روبرت دي نيرو رئيساً لأميركا بذهنٍ مشوّش

الممثل المخضرم يخوض بطولته التلفزيونية الأولى في «Zero Day»

يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)
يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)
TT

روبرت دي نيرو رئيساً لأميركا بذهنٍ مشوّش

يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)
يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)

يكفي أن يتصدّر اسم روبرت دي نيرو مسلسلاً جديداً على «نتفليكس» حتى يهرع الجمهور إلى اكتشافه، وإيصاله بالتالي إلى المرتبة الأولى في قائمة الأعمال الأكثر مشاهدةً على المنصة. لا غرابة في أن تصنع أسطورةٌ مثل دي نيرو مجد مسلسل، حتى وإن لم تتوفّر عناصر المجد في العمل التلفزيوني نفسه.

بعد مسيرةٍ امتدّت 60 عاماً في السينما، يدخل الممثل الأميركي عالم المسلسلات التلفزيونية للمرة الأولى من باب بطولة «Zero Day» (اليوم صفر) في الـ81 من عمره، يؤدّي دي نيرو شخصيةً متخيّلة لرئيسٍ أميركيٍّ سابق يُدعى «جورج مولان».

يُمضي مولان تقاعداً هادئاً في منزله الخلّاب في إحدى ضواحي نيويورك الخضراء. يبدأ يومه بتناول أدويته، ثم السباحة، والجري مع كلبه. وبعد الجلوس إلى مائدة الفطور، ينتقل إلى مكتبه محاولاً استجماع أفكاره ومدوّناته لكتابة مذكّراته. تبدو المهمة صعبة، فمنذ المشهد الأول، يُصوَّر مولان على أنّ حالته الذهنية ليست سليمة، وأفكاره مشوّشة.

لكنّ الواجب الوطني يعود لينتزعه من عزلته وضياعه، بعد أن تضرب الولايات المتحدة الأميركية هجمةٌ سيبرانية تستهدف قطاع الكهرباء والاتصالات، وتسفر عن وفاة أكثر من 3400 شخص في حوادث طيران ومرور وأعطالٍ استشفائية.

ملصق مسلسل «Zero Day» من بطولة روبرت دي نيرو (نتفليكس)

بصفتِه قاضياً ورئيساً سابقاً، يُستدعى مولان من قِبَل خلفه، الرئيسة «إفلين ميتشل»، لترؤس هيئة تحقيقٍ بما جرى خلال «اليوم صفر». يلبّي النداء، لا سيّما أن الجهة المعتدية هدّدت بتكرار السيناريو ذاته، موجّهةً رسائل تحذير إلى هواتف الأميركيين جميعاً.

ينتمي المسلسل إلى فئة الإثارة السياسية، وهي خانةٌ دراميّة تستثمر فيها «نتفليكس» الكثير؛ منذ أولى إنتاجاتها الأصليّة House of Cards، مروراً بـThe Diplomat، وThe Recruit، وليس انتهاءً بـThe Night Agent.

الممثلة أنجيلا باسيت في دور رئيسة الولايات المتحدة في مشهد يجمعها بدي نيرو (نتفليكس)

من الواضح أنّ الرهان الأكبر هو على كاريزما روبرت دي نيرو وخبرته. يملأ الرجل مكانه ويمنح المشاهدين انطباعاً بالثقة. بينه وبين شخصية الرئيس مولان شبهٌ كبير لناحية الرصانة والشعبيّة. وهو ليس لاعباً منفرداً على الشاشة، بل إنه محاط بمجموعة من الممثلين المخضرمين. إنما لا يستطيع أي واحدٍ منهم أن يسلبه الضوء، إذ يشكّل دي نيرو العمود الفقري للسلسلة القصيرة المكوّنة من 6 حلقات.

تدور في فلكه مجموعة من الشخصيات. إضافةً إلى الرئيسة ميتشل، يعاونه مساعده الخاص «رودجر» ذو السلوك الغامض، ومديرة مكتبه «فاليري». كما تبرز في المسلسل الممثلة جوان ألن بدور زوجة مولن القاضية الطموحة «شيلا».

