قبل سنوات، كان إنتاج قصة مصورة عملية شاقة تتطلب فريقاً من المؤلفين والرسامين والمصممين، إضافةً إلى أسابيع من العمل المتواصل لإنهاء سيناريو واحد. كان الكاتب بحاجة إلى صياغة القصة يدوياً، بينما يستغرق الرسام ساعات طويلة في رسم كل تفصيلة؛ من تعابير الشخصيات إلى الخلفيات الدقيقة. أما المصمم، فكان يواجه تحديات كبيرة في تنسيق الألوان وإضافة المؤثرات البصرية يدوياً، مما جعل إنتاج القصص عملية مكلفة ومحدودة بالإمكانات التقنية المتاحة آنذاك.
لكن اليوم، تغير المشهد تماماً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الكتابة والتصميم. لم يعد المؤلف مضطراً إلى قضاء ساعات في كتابة الحوارات، فهناك أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على اقتراح نصوص متوافقة مع الأسلوب المطلوب. أما المصمم، فيمكنه توليد رسوم عالية الجودة في ثوانٍ، مع إمكانية تعديلها بسهولة لتناسب الرؤية الفنية للقصة. هذه التحولات فتحت آفاقاً جديدة للإبداع، حيث أصبح بإمكان أي شخص، حتى دون خبرة في الرسم أو التصميم، إنتاج قصص مصورة ذات جودة احترافية.
ضمن هذا السياق، تأتي ورشة العمل «استثمار الذكاء الاصطناعي في تصميم القصص التعليمية الإسلامية»، التي قدمها الدكتور إبراهيم حسن، أستاذ الإعلام والاتصال الرقمي بجامعة عفت، وأقيمت ضمن برامج بينالي الفنون الإسلامية بالشراكة مع جامعة عفت، لتمنح المشاركين فرصة فريدة لاستكشاف إمكانيات الذكاء الاصطناعي في تطوير قصص تعليمية تجمع بين السرد التقليدي والقيم الإسلامية والتقنيات الحديثة.

إمكانيات هائلة
الدكتور إبراهيم حسن، قال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الفعالية تهدف إلى تمكين المشاركين من استثمار إمكانيات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتصميم، مما يسهم في إنتاج قصص ذات محتوى تعليمي وتربوي يرتبط بالهوية الإسلامية، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للإبداع البشري، بل هو أداة مساعدة تعمل على تسريع العمليات الإنتاجية، مثل التدقيق اللغوي وتصميم الرسوم، دون أن تفقد القصة جوهرها القيمي والفني.
وبيّن حسن أن طاقة الذكاء الاصطناعي تبرز في اختزال العديد من المراحل المطلوبة لإنتاج القصة. فمثلاً، كانت المراجعة اللغوية تتطلب وقتاً ومجهوداً كبيراً، أما الآن، فيمكن إنجازها خلال ثوانٍ معدودة، مع الحفاظ على مستوى جيد من الدقة. بالإضافة إلى ذلك، يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانيات هائلة في توليد الرسومات، مما يقلل التكلفة التي كانت تُنفق على توظيف الرسامين والمصممين.
من بين المحاور الأساسية التي تناولها دكتور حسن في الورشة، كانت كيفية التحكم في الذكاء الاصطناعي وتوجيهه لخدمة الرسالة الإسلامية. والتي أشار فيها إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد قصص في لحظات معدودة، ولكن دون تدخل بشري واعٍ، قد تكون النتائج عشوائية أو غير متوافقة مع القيم الإسلامية.
وبحسب الدكتور حسن، فإن «الهدف ليس فقط استخدام الذكاء الاصطناعي، بل توجيهه بطريقة تخضع لسيطرة المؤلف والمصمم، بحيث يصبح أداة في أيديهم بدلاً من أن تفرض عليهم نتائج غير دقيقة. من خلال هذه الورشة، نساعد المشاركين على فهم كيفية ضبط النتائج وتكييف المحتوى بما يتماشى مع هويتنا الثقافية».
أحد الجوانب المهمة التي ناقشتها الورشة هو دور القصص الإسلامية في تصحيح المفاهيم المغلوطة، حيث أشار الدكتور حسن إلى أن بعض القيم يتم تناولها بطرق غير دقيقة حتى في الأعمال الأدبية، وضرب مثالاً بمفهوم «إعمار الأرض»، حيث قال: «هناك اعتقاد شائع بأن الإنسان خُلق لإعمار الأرض، ولكن في الحقيقة، القرآن الكريم يشير إلى أن الإنسان وُجد لإصلاح الأرض، وليس مجرد إعمارها. فالعديد من الأمم السابقة كانت أكثر تقدماً في الإعمار، لكنها لم تنجُ بسبب فسادها. لذا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تقديم سرد قصصي يعكس هذه الفكرة بوضوح، مما يسهم في بناء وعي فكري صحيح لدى الأجيال القادمة».
في الجلسة التطبيقية من الورشة، تم تعريف المشاركين بثلاث مراحل أساسية لبناء قصة تتوافق مع القيم الإسلامية، وهي: تحديد الفكرة الأساسية: مثل المحافظة على البيئة أو بر الوالدين. تعزيز القيم التربوية: مثل المسؤولية، الرحمة، والشكر العملي لله، إضافة إلى دعم القصة بالنصوص الشرعية، باستخدام آيات قرآنية وأحاديث نبوية مناسبة. كما تم توضيح كيفية إدخال هذه العناصر في منصات الذكاء الاصطناعي لضمان توليد محتوى يعكس الروح الإسلامية بوضوح.
تحديات
لم تخلُ الورشة من نقاشات حول التحديات التي تواجه استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإسلامي، حيث أشار الدكتور إبراهيم إلى أن هناك خطورة تتمثل في إمكانية تزييف الحقائق، أو تقديم صور غير دقيقة عن التاريخ الإسلامي، وقال: «إذا لم يتم التعامل مع الذكاء الاصطناعي بحذر، فقد تنتشر تصورات غير صحيحة، مثل إنتاج صور خيالية لا تتوافق مع السياق الزماني والمكاني للأحداث الإسلامية. لذا، من الضروري تدريب الذكاء الاصطناعي على فهم تفاصيل الحضارة الإسلامية حتى لا يصبح مجرد انعكاس للثقافات الأخرى».
وعن مستقبل هذا المجال، أكد الدكتور إبراهيم أن الذكاء الاصطناعي سيكون عنصراً رئيسياً في تطوير القصص الإسلامية المصورة، وسيساهم في إثراء المكتبات الرقمية وجعل المحتوى أكثر تفاعلاً مع الجمهور المعاصر، وأضاف: «يبقى السؤال الأهم: هل سنستخدم هذه التقنية لتعزيز القيم الإسلامية ونشر المعرفة، أم سنكون مجرد مستهلكين للتكنولوجيا دون توجيهها نحو هدف نبيل؟ القرار بأيدينا».
شكلت هذه الورشة محطة معرفية مهمة لكل من يسعى إلى دمج الإبداع مع التكنولوجيا لخدمة القيم الإسلامية. ومن خلال التطبيق العملي والمناقشات العميقة، خرج المشاركون بأدوات عملية يمكنهم استخدامها في مشاريعهم المستقبلية، مما يعكس رسالة بينالي الفنون الإسلامية في إبراز الفنون بوصفها وسيلة للحوار والتطوير الثقافي المستدام.




