الدراما اللبنانية تُنافس رمضانياً بعد غياب... وتتخطّى «المُشترك»

«بالدم» يُثبت استحقاقها للفرصة و«نَفَس» بانطلاقة «باردة»

العودة إلى تقييم أكثر اكتمالاً مسألةُ وقت («بالدم» و«نَفَس»)
العودة إلى تقييم أكثر اكتمالاً مسألةُ وقت («بالدم» و«نَفَس»)
TT

الدراما اللبنانية تُنافس رمضانياً بعد غياب... وتتخطّى «المُشترك»

العودة إلى تقييم أكثر اكتمالاً مسألةُ وقت («بالدم» و«نَفَس»)
العودة إلى تقييم أكثر اكتمالاً مسألةُ وقت («بالدم» و«نَفَس»)

يُنافس مسلسل «بالدم» على مستويين: الأول لتصدُّر المراتب، والثاني لإثبات عودة مُستحَقّة للدراما اللبنانية بعد غياب. فالعمل المشغول لبنانياً تماماً، يشاء أن يُلقِّن درساً بأنه الأوان لاستعادة الثقة بالصناعة الدرامية المحلّية بعد انكسارات. أعوامٌ قضت على استبعادها كأنها لم تتألّق يوماً ولم تُحقّق ما يُبهج المستثمرين والصنَّاع. استُبعدت كما يحصل حين يتكاثر الجلّادون فوق ضحية ويحيلونها على العقاب ودفع الثمن. يُعلن «بالدم» أنّ المُرَّ بدأ يمرُّ، وهذه الصناعة جديرة بفرصة.

يُعلن «بالدم» أنّ الدراما اللبنانية جديرة بفرصة (ماغي بو غصن في المسلسل)

اعتدنا انتظار المُشتَرك في الموسم الرمضاني؛ وهذه التسمية درجت منذ تحوُّل الدراما اللبنانية - السورية واقعَ حال. والمُشتَرك كان عادةً بطلةً لبنانية مع بطل سوري، يتحابان وتحوم حولهما مشكلات تُشكِّل الأحداث. ولطالما كان مستغرباً تكوُّن العائلة من أفراد يتحدّثون لهجتين بذريعة أنّ الأم من بلد والأب من آخر. في العموم، طغى «الفايك». وهذه التركيبة المُعدَّة لتُسوَّق بما يتجاوز الخريطة الواحدة، انتُقدت لتعذُّر خلوّها من الثغر. حتى إنَّ وجوهاً من لبنان وسوريا، حين وُضعوا في سياق مختلف، وسُلَّموا أدواراً تُشبه بيئاتهم، برعوا. «الترقيع» أضرَّ بروح المشهد وكرَّس التصنُّع.

«بالدم».. بداية موفَّقة

في هذا الموسم الرمضاني، تقول الدراما اللبنانية كلمتها. حضورها ليس شكلياً؛ أي أنه يتجاوز التفاخُر المجاني بأنّ هناك مسلسلاً لبنانياً بين المسلسلات بصرف النظر عن نوعيته. تُبيّن الحلقات الأولى أنه نوعٌ أيضاً. لم يُقدَّم «زيادة عدد» ولا «رفع عتب».

حتى الآن جميع المَشاهد في محلِّها (رفيق علي أحمد وجوليا قصار في «بالدم»)

تتصاعد الأحداث على وَقْع تشويقي. وهو من الأعمال المُشاهَدة برغبة في متابعة الحلقة من الشارة إلى الجنيريك. حتى الآن، جميع المَشاهد في محلِّها. لا حشو، لا افتعال. وجميع الشخصيات تلمع بأدوارها. والحكاية، إن يؤخَذ على مؤلِّفتها نادين جابر اكتفاؤها بالإشارة إلى أنها مقتبسة عن قصة حقيقية، من دون ذِكر المصدر؛ فإنها مؤثّرة، مشوّقة، ممسوكة، لا تضيّع وقت المُشاهد بما لا يُقدِّم ولا يؤخّر ضمن السياق. جابر ماهرة، وباتت مُنتظَرة. نصوصها تلتقط الأنفاس.

مُبكر التقييم لكنَّ البداية مُبشِّرة (ماريلين نعمان في «بالدم»)

مُبكر التقييم، لكنَّ البداية مُبشِّرة. تكتشف «غالية» (ماغي بو غصن) بعد 45 عاماً بأنها مجهولة الأبوين بعدما تبيَّن أنَّ مَن ربّياها ليسا والديها. «بالدم» عما يبقى في الإنسان حين تغدره الجذور. وعن الهوية الضائعة وسؤال «مَن أنا؟». يؤدّي ممثلون الأدوار بإتقان أمام كاميرا المخرج فيليب أسمر: بو غصن وباسم مغنية وبديع أبو شقرا وجيسي عبده ورلى بقسماتي وماريلين نعمان وسعيد سرحان ووسام فارس وسنتيا كرم، مع آخرين أمام الأسماء المُكرَّسة: رفيق علي أحمد وجوليا قصار ونوال كامل وسمارة نهرا وكارول عبود... الإنتاج لـ«إيغل فيلمز» المُغامِرة والواثقة بالمُغامَرة.

ليس المسلسل «زيادة عدد» ولا «رفع عتب» (جيسي عبده ولرلى بقسماتي في «بالدم»)

«نَفَس»: انطلاقة «باردة»

كان الظنُّ أن تركيبةً ثلاثيةً مؤلَّفةً من دانييلا رحمة وعابد فهد ومعتصم النهار ستترك وَقْعاً أعمق. الحُكم مُبكر. الحلقات الثلاث الأولى تُبيّن أنّ الوَقْع هشّ. حتى الآن، القصة (إيمان السعيد) تحوم حول أحداثها ببطء. بانتظار الآتي، لا نزال نترقّب الحدث المفاجئ أو المنعطف المؤثّر على السياق. التشويق يتأخّر. تعبُر التطوّرات على مهل، مُقدّمةً، في عزّ الحماوة الدرامية، انطلاقةً «باردة».

دانييلا رحمة تجتهد ومع ذلك ثمة ما يفلتُ من يديها (لقطة من «نَفَس»)

عابد فهد أثبت مكانةً بين النجوم، لكنَّ بعض خياراته ليس من الأفضل. تَقدُّم حلقات «نَفَس» سيُبيِّن إن كان هذا المسلسل من الخيارات الصائبة أم الخاطئة. وإنما ما تشير إليه شخصية «أنسي الرمال» حتى الآن، لا يُبشِّر بأنها تتفوّق. ضحكاتٌ تفتقر الإقناع والدور ينطلق بلا لمعة. الوقت مُبكر لحسم الحُكم، وهذا مؤكد. لكنّ الانطباع الأول يصنع الفارق. والبداية تقول كثيراً عما ينتظرنا؛ بداية الأحداث أو ملامح الشخصيات، وإن كان يؤمَل من الانطلاقة المتواضعة شدّ الهِمَّة للَّحاق والتقدُّم.

عابد فهد أثبت مكانةً لكنَّ بعض خياراته ليس من الأفضل (لقطة من «نَفَس»)

الحلقات الثلاث الأولى بيَّنت دانييلا رحمة تجتهد من أجل شخصيتها، ومع ذلك ثمة ما يفلتُ من يديها. بأدائها شخصية «روح» الضريرة، تنتقل إلى جديد تعهده للمرة الأولى، وهذه جرأة تُحسَب لها، لكنها، لوهلة، تتسرَّب منها، ثم فجأة تلتقطها؛ وهكذا دواليك. لا يبقى هذا الإمساك التام طوال الوقت. ويغلُب أيضاً انطباع بأنها شخصية «ساذجة». «طفولية» جداً. وإن كان المقصود إظهار النقاء نقيضاً لقسوة العالم، فذلك غيره غلبة «البراءة». ننتظر الآتي لإزاحة هذه الانطباعات أو تأكيدها.

ومعتصم النهار، حتى الآن، بدورٍ عهده. شخصية «غيث السبع» لم تكشف أوراقها بعد، بانتظار تحوُّل المسلسل إلى ساحة صراع بين عاشقين على امرأة واحدة. تلمع إلسا زغيب بين الأدوار العادية، ويبدو أنها تُخبّئ إعصاراً. مشاعر فوّارة هي خليطُ الهوس والحبّ والانتقام والسعي إلى الاستحواذ. ومع غبريال يمّين بشخصية والدها، يقذفان كرة نار باتجاه الماضي والتسلُّط والأخطاء.

معتصم النهار حتى الآن بدورٍ عهده (لقطة من «نَفَس»)

يُحسب للمسلسل (إنتاج «الصبّاح أخوان» وإخراج إيلي السمعان) تناوله فكرة المسرح المُغيَّبة عادةً في الدراما اللبنانية والمشتركة، وجعله من البُعد الفنّي (رقص) خلفية لخطوط وسياقات. يطلّ إيلي متري بشخصية المُخرج، ويُبيّن حتى الآن أداء عفوياً. البطولة أيضاً لجوزيف بو نصار ونهلا داود بدور والدَي «روح»؛ الأب حاضن والأم مُهيمنة، مع رانيا عيسى ووسام صبّاغ (يبشِّران بثنائية عاطفية)، وحسين مقدّم وميا علّاوي وروزي الخولي، مع المكرَّسين: أحمد الزين ووفاء موصللي وختام اللحام. العودة إلى تقييم أكثر اكتمالاً، مسألةُ وقت.


مقالات ذات صلة

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

يوميات الشرق أتقن جوان رَسْم ملامح «فجر» وقدَّم مشهديات صامتة (مشهد من «تحت سابع أرض»)

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

أتقن الممثل السوري جوان خضر رَسْم ملامح «فجر» في مسلسل «تحت سابع أرض» الرمضاني وقدَّم مشهديات صامتة أغنت الحوار. نطق بعينيه. شخصية مُركَّبة حملت أكثر من تفسير.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق في فيلم «نهاد الشامي» تُجسّد جوليا قصّار شخصية الحماة المتسلّطة (إنستغرام)

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

ترى جوليا قصّار أنّ مشاركة باقة من الممثلين في المسلسل أغنت القصّة، ونجحت نادين جابر في إعطاء كل شخصية خطّاً يميّزها عن غيرها، مما ضاعف حماسة فريق العمل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حسن عسيري خلال استضافته المطرب إيهاب توفيق (الشرق الأوسط)

حسن عسيري يستحضر حسَّه الكوميدي في برنامجه «بروود كاست»

في حواره مع «الشرق الأوسط» تحدّث الفنان والمنتج السعودي حسن عسيري عن كواليس برنامجه «بروود كاست».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

من مصر إلى لبنان وسوريا مروراً بالخليج، جولة على أكثر أغاني المسلسلات جماهيريةً واستماعاً.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير.

فاطمة عبد الله (بيروت)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».