الرئيس مولان محاطاً بجزء من فريق التحقيق بأحداث «اليوم صفر» (نتفليكس)

ليست المهمة الموكلة إلى الرئيس مولان سهلة على الإطلاق، فهي تضعه في مواجهةٍ مع ماضيه الغامض، والذي تتّضح ملامحه مع مرور الحلقات. كما يتسبّب له منصبه المستجدّ بعداواتٍ مع شخصياتٍ سياسية، من بينها ابنته «أليكس»، وهي عضو في الكونغرس.

تتأرجح الحبكة بين جدّيّة مولان وسعيه الحثيث لانتشال البلاد من الخطر، وانفصاله المتكرّر عن الواقع. غالباً ما تجتاح الرجل رؤىً وأصوات لا يراها أحدٌ سواه، وكأنه على شفير مرضٍ نفسيّ أو خرفٍ مبكر. يضيف هذا الوضع لغزاً إلى اللغز الأساسيّ.

أليكس ابنة مولان وهي عضو في الكونغرس الأميركي (نتفليكس)

تشير أصابع الاتهام بدايةً إلى عملاء من روسيا، لكن سرعان ما تتّجه الأنظار إلى قراصنة الإنترنت، وحيتان الشركات الرقمية الناشئة. في غرفٍ خفيّة، وبواسطة أساليب متطوّرة، تخطّط مجموعة من عباقرة التكنولوجيا لإدخال أميركا في العتمة والفوضى، بغية تحميل المسؤولية للسلطة الحاكمة. رغم عناصره المتخيّلة، لا يبدو هذا السيناريو بعيداً جداّ عن الواقع وسط ما تعيشه البشريّة من تحكّمٍ للتكنولوجيا بيوميّاتها ومصيرها. وفي الأمر تلميحٌ كذلك إلى الدور المحوريّ الذي بات يلعبه كبار التكنولوجيا، أمثال إيلون ماسك، ومارك زوكربرغ داخل الإدارة الأميركية.

يتضح تورّط أصحاب الشركات التكنولوجية الناشئة في الأحداث (نتفليكس)

يقف كلٌ من إريك نيومان ونوا أوبنهايم ومايكل شميت وراء قصة المسلسل، وهم جميعهم أصحاب خبرة في مجال الصحافة الإخباريّة السياسية. شميت مراسل لصحيفة «نيويورك تايمز»، أما أوبنهايم فأمضى سنوات منتجاً تلفزيونياً في شبكة «إن بي سي»، فيما عُرف نيومان بمسلسلاته الناجحة على رأسها «ناركوس». إلّا أنّ ذلك لا يحصّن النص ضد الانزلاق في السطحيّة والركاكة. وما يزيد الأمر سوءاً، تلك السرديّة غير المنطقية والمتردّدة في الذهاب إلى عمق الأمور.

تعاني حبكة «Zero Day» من تشعّباتٍ كثيرة ومواضيع متداخلة لا يأخذ أيٌ منها حقّه الكامل في المعالجة الدراميّة. يكاد المُشاهد يتوه ما بين صراع مولان الشخصي والذهني، وسعيه لكشف لغز الهجمات، وما يُضاف إلى ذلك من حربٍ صامتة بين أصحاب النفوذ التكنولوجي الشباب، والطبقة السياسية المتقدّمة في السنّ، إلى جانب سطوة الإعلاميين الجدد الذين يبثّون الأخبار المضلّلة عبر فيديوهات وبرامج بودكاست.

يدخل إلى السرديّة الإعلاميون الجدد المتهمون بتضليل الرأي العام (نتفليكس)

كثرت المواضيع، فكادت أن تُحرق طبخة المسلسل، لولا حضور روبرت دي نيرو الآسر. ربما يبدو أحياناً متخففاً من كامل طاقته التمثيليّة المعهودة، لكنّ الشخصية تقتضي هذا التأرجح بين الغموض والشرود حيناً، والصرامة والقسوة الوحشيّة أحياناً.

في حديثٍ مع وكالة «رويترز»، قال دي نيرو إنّ شخصية مولان ذكّرته قليلاً بالرئيس الأميركي السابق جو بايدن. مع أنّ المسلسل يتجنّب الخوض في التسميات ولا يحدّد انتماءات شخصياته السياسية، أكانت جمهورية أم ديمقراطية، إلّا أنّ التشابه ملحوظ بين مولان وبايدن. فالاثنان واجها تحدياتٍ صحية وذهنية أرغمتهما على الاعتزال السياسي وعدم الترشّح لولاية رئاسية ثانية. وكما مولان، فإنّ بايدن خسر أحد أولاده في سنّ مبكّرة.

في حديث لـ«رويترز» قال دي نيرو إن شخصية مولان ذكرته بجو بايدن (نتفليكس)

على هفواته ونواقصه وانزلاقاته، يبقى «Zero Day» مُشاهَدة سريعة وممتعة، تغتني بحضور روبرت دي نيرو الذي يمنح المسلسل نبضه رغم أعوامه الثمانين.


مقالات ذات صلة

«وارنر براذرز» تُجدد رفضها عرض استحواذ «باراماونت» وتتمسك بصفقة «نتفليكس»

الاقتصاد شعارا «باراماونت» و«وارنر براذرز» (رويترز)

«وارنر براذرز» تُجدد رفضها عرض استحواذ «باراماونت» وتتمسك بصفقة «نتفليكس»

جدّدت «وارنر براذرز ديسكفري» رفضها أحدث عروض الاستحواذ المقدمة من «باراماونت»، موجهة رسالة حازمة لمساهميها بضرورة التمسك بالعرض المنافس المقدم من «نتفليكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

في 2025 استعادت منصات البثّ بعضاً من تألّقها، بفضل مسلسلات شكّلت مفاجأة للجمهور والنقّاد. اخترنا لكم 7 من بين الأفضل.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق إميلي تتنقّل بين روما وباريس في الموسم الخامس من المسلسل (نتفليكس)

«إميلي» تعثَّرت في روما فمدَّت لها باريس حبل الإنقاذ

في الموسم الخامس من مسلسل «Emily in Paris»، الأزياء المزركشة والإعلانات التجارية تحتلُّ المساحة الكبرى.

كريستين حبيب (بيروت)
رياضة عالمية نتفلكس تعتزم إطلاق لعبة محاكاة كرة قدم خلال صيف 2026 (أ.ب)

«نتفلكس» تطلق لعبة كرة قدم جديدة بالتزامن مع كأس العالم

تعتزم شبكة نتفليكس إطلاق لعبة محاكاة كرة قدم «فيفا» عبر منصتها للألعاب خلال صيف 2026، بالتزامن مع كأس العالم المقررة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
يوميات الشرق «مستر بين» بحلّة جديدة... لقاء الكوميديا الخفيفة بالمعاني الإنسانية العميقة

«مستر بين» بحلّة جديدة... لقاء الكوميديا الخفيفة بالمعاني الإنسانية العميقة

عودة ميلاديّة للممثل روان أتكينسون، وشريكُه في البطولة رضيعٌ ساعده الذكاء الاصطناعي في التمثيل.

كريستين حبيب (بيروت)

غرف الانتظار المقلقة... كيف تحمي أعصابك في أكثر اللحظات توتراً؟

ما الذي يمكنك فعله لتجاوز هذه المواقف الضاغطة المرتبطة بالانتظار؟ (بكسلز)
ما الذي يمكنك فعله لتجاوز هذه المواقف الضاغطة المرتبطة بالانتظار؟ (بكسلز)
TT

غرف الانتظار المقلقة... كيف تحمي أعصابك في أكثر اللحظات توتراً؟

ما الذي يمكنك فعله لتجاوز هذه المواقف الضاغطة المرتبطة بالانتظار؟ (بكسلز)
ما الذي يمكنك فعله لتجاوز هذه المواقف الضاغطة المرتبطة بالانتظار؟ (بكسلز)

إذا شعرتَ يوماً بالقلق في غرفة الانتظار، فأنت لست وحدك بالتأكيد. ولا يقتصر هذا الشعور بالضرورة على غرف الانتظار في عيادات الأطباء، رغم أنها من أكثر الأماكن شيوعاً لإثارة القلق.

فانتظار إصلاح سيارتك من دون معرفة الوقت الذي سينتهي فيه الميكانيكيون، أو الجلوس في منطقة انتظار بمطعم مزدحم، قد يثير مشاعر التوتر والانزعاج الجسدي، وحتى الرغبة في المغادرة فوراً.

فما الذي يمكنك فعله لتجاوز هذه المواقف الضاغطة المرتبطة بالانتظار؟ إليك مجموعة من النصائح التي قد تساعدك على تخفيف القلق والتعامل مع هذه اللحظات، بحسب مجلة «هيلث».

اصطحب شخصاً تثق به

وجود فرد من العائلة أو صديق مقرّب إلى جانبك يمكن أن يقلل الشعور بالوحدة ويخفف الإحساس بأنك محاصر. فحضوره يمنحك طمأنينة، كما يتيح لك الخروج لاستنشاق بعض الهواء أو استخدام الحمام من دون القلق من أن يُنادى على اسمك وأنت غير موجود.

وفي حال كنت تنتظر موعداً طبياً، يمكن لهذا الشخص أن يكون داعماً لك أو متحدثاً باسمك عند الحاجة.

احرص على إشغال نفسك

وجود ما يشغلك بعيداً عن فكرة الانتظار يساعد كثيراً في تحويل انتباهك وتهدئة أعصابك وخفض معدل ضربات القلب. يمكنك إحضار كتاب أو مجلة، دفتر للرسم، لعبة صغيرة لتفريغ التوتر، أو حتى علكة للمضغ.

وإذا كانت الموسيقى تساعدك على الاسترخاء، فاحرص على إحضار سماعات. أما إذا كانت الأصوات تزيد توترك، فيمكنك استخدام سدادات الأذن أو سماعات عازلة للضجيج.

التخيل الإيجابي

ذكّر نفسك بأن هذه اللحظة مؤقتة ولن تدوم. حتى وإن بدا الوقت وكأنه توقف، فإن الزمن يمضي كالمعتاد.

حاول أن تتخيل نفسك بعد انتهاء الانتظار، واستشعر في جسدك شعور الارتياح الذي سيأتي لاحقاً.

كما يمكنك تدريب نفسك مسبقاً على تخيل «مكان آمن» تلجأ إليه ذهنياً عند الشعور بالقلق، كشاطئ هادئ، أو غابة تحبها، أو حتى عالم خيالي مفضل لديك. خذ نفساً عميقاً ودع الإحساس بالهدوء يملأك.

تدرّب على تقنيات التنفس مسبقاً

تقنيات التنفس فعّالة، لكن تجربتها للمرة الأولى أثناء التوتر قد تكون صعبة. لذلك، من الأفضل التدرب عليها في الأيام التي تسبق وجودك في موقف انتظار.

عندها، عندما تحتاج إليها، ستكون واثقاً من قدرتك على استخدامها وملمس أثرها المهدئ على الجسد والعقل.

الحوار الإيجابي مع النفس

التعامل بلطف مع نفسك في لحظات القلق يفتح الباب للهدوء. فالكلام الإيجابي مع الذات وسيلة قوية للتكيف مع المواقف الضاغطة.

بدلاً من التفكير: «لماذا أشعر دائماً بهذا التوتر؟ يجب أن أكون أقوى»، حاول أن تقول لنفسك: «هذا صعب، لكنني لست وحدي. هذا الشعور سيمر، وأنا أقوى مما أظن. ولست محاصراً تماماً، أستطيع النهوض إذا احتجت».

اصطحب معك لمسة من الطبيعة

وجود عناصر طبيعية في أماكن الانتظار ثبت أنه يخفف القلق. لكن إذا كنت في غرفة خالية من النباتات أو النوافذ، يمكنك جلب الطبيعة معك.

احفظ على هاتفك صوراً لمناظر طبيعية أو نباتات جميلة، أو مقاطع فيديو لحيوانات أو أحواض أسماك. مشاهدة هذه المشاهد قد تساعد على خفض ضغط الدم وتعزيز الشعور بالهدوء.


إعلان الفائزين بأفرع «جائزة الملك فيصل 2026»

من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)
من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)
TT

إعلان الفائزين بأفرع «جائزة الملك فيصل 2026»

من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)
من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)

أعلنت الأمانة العامة لـ«جائزة الملك فيصل» عن أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لعام 2026 خلال حفل أقيم مساء الأربعاء في الرياض، بحضور الأمير تركي بن فيصل رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

وأوضح الأمين العام الدكتور عبد العزيز السبيل أن لجنة الاختيار لجائزة «الدراسات الإسلامية» قرَّرت منحها، بالاشتراك، لكل من: رئيس مجلس إدارة شركة الفوزان، الشيخ عبد اللطيف الفوزان نظير اعتماده منهجية متميزة للعمل الخيري تتمثل في دعم المبادرات النوعية المرتبطة بالاحتياجات التنموية، وتأسيسه «وقف أجواد» ليكون الذراع المجتمعي لإنشاء وتطوير المبادرات الإنسانية، والأستاذ بجامعة الأزهر الدكتور محمد أبو موسى من مصر، نظير تأليفه أكثر من ثلاثين كتاباً في تخصص اللغة العربية، ولا سيما البلاغة المعنية بإيضاح إعجاز القرآن الكريم، وعضويته التأسيسية في هيئة كبار العلماء بالأزهر، ومشاركته في كثير من الندوات والمؤتمرات العلمية الدولية، وعقده أكثر من ثلاثمائة مجلس في الجامع الأزهر لشرح كتب التراث، وعمله على ترسيخ الهوية الثقافية لدى الشباب.

وفي فرع «الدراسات الإسلامية»؛ قررت اللجنة منح الجائزة لهذا العام 2026، في موضوعها «طرق التجارة في العالم الإسلامي»، بالاشتراك لكل من: الأستاذ في جامعة الفيوم بمصر الدكتور عبد الحميد حمودة، نظير تقديمه أعمالاً علمية متكاملة اتسمت بالشمولية والتحليل الموضوعي، وغطت طرق التجارة البرية والبحرية وشبكاتها وتفرعاتها في مناطق شملت المشرق الإسلامي، والعراق وبلاد فارس، والجزيرة العربية، وبلاد الشام، ومصر، والصحراء الكبرى، والأستاذ في الجامعة الهاشمية بالأردن الدكتور محمد حسين، لاتسام أعماله بقيمة علمية عالية وأصالة ميدانية واضحة، استندت إلى مسوحات أثرية مباشرة مدعومة بتوثيق إحداثي دقيق باستخدام نظم تحديد المواقع (GPS)، مع خرائط تحليلية تفصيلية عززت موثوقية النتائج، وتميز منهجه بالربط بين النص القرآني والمعطيات الجغرافية والميدانية، بما قدم قراءة علمية متوازنة لطريق الإيلاف المكي في سياقه الجغرافي والتاريخي، وعدَّ عمله إضافة نوعية في توثيق طرق التجارة المبكرة في شبه الجزيرة العربية.

أما جائزة «اللغة العربية والأدب» وموضوعها «الأدب العربي باللغة الفرنسية»، فمنحت للأستاذ بجامعة إيكس-مارسيليا في فرنسا البروفسور بيير لارشيه، لتقديمه الأدب العربي لقراء الفرنسية بإبداع وجدة جعلاه محل تقدير النقاد والعلماء المختصين، ومنهجيته العلمية عالية المستوى في دراسته للشعر العربي القديم، وتقديمه بما يلائم سياق الثقافة الفرنسية، وامتلاكه مشروعاً نقدياً تمثل في ترجماته الفرنسية للمعلقات ودراسته للشعر الجاهلي برصانة علمية.

كما منحت جائزة «الطب»، وموضوعها «الاكتشافات المؤثرة في علاجات السمنة» للأستاذة بجامعة روكفلر بالولايات المتحدة البروفسورة سفيتلانا مويسوف، نظير عملها الرائد في اكتشاف ببتيد شبيه الغلوكاغون (GLP-1) النشط بيولوجياً بوصفه هرموناً ذا مستقبلات في البنكرياس والقلب والدماغ لدى الإنسان، وتوظيفها تقنيات متقدمة وحديثة في الكيمياء الحيوية للببتيدات، وتقديمها دراسات فسيولوجية دقيقة أبانت أن هذا الهرمون محفز قوي لإفراز الإنسولين، وقد أسهمت هذه الاكتشافات في تطوير فئة جديدة من العلاجات لمرض السكري والسمنة.

وفي «العلوم»، قررت اللجنة منح الجائزة وموضوعها «الرياضيات» للأستاذ في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة البروفسور كارلوس كينيغ، لإسهاماته الرائدة في التحليل الرياضي، التي أسهمت في إحداث تحول عميق في فهم المعادلات التفاضلية الجزئية غير الخطية، وتوفير مجموعة من التقنيات الرياضية التي أصبحت اليوم شائعة الاستخدام، وفتح أعماله آفاقاً جديدة للبحث، مع بروز تطبيقاتها في مجالات متعددة، منها ميكانيكا الموائع، والألياف الضوئية، والتصوير الطبي.

وأعربت الأمانة العامة لجائزة الملك فيصل عن خالص التهاني للفائزين وامتنانها العميق لعضوات وأعضاء لجان الاختيار والخبراء والمحكمين لما تفضلوا به من جهد كبير وعمل متميز، مزجية الشكر لكل من تعاون معها من الجامعات والمنظمات والمؤسسات العلمية.


«لوميناريا» يشتبك مع أحلام وإحباطات المرأة

لكل إنسان إضاءاته لكن عليه أن يكتشفها (الشرق الأوسط)
لكل إنسان إضاءاته لكن عليه أن يكتشفها (الشرق الأوسط)
TT

«لوميناريا» يشتبك مع أحلام وإحباطات المرأة

لكل إنسان إضاءاته لكن عليه أن يكتشفها (الشرق الأوسط)
لكل إنسان إضاءاته لكن عليه أن يكتشفها (الشرق الأوسط)

للفن قدرة على استحضار المشاعر المختلفة، وخلال ذلك يكون للإضاءة تأثير طاغٍ عليها، من هنا يحتفي الفنانون بتجسيد الضوء في لوحاتهم؛ ويستخدمونه كرمز لأفكارهم، وأحياناً يعتبرونه وسيلة لخلق مشاهد تحكي قصصاً زاخرة بالأحاسيس.

ويتجلى هذا التقدير للضوء في أحدث معارض التشكيلية المصرية جيهان فايز، رئيسة قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا (جنوب مصر).

في لوحاتها بالمعرض المقام في غاليري «بيكاسو» بعنوان «لوميناريا»، تقدم فايز عالماً دافئاً تنسجه حكايات خيالية، ذات نزعة صوفية جسدتها بأسلوب أكاديمي رصين، يتمتع بحلول جديدة، وصياغات تشكيلية غنية.

الفنانة المصرية جيهان فايز

وكان الضوء الذي لا يولد من الخارج، إنما يتشكل من الخط نفسه داخل الأعمال، من أهم سمات أعمالها الثلاثين بالمعرض؛ فهو يحيط بالنساء بطلات اللوحات؛ وكأنه يقوم بحمايتهن، أو ربما وجد لكي يساهم في تعرف المتلقي عليهن عن قرب، ولمس مشاعرهن الرقيقة.

ولأنه خط يتوالد ليحيط بالأشكال، فهو يبدو أيضاً كما لو أنه يعيد بعث النساء من جديد إلى الحياة، أو ليمنحهن حق الظهور، وحق تسليط الأضواء عليهن.

للوهلة الأولى تعتقد أن الفنانة لا تثير قضايا شائكة أو معقدة لنسائها؛ فثمة أجواء حالمة، وإطلالة رومانسية حاضرة بقوة في الأعمال، لكن في واقع الأمر هذه الإطلالة نفسها تجعلك تشعر بعد لحظات من التأمل أن ثمة صراعاً داخلياً، وحواراً بينهن يعكس مشكلات وأحلاماً وأحزاناً وإحباطات وأحاسيس تستحق أن نلتفت إليها ونتعاطف معهن بسببها.

ألوان دافئة يعززها الضوء (الشرق الأوسط)

وتتعمق فايز في دواخلهن، ولا يسعنا أمامهن سوى الانجذاب إلى التوهج الدافئ النابع من تقدير الضوء، وكيفية تسخيره للتعبير عن حكاياتهن المختلفة؛ فلا شيء مخفي؛ فقد اختارت الفنانة ألا تحجب رؤيتنا، ولا تصفيها أو تجبرنا على أن «نفلترها»، ومع ذلك يبدو كل شيء كما لو كان حلماً.

وتقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذا الضوء أو الخط الذي يحيط بالنساء ليس مجرد شكل ظاهري، إنما هو رمز لمعنى مهم، يؤكد أنه لا ظهور أو نجاح جديد من دون إشراقة جديدة، هذه الإشراقة قد تكون تحت سيطرة إحساس ما، أو تحقيق هدف طال انتظاره، وغير ذلك».

لا يقتصر هذا الضوء على النساء وحدهن؛ إنما هو يحيط بشخوص آخرين وبالكائنات والأشكال الأخرى.

معرض «لوميناريا» للتشكيلية المصرية جيهان فايز

لكن تُعد الطيور هي أكثرهم أهمية، وتأثراً بالضوء، ويرتبط ذلك باحتفاء الفنانة بها.

فنجد الطيور تحلق داخل اللوحات، أو تستقر بين يدي المرأة، وأحياناً تتبادل معها الحديث، لتبعث إحساساً بالسلام والصفاء والحرية، حتى ليتمنى المتلقي أن يتمتع بهذه الأجواء في عالم لا يعرف النزاعات والصراعات الدامية.

للضوء علاقة وثيقة بالألوان في الأعمال؛ حيث تتجاور الألوان بدرجاتها المتنوعة مع وهج النور؛ فهو يبرز دفئها وأناقتها، ويعززها ويتضافر معها؛ ليقفز المشهد من سطح اللوحة، متحولاً في ذهن المشاهد إلى جزء من عالم ساحر، أو مدينة مثالية كتلك التي التقى بها في بعض القصص والروايات الخيالية.

تدلف اللوحات إلى دواخل الإنسان (الشرق الأوسط)

وبينما تسترخي نساء جيهان فايز في وضعيات كلاسيكية، وكأنهن جئن من عصور ملكية أو أسطورية قديمة، تتجه أعيننا إلى الخلفية؛ لتلاحظ روعة التفاصيل الدقيقة، والرموز الموحية.

لكن لا يمنع هذا الثراء التشكيلي، والزخم الفني المتأمل للوحات من التساؤل عن معنى عنوان المعرض «لوميناريا»، وسبب اختيار فايز له، تقول الفنانة: «نعم إنه قد يبدو عنواناً غريباً، وغير مألوف، لكن لم يكن ذلك سبب اختياره، إنما هو عنوان رمزي يشير إلى الفكرة الأساسية لأعمالي».

وتتابع: «أردت إبراز تلك المحاولة التي يتم فيها التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الضوء حول الأشياء، إنها لحظة استثنائية ملهمة؛ حيث تسترد الأشياء معناها، أو يولد نجاح أو إشراقة جديدة».

«الخط الذي يحيط بالشخوص والأشياء إذن ليس مجرد حافة، بل هو ضوء يتقدم، ومعه يتقدم الإنسان، ومن خلال ذلك تتكشف له حقيقة الأمور والحياة». وفق فايز.

لكن ما علاقة ذلك بعنوان المعرض «لوميناريا» (Luminaria) وهي كلمة إسبانية تعني الضوء الذي يُوضع في النوافذ والشرفات والأبراج والشوارع كعلامة على الاحتفال والبهجة العامة، وانتشر بعض ذلك كدلالة على إنارة الطريق.

الضوء كأنه ينير الدرب في أعمال جيهان فايز (الشرق الأوسط)

وهو المعنى نفسه الذي أرادت جيهان فايز أن تؤكده من خلال أعمالها بالمعرض؛ فلا يمكن للمرء أن يعرف طريقه من دون إضاءات تنير له دربه؛ لكي يصل إلى أهدافه أو للشعور بالسعادة والاستقرار؛ فلكل شخص إضاءاته الخاصة به التي يستمدها من دواخله ومن علاقته بالآخرين، ولا يتوقف دور هذا الضوء على إنارة طريقه فقط، إنما يمتد ليعيد بناء المرء وتجديد أحلامه وإشراقه.