا»، ويُحاكي كيفية معالجة حُصين الدماغ للذكريات وتخزينها لتسجيل الأحداث اليومية التي أرادوا تذكرها وإعادة تشغيلها.

أبلغ المشاركون عن مشاعرهم، وإدراكهم لمدى مرور الوقت، ودرجة شعورهم بالملل. ثم حلَّل الباحثون العلاقة بين تفرُّد تجاربهم اليومية، وتذكُّر الذكريات، وشعورهم بالرفاهية. ووجدوا أنه عند ممارسة المشاركين أنشطة جديدة، أظهروا ذاكرة أفضل، ومشاعر إيجابية أكثر، وشعوراً أقل بالملل، كما أنهم شعروا بمرور الوقت بسرعة أكبر.

وبينما ركزت الدراسة على عيّنة صغيرة من الأشخاص، أجرى الباحثون توصيفاً دقيقاً لعيّنة شملت 670 حدثاً فريداً من نوعه لتحديد الصلة بين التنوع في التجارب اليومية وتحسُّن مستويات الرفاهية.

قالت بارينس: «تُظهر دراستنا أنّ التجارب الجديدة لا تحتاج إلى أن تكون مُبالغاً فيها، مثل السفر إلى بلد جديد. فالتغييرات الصغيرة، مثل اتخاذ مسار مختلف في أثناء المشي اليومي، يمكن أن يكون لها تأثير كبير في الذاكرة والمزاج».

وكانت بحوث سابقة قد أظهرت أنّ التنوّع في التجارب اليومية لجهة الموقع الجغرافي يرتبط بنشاط الحُصين، وهي منطقة الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والتعلم واكتشاف الجديد. وهذا بدوره يُنشّط الجسم المخطِّط، وهو جزء الدماغ المسؤول عن معالجة المكافآت والتحفيز.

ومن خلال تحفيز الحُصين، يُمكن تعزيز مناطق الدماغ الأخرى التي تؤثر في المشاعر الإيجابية والذاكرة.

يُذكر أن تأثير التنوّع في التجارب في المزاج الإيجابي كان أكبر لدى أولئك الذين أظهروا روابط أقوى بين الحُصين والجسم المُخطِّط، مما يُبرز العلاقة الوثيقة بين الذاكرة والعاطفة والرفاهية.

وتستند الدراسة الجديدة إلى بحث سابق لبارينس وزملائها نُشر عام 2022، وأظهر أنَّ إعادة تشغيل الذكريات باستخدام «هيبو كاميرا» تُحسِّن من استرجاع الذاكرة بنسبة تزيد على 50 في المائة في المتوسط.

ومن المقرَّر أن يُقدم مشروع بارينس البحثي المقبل «هيبو كاميرا» لنزلاء دور الرعاية، مُستكشفاً إمكاناتها بكونها وسيلة للتدخل في نمط الحياة بهدف تحسين الذاكرة وتعزيز التنوُّع في التجارب.


مقالات ذات صلة

لهذا السبب يهوى المراهقون السلوكيات الخطيرة

صحتك قد يبدأ العديد من المراهقين اختبار الحدود وخوض المخاطر بما في ذلك تجربة تعاطي المواد المخدرة (أنسبيلاش)

لهذا السبب يهوى المراهقون السلوكيات الخطيرة

كشفت دراسة جديدة أن سلوكيات المراهقين المحفوفة بالمخاطر، مثل تجربة الكحول والقنب والنيكوتين وغيرها من المواد قد تكون استجابة لانخفاض مستوى الدوبامين الأساسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك الشاي بالعسل... أكثر من مشروب دافئ (شاترستوك)

ماذا يحدث لجسمك عندما تضيف العسل إلى الشاي؟

العسل غني بمضادات الأكسدة ومركبات طبيعية أخرى تُعزّز صحة المناعة وتُهدّئ التهيُّج وتُعد بديلاً لطيفاً للسكر المكرّر

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
بيئة مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية.

صحتك يأمل الباحثون أن يؤدي فهم هذه الخلايا الجديدة إلى تقريب العلماء من هدف طال انتظاره يتمثل في التوصل إلى علاج شافٍ لفيروس نقص المناعة البشرية (بيكسباي)

اكتشاف خلايا جديدة يختبئ فيها فيروس نقص المناعة البشرية

كشفت دراسة صينية عن نوع جديد من الخلايا المناعية المتحوّلة التي تؤوي فيروس نقص المناعة البشرية كامناً، ما قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف خزاناته الفيروسية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)

4 خطوات تصنع تفوق اللاعبين في المراوغة بالكرة

درس باحثون بجامعة تسوكوبا اليابانية قدرة لاعبي كرة القدم المهرة على التفوق في المراوغة الخادعة للمنافسين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«إيقاع المتغيّر»… معرض سعودي يستنطق طبقات الذاكرة

تجربة بصرية استثنائية تستنطق طبقات الذاكرة وترصد التحولات العمرانية في السعودية (الشرق الأوسط)
تجربة بصرية استثنائية تستنطق طبقات الذاكرة وترصد التحولات العمرانية في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«إيقاع المتغيّر»… معرض سعودي يستنطق طبقات الذاكرة

تجربة بصرية استثنائية تستنطق طبقات الذاكرة وترصد التحولات العمرانية في السعودية (الشرق الأوسط)
تجربة بصرية استثنائية تستنطق طبقات الذاكرة وترصد التحولات العمرانية في السعودية (الشرق الأوسط)

في معرضه «إيقاع المتغيّر» يقدم الفنان السعودي عبد الله العثمان تجربة بصرية استثنائية تستنطق طبقات الذاكرة، وترصد التحولات العمرانية المتسارعة التي شهدتها المدن السعودية خلال العقود الماضية. وتولى تنسيق المعرض، الذي فتح أبوابه للجمهور في قلب حي جاكس بالدرعية، القيّمان الفنيان روتانا شاكر، وأحمد الأقرع.

يقدم العرض توليفة إبداعية تجمع بين الأرشيف التاريخي، والصورة الفوتوغرافية، والعناصر المعمارية، والمواد الصناعية، ويسعى العثمان من خلالها إلى تفكيك أثر الزمن على الأمكنة، واستكشاف تلك الطبقات الخفية التي تتركها المتغيرات المتلاحقة في الذاكرة الفردية والجماعية للمجتمع.

المعرض يستكشف العلاقات الجدلية بين الزمن باعتبار أنه حيّز متجمد والمكان باعتبار أنه حيّز ساكن (الشرق الأوسط)

العمارة مرآة للزمن

في حديثه عن فلسفة المعرض، يوضح الفنان عبد الله العثمان أن مشروعه ينطلق من رصد «التغيّر» بوصفه الثابت الوحيد في هذا الكون، مستكشفاً العلاقات الجدلية بين الزمن باعتبار أنه حيّز متجمد، والمكان باعتبار أنه حيّز ساكن.

وقال العثمان في حديث مع «الشرق الأوسط» إنه اعتمد في هذا المشروع على البحث في أكثر من منطقة، وأضاف: «قدمت عملاً أرشيفياً يوثق تاريخ البناء في مواقع متعددة، حيث رسمت جملتي الفنية الخاصة على البناء نفسه، حيث إن علاقتنا بالعمارة تعتمد على قواعد وثوابت مشتركة نجدها في مجالات حياتية كثيرة، وحاولت من خلال المعرض نقل ما تعكسه العمارة من حالة الزمان والمكان، ورصد ما فعله الوقت من تأثير تركه باعتبار أنه طابع خاص على تلك العناصر الإنشائية».

وينأى المعرض بنفسه عن السرديات التوثيقية التقليدية؛ إذ ينطلق من اهتمام العثمان الطويل بالمكان بوصف أنه حامل رئيس للتجربة الإنسانية، وتتحرك الأعمال في إطار قراءة التحولات، وفراغها المرن من خلال تتبع التفاصيل الصغيرة، والآثار الباقية.

