غياب أنطوان كرباج «أيقونة» المسرح اللبناني

نصف قرن من التألق الاستثنائي في صومعة التمثيل

الممثل اللبناني أنطوان كرباج (أ.ف.ب)
الممثل اللبناني أنطوان كرباج (أ.ف.ب)
TT

غياب أنطوان كرباج «أيقونة» المسرح اللبناني

الممثل اللبناني أنطوان كرباج (أ.ف.ب)
الممثل اللبناني أنطوان كرباج (أ.ف.ب)

يكفي أن ترى كيف امتلأت وسائل التواصل بعبارات الحزن والأسى على رحيل الفنان اللبناني أنطوان كرباج، لتعرف مكانته في قلوب الناس، ومن ثم إن تلحظ كيف أن سياسيين من مختلف التيارات والأحزاب سارعوا إلى نعيه، لتدرك أنه كان أيقونة وطنية يتَّحدُ حولها من لم يجمعهم شيء، ولم يآلف بين قلوبهم قضية.

لم يكن أنطوان كرباج ممثلاً عادياً، بل كان عالماً يضجُّ بالشخصيات التي جسَّدها على مدار أكثر من 50 سنة بين المسرح والتلفزيون والسينما. بيد أنه كان في كل مرَّة يُطل فيها، يجعل الدور الذي يلعبه، باقياً، ومؤثّراً، وكأنه يحفرُ في ضمير الناس، ويتغلغل في وجدانهم.

لقطة من إحدى مسرحياته (فيسبوك الفنان)

يكفي أن تراه بعد أن يُنهي دوره في إحدى المسرحيات، ويبدِّل ملابسه ويهمُّ بمغادرة المسرح، وقد احمرَّ وجهه والعرق يتصبب منه، وعيناه زائغتان، لتعي جيداً أنه لا يمثِّل، وإنما ينتقل إلى حياة أخرى، بمشاعرها، وآلامها وأحلامها، وجنونها.

معه عاشت أجيال لبنانية طفولتها، ونضجها، ورأت نماذج لشخصيات، بقيت جزءاً من ضميرها. فمن ينسى جان فالجان في «البؤساء» المأخوذ عن الرواية الشهيرة لفيكتور هوغو؟ المسلسل الذي كان حضور أنطوان كرباج فيه عظيماً، قوياً لا بل كان جباراً. وهل يمكنه أن يمحو من ذاكرته ملامح القائد الروماني بعبستِه، وتجهمه في مسرحية «بترا» إلى جانب فيروز، الملكة التي خَطف لها ابنتها وبقي شامخاً لا يرتجف؟ هل هناك من يمكنه ألا ينتبه، إلى دور كرباج المهاب في مسلسل «بربر آغا» الذي كانت تنتظره الجماهير، لتسمع ذاك الصوت القوي الجهوري الذي لا يشبه أي نبرة أخرى؟ لا يمكن لمن حضر مسلسل «لمن تغني الطيور» أن يمحو من ذهنه صورة «المفتش» بنظرته الثاقبة، وحركاته المحسوبة.

مع ذلك، لم يكن أنطوان كرباج ممثلاً مدلَّلاً رغم مهارته الفذَّة، ولم يحاول أن يمتهن أي حرفة أخرى، تشغله عن تركيزه على التمثيل. الاحتفاء الخافت به كان يُشبه تواضعه الجمّ، وخفره الذي يخفي عبقرية، ما أن تدخل في ثوب شخصية حتى تتفجَّر اندماجاً في حناياها. هو لا شاغل له سوى هذا الإخلاص المذهل لأدواره التي يتنقِّل بينها، وكأنه يُعطي نفسه كلها.

لم يكن أنطوان كرباج ممثلاً عادياً (فيسبوك الفنان)

خلال عمره الفني الطويل، لم يتعب أنطوان كرباج من التمثيل، ميزته أن حضوره في أي عمل يؤدِّيه كان طاغياً، وأثره باقياً، واختياراته، تعكس حسّه العالي، وذوقه الثقافي الرفيع.

بدأ التمثيل في الجامعة، ومن ثَمَّ التحق، في مطلع الستينات من القرن الماضي، بمعهد المسرح الحديث التابع للجنة مهرجانات بعلبك الدولية، بإدارة المسرحي منير أبو دبس. وأصبح من الأعضاء المؤسسين للفرقة، التي لعبت دوراً ريادياً في نهضة الحركة المسرحية في لبنان.

وإذا كانت السينما قد عرفت أنطوان كرباج في أكثر من فيلم بينها «امرأة في بيت عملاق» و«الصفقة»، وكذلك أبدع في مسلسلاته التلفزيونية التي بقيت علامة فارقة في عمر الشاشة الفضية اللبنانية، فهو قبل كل شيء، ابن المسرح وعاشقه. على الخشبة كان أنطوان كرباج ملكاً. أدى أدواراً أساسية في مسرحيات كلاسيكية من الأدب العالمي، وكانت بحق تليق به. فقد قدم «ماكبث»، و«هاملت» لشكسبير، و«الملك يموت» لأوجين يونيسكو، ودور أورست في مسرحية «الذباب» لجان بول سارتر، وأوديب في مسرحية «أوديب ملكاً» لسوفوكليس.

