«مدارس الرياض» تحتفي بإرث تعليميّ وتاريخ عريق من رعاية الأجيال

خطّة لإنشاء أكثر من 44 فرعاً لها في مناطق المملكة بحلول 2034

خرَّجت مدارس الرياض أكثر من 11 ألف طالب وطالبة طوال تاريخها (مدارس الرياض)
خرَّجت مدارس الرياض أكثر من 11 ألف طالب وطالبة طوال تاريخها (مدارس الرياض)
TT

«مدارس الرياض» تحتفي بإرث تعليميّ وتاريخ عريق من رعاية الأجيال

خرَّجت مدارس الرياض أكثر من 11 ألف طالب وطالبة طوال تاريخها (مدارس الرياض)
خرَّجت مدارس الرياض أكثر من 11 ألف طالب وطالبة طوال تاريخها (مدارس الرياض)

من مبنى في حيّ عليشة - أحد أقدم أحياء العاصمة السعودية - اتّخذت «مدارس الرياض» مقراً لها، لتبدأ هذه البذرة الواعدة تنمو في رعاية أجيال بلغَ بعضُهم مواقع التأثير ومناصب القيادة في مختلف القطاعات الوطنية.

وواصل هذا الصرح التعليمي مشواره في بناء الإنسان، وانتقلت المدارس من حيّها القديم إلى وسط العاصمة السعودية، متربِّعة على مساحة كبيرة في حيّ المؤتمرات بالرياض، ولم تهدأ منذ 5 عقود الحركة في مباني المدرسة التي بُنيت على نفقة الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، الذي كان يرعاها باهتمام شخصيّ ومتابعة دؤوبة، وهو يرى قوافل المميّزين يفكّون الحرف ويعتلون سلّم النجاح؛ ومنها ينطلقون للإسهام في الوفاء بواجب الوطن والتنمية والمستقبل. وحتى آخر أيامه، واصل الملك رعاية هذا المشروع، ليتعهّدها بعده خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.

رسائل خطّها الملك خالد بن عبد العزيز لأبنائه الطلاب (مدارس الرياض‬⁩)

ومنذ نشأتها عام 1970، حازت المدارس بموافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على الرئاسة الفخرية للمدارس؛ هو الذي رعى جميع المشروعات الرائدة في العاصمة، إبان تولّيه إمارة منطقة الرياض، وشهد على بزوغ نجم كثير من المشروعات والمؤسّسات التي أضحت اليوم لامعة في سماء النجاح، ومن ذلك مدارس الرياض التي لم يتردّد الملك في قبول فكرة إنشائها، عندما قصده وفدٌ من أعيان المدينة والمفكّرين والأدباء يحملون إليه الفكرة.

بدأت المدارس من حيّ عليشة أحد أقدم أحياء العاصمة السعودية (مدارس الرياض)

بدأ المشروع بين يديه، وسُمّي رئيساً فخرياً للمدارس، وأولاه اهتمامه الخاص، لِما رأى فيه من ملامح النبوغ والنوعية.

وقادت مدارس الرياض التي تضمّ جميع المراحل الدراسية ما قبل الجامعة، على مدى 50 عاماً، مسيرة التعليم المتميّز، ووضعت معايير جديدة للابتكار والجودة، ما جعلها منارة تعليمية مُلهمة أسهمت في تخريج نخبة من القادة وصنَّاع القرار أصبحوا اليوم ركناً أساسياً في تحقيق التحوّل الوطني ورؤية المملكة الطَموحة.

خادم الحرمين والأمير محمد في المرحلة الابتدائية باحتفال للمدارس عام 1996 (دارة الملك عبد العزيز)

وبتوجيه من الملك سلمان قبل سنوات، أنشأت المدارس مركزاً متخصّصاً لبناء القادة، عُدَّ الأول من نوعه في الشرق الأوسط، لاهتمامه ببناء قيادات شابة من التعليم العام، ونجح في بلورة شخصيات عدد من طلابه وطالباته بأبعاد قيادية جسورة.

وفي ليلة مميّزة من عمر مدارس الرياض، احتفت، الخميس، بمرور 5 عقود من الريادة، وبحضور نخبة من خرّيجيها ممّن يتولّون مناصب قيادية في مختلف القطاعات.

5 عقود من العطاء

وقال الملك سلمان إنّ لهذا الصرح التعليمي دوراً بارزاً في مسيرة التعليم للسعودية، وأكد في كلمته التي ألقاها وزير التعليم يوسف البنيان نيابةً عنه، أنّ العلم مهمَّة جليلة، بها تُبنى الأوطان وعليها تُقام الحضارات، منوّهاً بدور بمدارس الرياض في تخريج أكثر من 11 ألف طالب وطالبة من ذوي الكفاءات، أسهموا جميعاً في الارتقاء بالوطن.

