أكثر الجرائم واقعيةً... ومن الحب ما قتلَ غابي بيتيتو

وثائقي «نتفليكس» الجديد يروي تفاصيل مقتل الشابة العشرينية مستعيناً بفيديوهاتها

يعود وثائقي «نتفليكس» إلى تفاصيل مقتل الشابة الأميركية غابي بيتيتو عام 2021 (إنستغرام)
يعود وثائقي «نتفليكس» إلى تفاصيل مقتل الشابة الأميركية غابي بيتيتو عام 2021 (إنستغرام)
TT

أكثر الجرائم واقعيةً... ومن الحب ما قتلَ غابي بيتيتو

يعود وثائقي «نتفليكس» إلى تفاصيل مقتل الشابة الأميركية غابي بيتيتو عام 2021 (إنستغرام)
يعود وثائقي «نتفليكس» إلى تفاصيل مقتل الشابة الأميركية غابي بيتيتو عام 2021 (إنستغرام)

«الأشخاص الأكثر سعادةً على السوشيال ميديا، غالباً ما يخبّئون الهياكل العظميّة الأكثر سواداً في خزائنهم». عبارةٌ تفتتح بها صديقة غابي بيتيتو وبراين لوندري شهادتها في السلسلة الوثائقية «جريمة قتل أميركية: غابي بيتيتو» (American Murder: Gabby Petito) التي بدأ عرضها على «نتفليكس» قبل أسابيع.

وعلى قدر ما تحمل من تراجيديا، فإن هذه العبارة تختصر حقيقة ما حصل مع نجمة الوثائقيّ، الضحية الشابة غابي بيتيتو، التي أفلت عن 22 عاماً.

تعارفَ براين وغابي على مقاعد المدرسة الثانوية، وبعد عامَين على التخرّج ارتبطا عاطفياً، وانتقلت الشابة من نيويورك إلى فلوريدا للإقامة مع شريكها وعائلته.

بحلقاتها الثلاث، توثّق السلسلة التي تنتمي إلى فئة الجريمة الواقعية، للسنتَين اللتَين سبقتا اختفاء غابي الغامض ومقتلها المفجع، أي للفترة الممتدّة ما بين 2019 و2021.

تبدأ صدمات غابي بتوتّراتٍ بينها وبين والدة براين، إلا أنّ ذلك لا يحول دون خطوبة الثنائيّ عام 2020. بعيداً عن مدينتها وعائلتها، تعمل غابي لساعاتٍ طويلة في مطاعم ومتاجر من أجل جمع المال. تريد أن تشتري شاحنة صغيرة لتنطلق وبراين في رحلةٍ برّيّة عبر الولايات المتحدة، وتصوّر مغامراتهما. حلمُها الأكبر، أن تصبح مؤثّرة على وسائل التواصل الاجتماعي، يتابعها الملايين ليكتشفوا تفاصيل رحلاتها وأسفارها مع حبيبها.

خطوبة غابي بيتيتو (21 عاماً) وبراين لوندري (22 عاماً) في يوليو 2020 (نتفليكس)

أقوى ما في العمل أنه يسرد الحقيقة كما هي. يلتزم بالأحداث التي حصلت من دون أن يجمّلها أو يشوّهها. وسرعان ما تتضاءل صفاتُ الحب لدى براين، فهو يبدو متملّكاً وغيوراً ومتلاعباً. تصل به الرغبة في السطوة إلى درجة سرقة محفظة غابي وبطاقة هويّتها، للحؤول دون خروجها للسهر مع صديقتها.

توثّق السلسلة لكل تلك التفاصيل من خلال الرسائل النصية التي جرى تبادلُها بين غابي وبراين من جهة، وصديقتها وأهلها من جهةٍ ثانية. كما يستعين العمل التلفزيوني بشهادات الأصدقاء وأفراد العائلة، ولاحقاً بمسؤولين أمنيين تابعوا القضية.

تعارف براين وغابي في المدرسة وبعد التخرّج ارتبطا بعلاقة عاطفية (نتفليكس)

بعد عامٍ على الخطوبة، تحديداً في 2 يوليو (تموز) 2021، ينطلق غابي وبراين في رحلتهما. داخلُ الشاحنة البيضاء الصغيرة مجهّزٌ للاستراحة والنوم، ومزدانٌ بأثاثٍ بسيط وألوانٍ زاهية. بين محطةٍ وأخرى، تنشر غابي صوراً على «إنستغرام» توحي بأنّ كل شيءٍ على ما يرام بينهما. لا تفارق البسمة وجهها ولا القبلاتُ صورَهما معاً، لكن بعيداً عن «إنستغرام» الوضعُ مختلف.

بعد 41 يوماً على انطلاق الرحلة، يَرِدُ اتصالٌ إلى مركز الشرطة في بلدة مواب (ولاية يوتاه)، يفيد بأنّ شاباً يقود شاحنة صغيرة بيضاء، شوهدَ وهو يضرب الشابة الجالسة بجواره.

غابي بيتيتو أمام الشاحنة الصغيرة التي ابتاعتها بهدف السفر عبر الولايات الأميركية (نتفليكس)

بالفيديو والتفاصيل التي وثّقتها كاميرات الشرطة، يعود الوثائقي إلى تلك الحادثة التي بدت فيها غابي على شفير الانهيار التام، ومعرّضة لكدمات في أنحاء عدة من جسدها. إلّا أنّ الشرطة ترتئي فَصلَ الاثنين لليلةٍ واحدة بهدف التهدئة، بدل أن تغوص في استجواب براين.

وهنا، يطرح العمل التلفزيوني علامة استفهامٍ كبيرة حول جدّيّة دور السلطات الرسمية الأميركية في إنقاذ ضحايا العنف الأسَري.

يتابع الثنائيّ المسير نحو مصيرٍ غير مطَمئن. لكن رغم الأسى والإحباط والقلق، تحاول غابي مواصلة تصوير ومونتاج الفيديو الذي يروي الجزء الأول من الرحلة. تفضح بعضُ اللقطات غير المخصصة للنشر مدى التوتّر بينهما واستخفاف براين بمشروع خطيبته، بينما تظهر هي خانعةً ومتسامحةً معه، محمّلةً نفسها ذنب غضبه.

يبلغ التوتر ذروته في المشاهد التي التقطتها كاميرات المراقبة في السوبرماركت، حيث شوهد غابي وبراين للمرة الأخيرة معاً. بعد ذلك، اختفت غابي. نشرت صورتها الأخيرة في 26 أغسطس (آب) 2021، ثم غابت عن السمع والبصر. ما عادت تجيب على اتصالات والدتها، وعندما عادت رسائلُها النصيّة تَرِدُ إلى هاتف الأخيرة، بدت كأنّها ليست من كتابتها.

قدّم الأهل بلاغ اختفاءٍ إلى الشرطة التي بدأت البحث، واكتشفت أنّ براين عاد إلى بيت والدَيه في 11 سبتمبر (أيلول) 2021، وركنَ «الفان» الأبيض أمام المنزل. رفض التحدّث مع الشرطة وبقي بعيداً عن الأنظار، بينما أصرّت عائلته على عدم التعاون مع السلطات.

الصورة الأخيرة التي نشرتها غابي بيتيتو في صيف 2021 (إنستغرام)

في الأثناء، كانت قد تحوّلت قصة اختفاء غابي إلى قضية رأي عام ضجّت بها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. صبّ المواطنون غضبَهم على عائلة لوندري فتحوّل محيط المنزل إلى ساحة مظاهراتٍ يومية.

هنا كذلك، يطرح الوثائقي علامة استفهامٍ إضافية حول أداء السلطات الرسمية التي لم تكن حاسمة مع عائلة براين، رغم تصرّفاتها الغريبة والمشبوهة. فلم نشهد استجواباً واحداً معهم، ولا حتى محاولة استقصاءٍ للحقيقة.

عمليات البحث عن غابي بيتيتو في ولاية وايومينغ (نتفليكس)

في 19 سبتمبر (أيلول) 2021، وبعد أبحاثٍ مضنية واكبتها عدسات الصحافة، عثرت الشرطة على جثة بيتيتو في إحدى غابات وايومينغ. كان قد انقضى أكثر من 3 أسابيع على وفاتها، واتّضح أن السبب هو الخنق وكدمات في الرأس والعنق. في الأثناء، كان لوندري قد اختفى من جديد، ليُعثر على بقاياه منتحراً في 20 أكتوبر (تشرين الأول)، ورسالة اعترف فيها بقتل غابي «للتخفيف من آلامٍ كانت قد أصابتها بسبب سقطة تعرّضت لها».

ضمن قائمة مسلسلات الجريمة الواقعية، يتربّع American Murder: Gabby Petito في الصدارة. هو مشغولٌ بحِرَفيّة، بعيداً عن الإثارة والاستثمار العاطفي. لا يحتاج في أي لحظة إلى إعادة تمثيل، بل يستند إلى الوقائع كما هي، متسلّحاً بفيديوهاتٍ وصور حقيقية مثلما وثّقتها غابي والشرطة وقنوات التلفزة الأميركية. إلّا أنّ تلك المعالجة الواقعية لا تُفقدُه شيئاً من إنسانيّته ولا من عنصر الغموض.

يوم نشرت غابي بيتيتو الفيديو الأول من رحلتها التي كان من المفترض أن تمتدّ 4 أشهر، جمع 500 مشاهَدة فقط. أما اليوم فقد شاهدَه أكثر من 10 ملايين شخص. ربما كان قدرُ غابي أن تتحوّل إلى قتيلة، كي تصير النجمة التي لطالما حلمت بأن تصيرها.


مقالات ذات صلة

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

يوميات الشرق في فيلمها الجديد تخوض جنيفر لوبيز علاقة شائكة مع أحد موظّفيها (نتفليكس)

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

Office Romance على «نتفليكس»، والذي يصنّف نفسه كوميديا رومانسيّة، يسجّل صفر أهداف في شباك كلٍ من الكوميديا، والرومانسية، وأسباب ذلك كثيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثلة ليلي كولنز تعلن انطلاق تصوير الموسم الأخير من «إميلي في باريس» (نتفليكس)

إميلي الباريسيّة تختتم رحلتها في اليونان... هل يعود الحب إلى الحبيب الأول؟

أعلنت الممثلة ليلي كولنز أنها بصدد إنجاز الموسم الأخير من مسلسلها الشهير «إميلي في باريس»، كاشفةً و«نتفليكس» أنّ التصوير جارٍ حالياً في اليونان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)

المشاهدون الصغار... ثروةٌ تتسابق المنصات على استقطابها

على قاعدة «فُز بهم صغاراً لتكسبَهم كباراً ولتفوز بأهاليهم كذلك»، تركز المنصات على المحتوى الخاص بالأطفال. وأثبتت الأرقام أنهم أوفياء لما يشاهدون أكثر من الكبار.

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد شعار «نتفليكس» معروض في فعالية «لوكا كومكس آند جيمز 2025» في مدينة لوكا الإيطالية (رويترز)

«نتفليكس» أنفقت 135 مليار دولار على الأفلام والمسلسلات خلال العقد الماضي

قالت شركة «نتفليكس» اليوم (الثلاثاء) إنها استثمرت أكثر من 135 مليار دولار في المسلسلات التلفزيونية والأفلام خلال العقد الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
يوميات الشرق شعار شركة «نتفليكس» على أحد مبانيها في حي هوليوود بمدينة لوس أنجليس (رويترز)

ولاية تكساس تتهم «نتفليكس» بالتجسس على الأطفال

رفع المدعي العام لولاية تكساس دعوى قضائية يتهم فيها شركة «نتفليكس» بالتجسس على الأطفال، والمستخدمين الآخرين من خلال جمع بياناتهم دون موافقتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».