ولعلَّ أكثر الأدوار تأثيراً عند المتفرجين هي تلك التي لعبها في مسرحيات الأخوين رحباني، اللذين أدركا موهبة كرباج، وأعطياه أدوراً بارزة في مسرحياتهم. فقد لعب دور فاتك المتسلط في مسرحية «جبال الصوان»، والملك غيبون في «ناطورة المفاتيح»، والمهرب في «يعيش يعيش»، والحرامي في «المحطة»، ومن ثَمَ مثَّل مع منصور الرحباني في مسرحيته «حكم الرعيان»، ودور البازرباشي في «صيف 840»، كما شاهدناه مع فرقة كركلا في مسرحية «بليلة قمر».

لعب كرباج دوراً رئيسياً في حركة النهضة المسرحية الحديثة (صفحته على فيسبوك)

من الصَّعب تعداد عشرات الأدوار المهمة التي لعبها أنطوان كرباج في حياته الفنية الحافلة، لكن من المؤكد أنه لعب دوراً رئيسياً في حركة النهضة المسرحية الحديثة، وفي إثراء المسلسلات التلفزيونية الكبيرة، وأنه كان أحد أهم الممثلين اللبنانيين في النصف الثاني من القرن العشرين.

وُلد أنطوان كرباج في بلدة زَبُّوغا في قضاء المتن عام 1935، وكان يُفترض أن يصبح أستاذاً في التاريخ أو الجغرافيا، لو بقي في مسار دراسته الجامعية، بيد أن التمثيل كان جزءاً من طفولته ومن ميوله العفوية، وهو يحاول صغيراً أن يُمثِّل اسكتشات أمام عائلته والأقرباء، ليكتشف أن التمثيل هو الطريق الوحيد الذي يستهويه، فيبدأ بمحاولاته المسرحية، ويلتحق بالتلفزيون في مطلع السبعينات، ويُصبح نجماً يتمنَّاه كل مخرج في عمل له يريده جاداً وحقيقياً، وقد التحق بالجامعة اللبنانية أستاذاً للتمثيل وخرَّج أجيالاً.

وزير الثقافة اللبناني الدكتور غطاس الخوري يقلد أنطوان كرباج «وسام الأرز الوطني برتبة ضابط» (الشرق الأوسط)

وقد كرمته الدولة اللبنانية ولو متأخرة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، عندما نظَّمت وزارة الثقافة «مهرجان لبنان الوطني للمسرح»، وحملت الدورة الأولى اسم أنطوان كرباج، لكن تعذَّر حضوره بسبب المرض، وقلَّده وزير الثقافة باسم رئيس الجمهورية ميشال عون آنذاك وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، تقديراً لعطاءاته الفنية والثقافية على مدى 40 عاماً.

وبسبب انفجار المرفأ في بيروت عام 2020، علِم اللبنانيون، أن نجمَهم يقبع في مستشفى الروم الذي أصيب بأضرار بليغة بسبب قربه الشديد من مكان الانفجار. انتشر يومها خبر إصابة أنطوان كرباج بألزهايمر، اضطرت بعدها عائلته لأن تُودعه مصحاً يعنى بحالته، ويوفر له الرعاية.

من حينها لم يغادر كرباج ذاك المكان. ومن المؤلم أن شريكته وزوجته الشاعرة والفنانة التشكيلية لور غريب التي وافاها الأجل حزينة عليه العام الماضي، لم يدرك غيابها. وها هو يلحق بها إلى دار الآخرة، وقد تركا إرثاً جميلاً لأولادهم الثلاثة: وليد، ورولا، ومازن.

وقد نعى كرباج فنانون كُثر وإعلاميون، تحدثوا عن التأثير الذي تركه في مسيرتهم، وعن الدور الجليل الذي لعبه. وكانت لافتة كلمة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، الذي كتب عن أنطوان كرباج أنه «كان بذاته صرحاً مكتملاً، كتابة وأداءً وإخراجاً، من صروح المسرح اللبناني في عصره الذَّهبي، تخفي عبستُه المعروفة على الشاشات طيبة داخلية صادقة، وحرصاً مهنياً راقياً، واهتماماً دؤوباً في موقع ذلك الفن الجميل وبمصالح أبنائه».


مقالات ذات صلة

أحدث صيحات الجمال وإطالة العمر... العلاج بالضوء الأحمر «حقيقة»

صحتك الأدلة العلمية تدعم بشكل متزايد الادعاء بأن العلاج بالضوء الأحمر يُحسّن ملمس البشرة ويُعزز نمو الشعر (بيكسلز)

أحدث صيحات الجمال وإطالة العمر... العلاج بالضوء الأحمر «حقيقة»

تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي والمتاجر ببرامج ومنتجات تعد بحياة أطول وجمال دائم، لكن الكثير منها مضلل، لكن بعض الحلول مثل الضوء الأحمر قد تقدم شيئاً مفيداً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني... إليكم القصة.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عاد من اتساع البرّ بسلام يُشبه النجاة (رويترز)

ذئب هارب يشغل كوريا... والنهاية سعيدة

عمَّت موجة من الفرح منصات الإنترنت في كوريا الجنوبية بعد القبض الآمن على ذئب في الثانية من عمره، كان قد فرَّ من حديقة حيوانات...

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

تفاعل الجمهور مع تجربة الدبلجة باللهجة اللبنانية بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان عائقاً أمام تطوُّر هذا القطاع.

فيفيان حداد (بيروت)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended