السعوديون يرسمون لوحة فرح واعتزاز في يوم التأسيس

مدن المملكة تُحلق في سماء الإبداع والولاء بفعاليات ثقافية وفنية

الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)
الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)
TT

السعوديون يرسمون لوحة فرح واعتزاز في يوم التأسيس

الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)
الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)

تحوَّلت المدن السعودية، السبت، إلى لوحة فرح واعتزاز بيوم تأسيس الدولة السعودية، والاحتفال بالذكرى التي تحل للمرة الرابعة، منذ أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز، أمراً ملكياً عام 2022، يقضي باعتبار 22 فبراير (شباط) من كل عام يوماً للتأسيس، ولحظة لتكريس ذكرى تاريخية عريقة، مهَّدت لنشوء دولة راسخة، جمعت تحت رايتها مجتمعاً متطلعاً لاستدامة مسيرته الحضارية.

لوحات معبرة عن فصول من الزمن مرت بها هذه البلاد في أوقات الرخاء والشدة (واس)

ويحتفل السعوديون في مختلف أنحاء المملكة بالمناسبة الوطنية التي تحكي امتداد وأمجاد 3 قرون، وبالموعد الذي عقده الإمام محمد بن سعود مع التاريخ، لتأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727 للميلاد، ومنه انطلقت مسيرة الدولة السعودية حتى لحظتها المزدهرة الراهنة.

وتشهد مدن المملكة إقامة عدد من الفعاليات الثقافية والفنية التي تُحلق في سماء الإبداع والحب والولاء، مجسدةً عمق هذا التاريخ الكبير الذي خلَّفه لنا قادة هذه البلاد المباركة، ورجالاتهم حتى الوقت الحاضر، في لوحات معبرة عن فصول من الزمن مرَّت بها هذه البلاد في أوقات الرخاء والشدة، وظلَّت خلالها راسخة أبيّة محافظة على هويتها العربية الأصيلة، مجددة مفهوم الوحدة الوطنية في كل مرحلة من مراحل وطننا، بدءاً بالدولة السعودية الأولى فالثانية حتى المملكة العربية السعودية، ظل خلالها التلاحم عنواناً بارزاً للعلاقة المجيدة بين الشعب والقيادة الرشيدة، وصولاً إلى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، الذي تشهد خلاله البلاد تطوراً ونهضة في شتى المجالات، تقودها الرؤية الطموحة «رؤية المملكة 2030».

الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تُعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)

وتحتفل 14 مدينة سعودية بعدد من الفعاليات والتجارب التفاعلية التي تُسلط الضوء على الحياة السعودية في العصور الماضية، من خلال العروض التراثية، والأزياء التقليدية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب حركة الأسواق الشعبية والأصالة في الأزياء التقليدية السعودية، مروراً بالمعارض التفاعلية والندوات الثقافية، والعروض المسرحية التاريخية.

«ذاكرة الأرض» تُجسد التاريخ الزمني للدولة السعودية الأولى والثانية وحتى اليوم (واس)

وتعد فعالية «ذاكرة الأرض»، التي يتم تنظيمها في مختلف المدن السعودية، أبرز الفعاليات التي تُجسد التاريخ الزمني للدولة السعودية الأولى والثانية وحتى اليوم، ومن خلال المرور بمحطات زمنية مختلفة يتم التعرُّف على أبرز الأحداث التي وضعت بصمة في تاريخ الوطن، وبزغ من خلالها فجر المملكة العربية السعودية، كما يصاحب الفعالية مجموعة من التجارب المميزة، مثل العروض الموسيقية والفنون الأدائية والمسرح ومنطقة مخصصة للأطفال.

الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)

وحضرت أزياء التأسيس اللافتة التي تُعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية؛ حيث تنوعت تلك الأزياء ما بين منطقة وأخرى، كل حسب المنطقة التي ينتمي لها.

وجدَّد الفرح بيوم التأسيس للمرة الرابعة، واليوم الاحتفائي الذي ينظم امتناناً لهذه الذكرى الثمينة، صلة الماضي الضارب في أعماق التاريخ، وملامح التجربة في أوائل لحظاتها البكر، وأذكت لدى السعوديين شعور الامتداد العريض من الأمجاد الذي يربطهم منذ 300 عام، ويشهد على حجم الازدهار والتطور الذي تمتعت به البلاد في مشوارها إلى المستقبل، دون أن تقطع علاقتها بالماضي والتاريخ الذي تصدر عنه وتنتمي إليه.

الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)

 

الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تُعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)

 


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

الملك سلمان: تأسيس دولتنا قام على التوحيد والعدل وجمع الشتات

أكد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، أن الدولة السعودية قامت على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة سعودية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل (وزارة الرياضة)

الفيصل مهنئاً بيوم التأسيس: السعودية ستواصل مسيرة التمكين

رفع الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، خالص التهنئة والتبريكات للقيادة في البلاد بمناسبة يوم التأسيس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

عدَّ الباحث الدكتور راشد بن عساكر، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية

بدر الخريف (الرياض)
رياضة سعودية رونالدو محتفلا مع لاعبي النصر بعد الفوز على الحزم (موقع النادي)

«بشت التأسيس» يزين احتفالات رونالدو بصدارة النصر

قاد الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو احتفالات النصر باستعادة صدارة الدوري السعودي للمحترفين، مرتديا البشت السعودي بطرازه القديم والتاريخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

حصوة «عملاقة» تزن 3.1 كيلوغرام تُستأصل من رجل بسريلانكا

حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)
حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)
TT

حصوة «عملاقة» تزن 3.1 كيلوغرام تُستأصل من رجل بسريلانكا

حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)
حمل في داخله حجراً... لم تصنعه الأرض (مستشفى ترينكومالي العام)

استأصل أطباء في سريلانكا حصوة من مثانة رجل بلغ وزنها 3.1 كيلوغرام (6.8 رطل)، ويعتقدون أنها الكبرى من نوعها على الإطلاق.

وأُجريت العملية الجراحية الأسبوع الماضي، في مستشفى بمدينة ترينكومالي، شرق البلاد.

ووفق «بي بي سي»، كان المريض، البالغ 55 عاماً، قد أُدخل المستشفى إثر إصابته بسكتة دماغية؛ لكن الأطباء اكتشفوا، خلال تلقيه العلاج، وجود حصوات في مثانته، بعدما لاحظوا أنه يعاني صعوبة في التبوُّل.

وخلال الجراحة، أزالوا حصوة من المثانة بلغ وزنها ما يضاهي وزن طفل حديث الولادة مكتمل النمو، وحجمها نحو حجم بيضة النعامة.

وصرَّح الدكتور براهالاهان بالاكريشنان، الذي قاد الفريق الجراحي، لخدمة «بي بي سي سينهالا» قائلاً: «وفق السجلات والبيانات المتاحة، تُعد هذه أكبر حصوة مثانة يُجرى توثيقها واستئصالها عبر عملية جراحية على الإطلاق». وأضاف أن المريض يتمتَّع بـ«صحة جيدة جداً».

وقال الأطباء إنه لا يزال يرقد في المستشفى لتلقي العلاج اللازم لوعكاته الأخرى.

وأوضح الدكتور بالاكريشنان أنَّ الحصوة ظلَّت تتشكل وتنمو داخل مثانة المريض، خلال مدة تتراوح بين 5 و10 سنوات تقريباً.

وتتشكل حصوات المثانة عندما تتبلور المعادن الموجودة في البول وتتحوَّل إلى كتل صلبة.

للجسد جيولوجياه أيضاً... وأحياناً يصنع حجارة (مستشفى ترينكومالي العام)

وعادةً ما تحدث هذه الحالة عندما لا تُفرغ المثانة محتواها بالكامل، مما يترك بولاً مركزاً يمكن أن يتحوَّل إلى بلورات.

ويمكن للحصوات الصغيرة، التي تعادل حجم حبات الرمل، أن تخرج من تلقاء نفسها. وإنما الحصوات التي يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب واحد، غالباً ما تعوق تدفُّق البول، وتتطلَّب تدخلاً طبياً، في حين تُعد حصوة المثانة التي يتجاوز حجمها 4 سنتيمترات مكعبة حصوة عملاقة.

ووفق موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، فإن أكبر حصوة مثانة أُزيلت سابقاً كانت لمريض في البرازيل عام 2003، وبلغ وزنها 1.9 كيلوغرام (4.2 رطل) وطولها 17.9 سنتيمتر (7 بوصات)، في حين بلغ طول حصوة المثانة التي استُأصلت في سريلانكا نحو 17 سنتيمتراً.


«درب التبانة» ابتلعت مجرة قبل 11.8 مليار سنة

الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
TT

«درب التبانة» ابتلعت مجرة قبل 11.8 مليار سنة

الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)

خلص بحث جديد ركَّز على توثيق حدث بارز في مرحلة مبكرة من تاريخ «درب التبانة»، إلى أنّ المجرة الكبيرة ذات الشكل الحلزوني، التي تضم مئات المليارات من النجوم، بما فيها الشمس، قطعت مساراً طويلاً ومعقداً لتصل إلى أبعادها الحالية.

وذكرت وكالة «رويترز» أنّ علماء يرصدون عناقيد نجمية متجمّعة قرب مركز «درب التبانة» اكتشفوا أدلة على أنّ المجرة ابتلعت مجرة أصغر قبل نحو 11.8 مليار سنة، عندما كان عمر الكون أقل من 15 في المائة من عمره الحالي. ويمثّل هذا الحدث أقدم اندماج مجرّي معروف لـ«درب التبانة»، ويُظهر كيف نمت ليس فقط بتكوين نجومها الخاصة، بل أيضاً بالاندماج مع مجرات أصغر وقعت في نطاق جاذبيتها.

لا تزال آثار ماضٍ سحيق تدور معنا (أ.ف.ب)

وتُصنف المجرة الأصغر على أنها مجرة قزمة، وهو ما يميّزها عن مجرات أكبر مثل «درب التبانة». وخلصت تقديرات الباحثين إلى أنها كانت تضم، وقت الاندماج، نجوماً تعادل كتلتها 500 مليون مرة كتلة الشمس، أي نحو ربع حجم «درب التبانة» آنذاك.

واستخدم الباحثون تلسكوبَي هابل وغايا الموجودين في المدار لدراسة عناقيد نجمية، يضمّ كل منها مئات الآلاف من النجوم، وتقع في منطقة تمتدّ عبر أعمق 20 ألف سنة ضوئية من «درب التبانة»، وقاسوا أعمارها وتركيبها الكيميائي ومساراتها. والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة، وتبلغ 9.5 تريليون كيلومتر.

وقال الباحثون إن هذه النجوم أصبحت جزءاً من «درب التبانة» بعد اندماج مجرّي حدث بعد نحو ملياري سنة من نشأة الكون. وأُطلق على المجرة القزمة التي نشأت فيها اسم «لو إنرجي كراكن هيراكلس»، أو «إل كيه إتش»، تقديراً لـ3 دراسات سابقة بحثت احتمال حدوث مثل هذا الاندماج الأولي.

وقال عالم الفيزياء الفلكية دافيدي ماساري، من المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في بولونيا بإيطاليا، الذي قاد الدراسة المنشورة في دورية «نيتشر أسترونومي»: «النتيجة الرئيسية لبحثنا هي الاكتشاف القاطع لأول حدث اندماج شهدته مجرتنا في مهدها».

بعض النجوم التي نراها اليوم بدأت حكايتها في مجرة أخرى (إ.ب.أ)

وتابع أنّ مسألة ما إذا كان النمو المبكر لـ«درب التبانة» مدفوعاً بتكوّن النجوم فيها أم باندماج مجرّي كانت محل نقاش. وتشير الدراسة الجديدة إلى أن الاندماج أمدَّ «درب التبانة»، في وقت مبكر من تاريخها، بكمية كبيرة من النجوم والغاز بين النجمي الذي يغذّي تكوّن النجوم، فضلاً عن المادة الغامضة المعروفة باسم المادة المظلمة.

وأضاف: «أودّ أن أقول إنه، من وجهة نظر النجوم، كان الاندماج هادئاً إلى حدّ ما، من دون اصطدامات بين النجوم. لكن من وجهة نظر الغاز، كان الاندماج أكثر (انفجارية)، ومن المرجح أن يكون التصادم بين غاز (إل كيه إتش) وغاز (درب التبانة) قد حفّز تكوّن عدد كبير من النجوم».

وقال ماساري إنه ربما لا يزال هناك كثير من النجوم التي تشكلت في الأصل في المجرة القزمة مدفونة في المناطق الداخلية من «درب التبانة»، وبعضها داخل عناقيد نجمية. لكنه أضاف أن تحديد النجوم الفردية صعب جداً بسبب الغبار بين النجمي الكثيف في هذه المنطقة.

ومن المعروف أنّ «درب التبانة» شاركت في اندماجين مجرّيّين ضخمين آخرين. فقد ابتلعت مجرة قزمة تُسمى «غايا-سوسيدج-إنسيلادوس» بعد نحو 1.8 مليار سنة من اندماج «إل كيه إتش». وعلى مدى نحو 6 مليارات سنة مضت، كانت تندمج مع مجرة القوس القزمة.


مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
TT

مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)

قال المخرج الكولومبي مانويل بونس دي ليون إن فيلمه «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) لم يكن يوماً مشروعاً تاريخياً بالمعنى التقليدي، بل انطلق منذ البداية من رغبة في استكشاف العالم الداخلي للإنسان. وأكد أن الرحلة التي يخوضها أبطال الفيلم ليست رحلة إلى مكان بقدر ما هي رحلة إلى الذاكرة والحنين والهوية. ولم يكن هذا التصور وليد مراحل الكتابة، بل كان حاضراً منذ اللحظة الأولى؛ إذ ظل اهتمامه بالذاكرة يمثّل القاسم المشترك بين جميع أعماله السابقة.

وأضاف مانويل بونس دي ليون، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن الحنين، بالنسبة إليه، ليس مجرد استرجاع للماضي، بل عملية إبداعية يعيد الإنسان من خلالها تشكيل ذكرياته كلما عاد إليها. ولفت إلى أن الذاكرة لا تعمل بوصفها أرشيفاً يحتفظ بالأحداث كما وقعت، وإنما تعيد إنتاجها وفقاً لمشاعر الإنسان وتجربته الراهنة؛ ما يجعل العودة إلى الماضي فعلاً من أفعال الخيال بقدر ما هي استدعاء لما حدث بالفعل.

مخرج الفيلم الكولومبي مانويل بونس دي ليون (تصوير: إليسا تريانا)

وأشار إلى أن «هذه الحالة تمنح الإنسان فرصة للتأمل العميق، وتجعله يعيش ما يشبه الحلم وهو في كامل وعيه؛ فالسفر إلى المجهول يظل من أكثر التجارب قدرة على استحضار هذا النوع من التأمل الداخلي».

وتدور أحداث فيلم «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) في كولومبيا خلال القرن التاسع عشر؛ إذ يقرر الزوجان السويديان كارل وبيترونيلا الإبحار عبر نهر ماغدالينا بحثاً عن منجم ذهب يعتقدان أنه سيمنحهما مستقبلاً جديداً. غير أن الرحلة تتجاوز هدفها الأول شيئاً فشيئاً. وعُرِض الفيلم للمرة الأولى في الدورة الماضية من «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

وأوضح المخرج الكولومبي أن «التحدي الحقيقي في أثناء تطوير المشروع لم يكن مرتبطاً ببناء التحولات النفسية للشخصيات؛ لأن هذه التحولات كانت واضحة في ذهني منذ المراحل الأولى، وإنما تمثّل في العثور على الرحلة الفعلية القادرة على تجسيد هذه التحولات بصرياً».

وأضاف أن «فريق العمل انشغل طويلاً بالبحث عن المسار الجغرافي الذي يمكن أن يقود الشخصيات إلى تلك المناطق الخفية في دواخلها، بحيث تصبح الحركة في المكان انعكاساً مباشراً لما يحدث في الداخل، لا مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى؛ لأن الفيلم بُني منذ البداية على العلاقة بين الرحلتين الخارجية والداخلية، ولا يمكن لإحداهما أن تكتمل من دون الأخرى».

ورأى بونس دي ليون أن استلهام عنوان الفيلم من قصيدة للشاعر الكولومبي ليون دي غريف لم يكن يعني تحويل القصيدة نصاً سينمائياً أو محاولة شرحها للمشاهد، بل كان سعياً إلى ابتكار لغة بصرية تمتلك الحس الشعري نفسه. وأوضح أن فريق كتابة السيناريو اتفق منذ البداية على الابتعاد عن أي معالجة مباشرة للنص الأدبي؛ لأن الهدف لم يكن تفسير القصيدة، وإنما نقل الأثر العاطفي الذي تركته في نفوسهم إلى الشاشة.

صُوّر الفيلم في ظروف صعبة (لايتس أون)

وأضاف أن «هذه المهمة كانت من أصعب المراحل التي مرَّ بها المشروع؛ لأن شعر ليون دي غريف يتميَّز بكثافة رموزه واتساع تأويلاته؛ ما جعل التوصل إلى صيغة سينمائية تحافظ على روحه من دون أن تتحول إلى اقتباس أدبي مباشر، أمراً بالغ التعقيد».

وأشار إلى أن السيناريو مرَّ بمسودات كثيرة، وسبقته سنوات من السفر والبحث والحوار، إلى جانب تجارب متعددة جمعت بين السينما الوثائقية والروائية، حتى بدأ الفيلم يكشف تدريجياً عن شكله النهائي. ولفت إلى أن العمل على الفيلم تحوَّل، مع مرور الوقت، رحلةً شخصية بالنسبة إليه، لا تقل عمقاً عن الرحلة التي يخوضها أبطاله في الأحداث.

وأوضح المخرج الكولومبي أن البعد الشخصي للفيلم لا يقتصر على علاقته بقصيدة ليون دي غريف، بل يمتد أيضاً إلى علاقته بوالده، الذي كان شاعراً وصاحب التأثير الأكبر في تكوينه الإنساني والفني.

وقال إن الفيلم يمثّل، في جانب كبير منه، حواراً مستمراً مع والده، ليس عبر الكلمات وحدها، بل من خلال الطريقة التي تعلّم بها النظر إلى الطبيعة والتفاعل معها. وأشار إلى أن ذكريات طفولته كانت الشرارة الأولى التي أعادت إحياء هذا المشروع خلال سنوات إقامته في الخارج.

وأضاف أن والده لم يورثه حب الشعر فحسب، بل علّمه أيضاً تأمَّل تفاصيل العالم الطبيعي، بدءاً من حركة النهر، مروراً بالضباب الذي يغطِّي الجبال مع بزوغ الفجر، ووصولاً إلى الرياح والأشجار والشروق والغروب.

وأوضح أن هذه العناصر لم تدخل الفيلم بوصفها خلفيات جمالية، بل غدت جزءاً من اللغة التي تتواصل بها الشخصيات مع العالم من حولها. وأشار إلى أن الطبيعة، بالنسبة إليه، كيان حيّ يحمل ذاكرته الخاصة ويؤثر في مصائر الشخصيات بقدر ما تتأثر به؛ ما يفسّر الحضور الطاغي للمناظر الطبيعية في الفيلم.

ركَّز المخرج على الجوانب الإنسانية (لايتس أون)

وانتقل بونس دي ليون إلى الحديث عن فكرة الذهب، التي تبدو، في ظاهرها، المحرِّك الأساسي للأحداث، مؤكداً أنها «لا تمثّل، في الحقيقة، سوى رمز لكل الأوهام التي تدفع البشر إلى مغادرة أوطانهم والبحث عن حياة أخرى؛ فالإنسان يتحرَّك دائماً مدفوعاً بالاعتقاد بأن شيئاً ما ينقصه، وأن هذا الشيء موجود في مكان آخر، سواء أكان ثروة أم نجاحاً أم حياة أفضل أم شعوراً بالاكتمال».

وأوضح أن أكثر ما يثير اهتمامه هو المفارقة الناشئة بين التطلع إلى المستقبل والحنين إلى الماضي، عادَّاً أن كليهما يعتمد على الخيال؛ فالإنسان يتخيَّل المستقبل مثلما يتخيَّل الماضي، ويعيد تشكيلهما في ذهنه بالطريقة نفسها تقريباً. ولذلك؛ يرى أن السعي إلى المستقبل لا ينفصل عن الرغبة المستمرة في استعادة ما تركناه خلفنا.