ويتجاوز «الأرشيف» في هذا المعرض كونه مجرد سجل جامد للماضي، بل هو مادة حية ومفتوحة لإعادة القراءة والتأمل في العلاقة الديناميكية والمتغيرة بين الإنسان ومحيطه الجغرافي.

ينطلق العثمان من رصد «التغيّر» بوصفه الثابت الوحيد في هذا الكون (الشرق الأوسط)

حوار فني يمزج بين فلسفة الزمن والامتداد المكاني (الشرق الأوسط)

5 فضاءات للحوار البصري

يتوزع معرض «إيقاع المتغيّر» على خمسة فضاءات فنية، تتداخل فيها الصور التاريخية مع المواد الإنشائية، والعناصر التركيبية.

ويخلق هذا التوزيع حواراً بصرياً ممتداً بين الماضي والحاضر، ويمنح الزائر فرصة لتأمل التحولات البنيوية والاجتماعية التي طرأت على البيئة المحلية عبر الزمن، ومستكشفاً الجدران، والمعادن، والمواد التي صمدت في وجه الأيام لتتحول إلى شهود عيان على التاريخ.

ويُصنف عبد الله العثمان أنه أحد أبرز الأسماء في مشهد الفن السعودي المعاصر، وقد تميزت مسيرته خلال السنوات الماضية بتقديم مشاريع فنية متعددة التخصصات، وركزت في جوهرها على قضايا الهوية، الذاكرة، والتحولات الثقافية والعمرانية في المملكة.

وحظيت أعمال العثمان بحضور لافت في محافل محلية ودولية بارزة؛ حيث عُرضت في بينالي الدرعية للفن المعاصر، وبينالي ليون في فرنسا، ومعارض ومشاريع فنية نوعية في محافظة العلا، إضافة إلى منصات ومؤسسات فنية عالمية في نيويورك، ولندن، وباريس.

ويأتي معرض «إيقاع المتغيّر» في حي جاكس بالدرعية ليمثل محطة جديدة في مسيرة العثمان، وخطوة إضافية في توثيق التحولات السعودية الكبرى عبر عين الفن المعاصر التي لا ترى في الجدران مجرد حجارة، بل تعد فصولاً متتالية من حكاية الإنسان، والمكان.


رودريغ سليمان: ما يهمني هو الاستمتاع بالدور الذي أقدّمه

يعدّ سليمان المسرح شغفه (رودريغ سليمان)
يعدّ سليمان المسرح شغفه (رودريغ سليمان)
TT

رودريغ سليمان: ما يهمني هو الاستمتاع بالدور الذي أقدّمه

يعدّ سليمان المسرح شغفه (رودريغ سليمان)
يعدّ سليمان المسرح شغفه (رودريغ سليمان)

يُطلُّ الممثل رودريغ سليمان في مسلسل «ممكن» بشخصية غامضة تتسم بتعدُّد طبقاتها، مجسّداً دور الشاب كريم. ومن المنتظر أن يشهد أداؤه تصاعداً درامياً في الحلقات المقبلة، في سياق سعيه إلى إلحاق الأذى بغريمه زياد (ظافر العابدين). ويشير سليمان إلى أن متابعي العمل لا بد أنهم التقطوا إشارات واضحة إلى هذا المسار، مؤكداً أن الأحداث المقبلة ستكشف عن مزيد من الجوانب الخفية في شخصية كريم.

ويشارك في بطولة مسلسل «ممكن»، المقتبس عن الفيلم الأميركي «بريتي وومن»، كل من ظافر العابدين، ونادين نسيب نجيم، وزينة مكي، وأنجو ريحان، وغيرهم. والعمل من إخراج أمين درة، وكتابة منى الشيمي ومجدي أمين، وإنتاج شركة «الصبّاح».

ويقول سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «تبقى الشخصية غامضة في الحلقات الأولى، لكن الأمور تتكشّف تدريجياً، ليظهر كريم على حقيقته بما قد يفاجئ المشاهد».

واشتهر رودريغ سليمان بأدوار متنوعة قدّمها في الدراما العربية، والسينما، والمسرح. وسبق أن جسَّد شخصيات شريرة في أكثر من عمل، منها «عالحد» و«بالعودة»، كما خاض تجارب كوميدية في مسرحيتي «كذبة بالصينية»، و«رايحين جايين». إلا أنه يرى في دوره الحالي تحدياً جديداً في مسيرته الفنية.

ويشرح قائلاً: «هذه الشخصية متعددة الخطوط والملامح، وهو ما خلق بالنسبة إليّ مواجهة حقيقية معها. لا أستطيع الدفاع عنها، بل أتمنى ألا نصادف أشخاصاً يشبهونها بسبب الخبث الذي يسكنها. لكن الممثل بطبيعته يحب تجسيد شخصيات تختلف عنه، لأنها تمنحه مساحة من المتعة والتحدي. ففي الحياة نكبت أحياناً كثيراً من المشاعر، في حين يتيح لنا التمثيل التعبير عنها وإخراجها إلى العلن. ومن هنا يتحوّل أداء هذه الشخصيات إلى تحدٍّ نحبه».

في مسلسل «ممكن» يقدم شخصية غامضة (رودريغ سليمان)

ويؤكد أن الشخصية تطلَّبت نقاشات مطوَّلة مع المخرج أمين درة. ويضيف: «عملنا معاً على ضبط إيقاعها، لأن حقيقتها تنكشف على مراحل. وكان لا بد من التحكم بالأداء وترك الأحداث تتصاعد تدريجياً، خصوصاً أننا نصوِّر أحياناً مشاهد من نهاية العمل قبل العودة إلى بداياته».

في لبنان يُعتمد التصوير وفق المواقع لا وفق تسلسل الأحداث الدرامية. فهل تفضّل هذه التقنية؟ يجيب: «أعتقد أن الأمر لا يختلف بالنسبة إلى الممثل الذي يكون ممسكاً بشخصيته منذ قراءته الأولى للنص. فإذا كان قد فهمها جيداً، وحفظ تفاصيلها، فلن تؤثر فيه طريقة التصوير. شخصياً أفضل الأسلوب المُتَّبع في لبنان لأنه يتطلَّب جهوزية كاملة من الممثل بعيداً عن الاتكال على التسلسل الزمني للأحداث».

كثير من الممثلين ممن يجسدون أدوار الشر يرون في نفور الجمهور من شخصياتهم دليلاً على نجاحهم، فهل يشاركهم سليمان هذا الرأي أم يرى في هذه الأدوار مجازفة بشعبيته؟ يردُّ: «أصبح المشاهد اليوم أكثر وعياً بطبيعة عمل الممثل. صحيح أنه يتأثر بالشخصية، لكنه يميّز بينها وبين من يؤديها. لذلك ألاحظ أن الناس يعبِّرون عن كرههم للشخصية لا للممثل نفسه، بل يبادرونني غالباً بتعليقات إيجابية حول أدائي، وهو ما يسعدني كثيراً. فالشر موجود في الواقع، وعندما يراه الناس على الشاشة بشكل مقنع يتفاعلون معه تلقائياً».

وعلى الرغم من تنوُّع أدواره، يعترف سليمان بأنه لم يُقدِّم بعد الدور الذي ينتظره. ويوضح: «حظيت بفرص كثيرة، وأنا ممتن لها، لكنني لم أصل بعد إلى الدور الذي يحمل لي قفزة نوعية. وخلال الفترة الماضية فاتتني أعمال عدة بسبب انشغالي بالجولة العالمية لمسرحية (الغسق). في المقابل منحتني السينما فرصاً مميزة في أفلام مثل (المسافر)، و(من السماء)، و(بيت البحر)، وكذلك المسرح. أما في الدراما، فأتمنى تقديم دور يُشبه ما قدَّمته في مسلسل (أشرقت الشمس)، الذي لا يزال يحظى بالنجاح كلما أعيد عرضه».

وعن الشخصية التي يحلم بتجسيدها مستقبلاً، يقول: «لا أفكر بهذه الطريقة. ما يهمني هو اكتشاف الدور الأفضل دائماً».

ويكشف أنه يقرأ حالياً نصاً مسرحياً، ويدرس إمكانية المشاركة فيه. وبحكم تخرجه في كلية الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، اختصاص تمثيل وإخراج مسرحي، لا يخفي حنينه الدائم إلى الخشبة. ويقول: «المسرح بمثابة إعادة تأهيل للممثل. فهو يُعيد تفكيكه وتركيبه من جديد على المستويات الصوتية والبصرية والتقنية. كما يُعيدني شخصياً إلى شغفي الأول عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري وقدّمت أول عمل مسرحي».

ويؤكد أن أحلام الفنان لا تنتهي، مضيفاً: «كلما أنجز الممثل دوراً بحث عن آخر يروي شغفه وعطشه للتمثيل. الحلم لا يتوقف، وتُصبح اللحظة المقبلة حلماً جديداً في حد ذاتها».

يستعد لتقديم مسرحية «الغسق» في مهرجان القاهرة (رودريغ سليمان)

وفي مسلسل «ممكن»، يجتمع سليمان للمرة الأولى مع ظافر العابدين، أحد أبرز أبطال العمل. وعن هذه التجربة، يقول: «سعدت كثيراً بالتعاون معه، وقد لفتني تواضعه واحترامه الكبير لمن حوله، فهو فنان محترف يتمتع بجهوزية عالية والتزام واضح، كما يتعامل مع زملائه بكرم وروح إيجابية تنعكس على أجواء العمل والأداء المشترك. وأكثر ما أثار إعجابي قدرته على الإمساك بتفاصيل الشخصية التي يؤديها، بالتوازي مع إتقانه اللهجة اللبنانية. فلا شك في أن إتقان لهجة مختلفة عن تلك التي نتحدث بها عادة ليس بالأمر السهل».

أما عن نادين نجيم، فيشير إلى أن مشاهده معها كانت محدودة، إذ لم يجتمعا سوى في مشهد واحد، وهو ما لم يفسح المجال للتعرُّف إليها عن قرب.

وعن المخرج أمين درة، يقول: «كنت مشتاقاً للتعاون معه مجدداً منذ فيلم (غدي). إنه فنان بكل ما للكلمة من معنى، ويحرص على شرح تفاصيل كل مشهد بدقة قبل تصويره؛ لذلك تأتي أعماله متقنة إلى حدٍّ بعيد».

ويرى سليمان أن كل شخصية يؤديها تغادره فور انتهاء التصوير. ويوضح: «ما يهمني هو الاستمتاع أثناء العمل. وفي (ممكن) كانت الأجواء رائعة، وتعاون الجميع من أجل تقديم أفضل نتيجة. وقد سعدت كثيراً بخوض هذه التجربة مع شركة (الصبّاح) وفريق العمل بأكمله».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، يتوجَّه سليمان مع فريق مسرحية «الغسق» إلى مصر للمشاركة في مهرجان القاهرة. ويؤدي في العمل شخصية تحمل اسمه، وتنبع من واقعه الشخصي، إذ يستعيد جانباً من تجربته الحياتية. وتتناول المسرحية قصة 4 ممثلين يقررون الوقوف أمام موقع انفجار مرفأ بيروت لحراسته، في عمل ينطلق من الواقع، ويستحضر ذاكرة جماعية لا تزال حاضرة في وجدان اللبنانيين.


منتجا «سفن دوجز»: هاجس المقارنة مع أفلام «هوليوود» لم يشغلنا

ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)
ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)
TT

منتجا «سفن دوجز»: هاجس المقارنة مع أفلام «هوليوود» لم يشغلنا

ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)
ضم الفيلم عدداً من النجوم العالميين (الشركة المنتجة)

مع استعداد فيلم «سفن دوجز» للانطلاق في 22 دولة حول العالم خلال شهر يونيو (حزيران) الحالي، أكد منتجا الفيلم، البريطاني إيفان أتكينسون وسايروس باتيل، أن التجربة حققت أرقاماً قياسية، وتُعد من أكثر المشروعات العربية طموحاً في السنوات الأخيرة.

ولا تقتصر أهمية التجربة على أرقامها القياسية أو حجم إنتاجها، وفق حديث المنتجين لـ«الشرق الأوسط»، بل تمتد إلى ما تُمثله من محاولة لإعادة تعريف حدود الإنتاج السينمائي في المنطقة، وقدرته على منافسة الأعمال العالمية الكبرى، مع مشاركة نجوم عالميين على غرار مونيكا بيلوتشي في الفيلم، إلى جانب النجمين المصريين كريم عبد العزيز وأحمد عز، والفنان السعودي ناصر القصبي.

وخلف المشاهد الضخمة التي يراها الجمهور على الشاشة، كانت هناك رحلة طويلة من التخطيط والتنفيذ وإدارة التفاصيل اليومية، شارك فيها مئات العاملين من مختلف الجنسيات والتخصصات.

ويكشف المنتجان اللذان توليا مسؤوليات إنتاجية وتنفيذية رئيسية خلال مراحل العمل، كواليس خروج «سفن دوجز» إلى النور، والتحديات التي واجهت صُنّاعه، وكيف تحولت السعودية إلى منصة لاستضافة أحد أكبر المشروعات السينمائية في المنطقة.

وأكد المنتج البريطاني إيفان أتكينسون أن الرهان الأساسي منذ انطلاق العمل لم يكن تقديم فيلم عربي محدود النطاق أو فيلم عالمي منفصل عن بيئته، بل إنتاج عمل يجمع بين الأمرين في الوقت نفسه، مشيراً إلى أن المشروعات الكبيرة عادة ما تواجه مقارنات مباشرة مع الإنتاجات الهوليوودية، خصوصاً عندما ترتبط بميزانيات ضخمة ومشاهد أكشن واسعة النطاق، إلا أن فريق العمل كان حريصاً على ألا يتحول هاجس المقارنة إلى عبء يُؤثر على طبيعة المشروع، فلم يشغلنا هذا الأمر.

سجل الفيلم الحضور الأول لمونيكا بيلوتشي في السينما العربية (الشركة المنتجة)

من جانبه، قال سايروس باتيل إن «التحدي الحقيقي لم يكن في تخيل ما يمكن للفيلم أن يقدمه على الشاشة، وإنما في تحويل هذا الطموح إلى واقع يمكن تنفيذه يومياً خلال أشهر التصوير»، موضحاً أن «أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى ما هو أكثر من الأفكار الإبداعية، إذ يتطلب بنية تحتية متكاملة، وخططاً زمنية دقيقة، وأعداداً ضخمة من العاملين ومنظومة كاملة من الإجراءات التنظيمية واللوجستية».

وأوضح باتيل أن من أكثر الجوانب إثارة في التجربة تمثل في القدرة على تحويل الرياض إلى عوالم متعددة داخل الفيلم، مشيراً إلى أنه وصل إلى السعودية برفقة أتكينسون في المراحل الأولى من التحضير، وسرعان ما اكتشفا الإمكانات الكبيرة التي تتيحها المدينة لتنفيذ تصورات بصرية متنوعة، وأن الأمر تطلّب تنسيقاً هائلاً بين فرق الديكور والإنشاءات والإضاءة والتصوير والمؤثرات البصرية والأكشن، لأن الانتقال من عالم إلى آخر داخل الفيلم كان يحتاج إلى عمل معقد خلف الكاميرا.