خادم الحرمين رعى حفل تخريج الدفعة 41 من طلاب مدارس الرياض (واس)

وقال الملك سلمان: «يدرس اليوم في مدارس الرياض ما يزيد على 5 آلاف طالب وطالبة. وفي ظلّ مؤسّسة محمد بن سلمان (مسك)، تستمرّ المسيرة وتتوسّع آفاقها لتشمل مجالات أرحب في مناطق أخرى لبناء جيل مبتكر».

وأضاف: «لطالما منحت حكومة المملكة التعليم أقصى أولوياتها، وجعلته محوراً رئيسياً ضمن برامج (رؤية المملكة 2030)، لكونه عنصراً رئيسياً يُسهم في تحقيق طموحات أمّتنا نحو التقدُّم والازدهار والرقيّ الحضاري».

الأمير محمد بن سلمان مُشاركاً في إحدى مناسبات مدارس الرياض (مدارس الرياض)

من جهته، قال رئيس مجلس إدارة مدارس الرياض، الدكتور بدر البدر: «نصف قرن مضى؛ نحتفي به مع هذه العائلة التي كبرت يوماً بعد يوم، وخرّجت أكثر من 11 ألف طالب وطالبة، كانوا ولا يزالون قيادات وقدوات تُسهم في بناء الوطن».

وأضاف: «برعاية خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، ستستمرّ هذه العائلة في تحقيق رؤيتها ببناء الإنسان وتوريث الأثر عبر الأجيال».

أسهمت المدارس في تخريج نخبة من القادة وصنَّاع القرار (مدارس الرياض)

وشهد الحفل كلمات مؤثّرة، أبرزها التي ألقاها خرّيجون سابقون عبّروا فيها عن اعتزازهم بانتمائهم لمدارس الرياض، بالإضافة إلى فقرة خاصة قدّمها الطلاب والطالبات، يترجمون فيها رؤية المستقبل، ويؤكدون حرصهم على مواصلة مسيرة الإنجازات، وتكريم نخبة من الشخصيات الأكثر خدمة وإسهاماً في بناء هذا الصرح التعليمي الكبير.

شبكة من المدارس الرائدة

وخلال احتفال مدارس الرياض بمرور 5 عقود على تأسيسها، الذي أُقيم برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، رئيسها الفخري؛ أعلنت مؤسّسة محمد بن سلمان «مسك» عن توسّع استراتيجي لمجموعة المدارس.

معرض مُصاحب لاحتفال المدارس بـ5 عقود على إنشائها (مدارس الرياض)

وتتضمّن الخطّة التوسعية إنشاء أكثر من 44 مدرسة في مختلف مناطق المملكة بحلول عام 2034؛ إذ سيكون لها وجود في 10 مناطق إدارية، مع افتتاح أول مدرسة للمجموعة خارج مدينة الرياض عام 2026.

وتُركِّز المجموعة على إنشاء مدارس ذات جودة عالية وتشغيلها، بمناهج دراسية متميّزة؛ بهدف الارتقاء بمستوى التعليم وتعزيز البيئة التعليمية بما يتوافق مع أهداف «رؤية 2030».

وافتتحت مدارس الرياض التي تأسّست عام 1970 ثاني فروعها في حيّ حطين بمدينة الرياض العام الماضي.

أوركسترا مدارس الرياض قدَّمت عرضاً احتفالياً (مدارس الرياض)

وتضم مشروعات رائدة تشمل: مركز مدارس الرياض لكرة القدم الذي انطلق في أغسطس (آب) 2024 بهدف تنمية المواهب الكروية المُبدعة وتطويرها رياضياً وأكاديمياً، ومعهد قادة التعليم الذي بدأ نشاطه في ديسمبر (كانون الأول) 2023 لتزويد الكوادر السعودية حديثي التخرّج والمعلّمين ذوي الخبرة بالمهارات والخبرات اللازمة ليصبحوا قادة مُبتكرين ومؤثّرين.

وتشمل الخطّة التوسعية تطوير الهوية الاستراتيجية للمجموعة التي تتمثّل رؤيتها في أن تصبح من بين أفضل 5 مشغّلين للمدارس، وتأهيل طلاب على دراية عالمية، ومرتبطين ارتباطاً عميقاً بالقيم السعودية، وملتزمين بتشكيل مستقبل المملكة، فيما تقوم رسالتها على إنشاء مدارس ذات جودة عالية ومناهج دراسية متميّزة يُقدّمها معلّمون استثنائيون.