بدوره، أوضح أتكينسون أن «هذه العملية تُمثل جزءاً مما يصفه صناع السينما بـ(سحر السينما)؛ حيث يمكن لموقع واحد أن يؤدي أدواراً متعددة، ويمنح المشاهد انطباعاً بأنه ينتقل بين بلدان مختلفة»، مؤكداً أن الاستفادة القصوى من المواقع المتاحة تُعد من أهم عناصر صناعة الأفلام، خصوصاً عندما يكون الهدف هو بناء عالم بصري واسع ومتنوع.

وأرجع أتكينسون نجاح الفيلم في الحفاظ على الجانب الإنساني وسط هذا الحجم الكبير من مشاهد الأكشن يعود بدرجة كبيرة إلى أداء الممثلين، لافتاً إلى أن «وجود ممثلين يمتلكون فهماً عميقاً لشخصياتهم يجعل مهمة المخرجين والمنتجين أكثر سهولة، لأن الجمهور لا يتفاعل مع الانفجارات والمطاردات فقط، بل مع الشخصيات التي تقف في قلب هذه الأحداث».

وتوقف أتكينسون عند مشهد الانفجار الضخم الذي أصبح من أبرز عناصر الترويج للفيلم، والذي دخل الفيلم من خلاله موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بوصفه أكبر تفجير في مشهد واحد، مؤكداً أن «تنفيذ هذا المشهد كان من أكثر المراحل تعقيداً على المستوى التنظيمي، لأن محاولة تنفيذ انفجار بهذا الحجم فرضت على الفريق التعامل مع مستويات غير مسبوقة من التخطيط وإجراءات السلامة والتنسيق بين مختلف الإدارات، والوصول إلى النتيجة النهائية كان ثمرة شهور طويلة من التحضير»، على حد تعبيره.

عز في كواليس التحضير (الشركة المنتجة)

من جانبه، قال باتيل إن الخطر الذي يواجه أي إنتاج ضخم لا يتعلق فقط بالتكلفة المالية، بل أيضاً بفقدان الوقت من دون تحقيق النتائج المطلوبة، إذ إن كل ساعة تصوير في فيلم بهذا الحجم ترتبط بتكاليف كبيرة تشمل الممثلين والطواقم الفنية والمعدات والمؤثرات البصرية والنقل والخدمات المساندة. ولذلك كان الحفاظ على كفاءة الوقت يمثل أولوية يومية بالنسبة للإنتاج.

ورأى أتكينسون أن «سفن دوجز» يُمثل محطة مهمة في مسار تطور السينما العربية، لكنه لا يعتقد أن فيلماً واحداً يمكنه وحده تغيير المشهد بالكامل، مؤكداً أن أهمية هذه النوعية من المشروعات تكمن في قدرتها على إيجاد أفكار جديدة وإلهام مشروعات أخرى للسير في الاتجاه نفسه، فكل تجربة ناجحة تفتح الباب أمام تجارب أكبر وأكثر طموحاً.

تضمن الفيلم عدداً من مشاهد الأكشن (الشركة المنتجة)

واتفق باتيل مع هذا الطرح، مؤكداً أن الفيلم يبعث برسالة واضحة مفادها أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد موقع تصوير أو سوق تمويل، بل أصبح قادراً على استضافة وإدارة وتنفيذ إنتاجات ضخمة وفق معايير عالمية، فالاستمرار بالاستثمار في البنية التحتية وتدريب الكوادر وتعزيز التعاون الدولي يمكن أن يُغير نظرة العالم إلى صناعة السينما العربية خلال السنوات المقبلة.

وفي ختام حديثهما، شدد أتكينسون وباتيل على أن ما تحقق في «سفن دوجز» يتجاوز حدود فيلم واحد، معتبرين أن التجربة أثبتت امتلاك المنطقة للطموح والكوادر والإمكانات اللازمة لخوض مشروعات أكثر جرأة في المستقبل. وأكدا أن الفيلم يُمثل خطوة جديدة في مسار صناعة سينمائية عربية تسعى إلى توسيع حضورها العالمي، ليس فقط من خلال القصص التي ترويها، بل أيضاً عبر قدرتها على تنفيذها بأعلى المستويات المهنية والتقنية.