مقالات ذات صلة

صفقات نوعية وشراكات دولية تتصدر ختام منتدى الاستثمار الرياضي

رياضة سعودية 
هلا التويجري رئيسة هيئة حقوق الإنسان في السعودية خلال إحدى جلسات المنتدى (منتدى الاستثمار الرياضي)

صفقات نوعية وشراكات دولية تتصدر ختام منتدى الاستثمار الرياضي

اختتم منتدى الاستثمار الرياضي في العاصمة الرياض، بعد ثلاثة أيام حافلة بالجلسات النوعية والاتفاقيات والصفقات، عززت من موقع القطاع الرياضي بوصفه أحد محركات النمو.

لولوة العنقري (الرياض) شوق الغامدي (الرياض)
رياضة عربية الجزائري نور الدين زكري (نادي الشباب السعودي)

مدرب الشباب السعودي: أثق كثيراً بلاعبينا في النهائي الخليجي

أعرب الجزائري نور الدين زكري، مدرب الشباب، عن ثقته بقدرة فريقه على تقديم مباراة قوية في نهائي دوري أبطال الخليج للأندية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
عالم الاعمال «هونر» تفتح الطلبات المسبقة لسلسلة «هونر 600» في السعودية

«هونر» تفتح الطلبات المسبقة لسلسلة «هونر 600» في السعودية

أعلنت «HONOR»، العلامة العالمية الرائدة في الأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، عن إطلاق سلسلة «HONOR 600 Series» التي تضم هاتفي «HONOR 600» و«HONOR 600 Pro»،…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

تراجع القطاع السكني يُهبط بأسعار العقار في السعودية في الربع الأول

تراجع الرقم القياسي لأسعار العقارات في السعودية بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من هذا العام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية الرومانية سورانا كريستيا (رويترز)

الرومانية سورانا كريستيا تنسحب من نصف نهائي بطولة روان للتنس

قررت الرومانية سورانا كريستيا الانسحاب من مباراتها في الدور نصف النهائي لبطولة روان المفتوحة للتنس (فئة 250 نقطة).

«الشرق الأوسط» (باريس)

7 عبارات تحذيرية يستخدمها المتلاعبون بشكل مستمر

يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
TT

7 عبارات تحذيرية يستخدمها المتلاعبون بشكل مستمر

يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)

تؤدي الكلمات دوراً حاسماً في توجيه الانطباعات، والتأثير في الآخرين، وهو ما يدفع بعض الأشخاص إلى استخدامها بمهارة لتحقيق أهدافهم الخاصة. إذ يحرص هؤلاء على انتقاء عبارات تبدو ودودة، وبريئة، وتوظيفها في التوقيت المناسب لإقناع الطرف الآخر بما يريدون.

ومع ذلك، فإن إدراك هذه الأساليب يسهّل كشفها، والتعامل معها بوعي أكبر. فقراءة ما بين السطور، والانتباه إلى الرسائل الضمنية يساعدان على تمييز العبارات التي قد تبدو لطيفة في ظاهرها، لكنها تحمل مقاصد مختلفة.

وفي هذا الإطار، هناك سبعة أنماط شائعة ينبغي الانتباه إليها، سواء في العلاقات العاطفية، أو في بيئات العمل، وفق ما أوردته شبكة «سي إن بي سي» الأميركية.

1. «أنا آسف لأنك منزعج»

هناك «لكن» قادمة، وهذه هي المشكلة. يستخدم المتلاعبون عبارات كهذه كاعتذار زائف، وعادةً ما يتبعونها بسرد أخطائك، أو أسباب خطأ تصوراتك.

إنه مزيج من الاستخفاف، والتلاعب النفسي. يُقال لك إن مشاعرك غير مهمة، بل وغير مبررة.

2. «أعلم أننا لم نعرف بعضنا إلا لفترة قصيرة، لكنني متأكد من صدق مشاعرنا»

لا يُصنّف هذا دائماً ضمن الرومانسية، فقد يكون ما يُعرف بـ«قصف الحب»، ويحدث هذا عندما يُغدق عليك أحدهم كلمات وأفعالاً عاطفية في بداية العلاقة لكسب نفوذه.

في البداية، قد يبدو الأمر جذاباً، لكن مع مرور الوقت، غالباً ما يتحول إلى سيطرة. فالشخص نفسه الذي يُبالغ في مدحك قد يستغل هذا الأسلوب لاحقاً لتقويض ثقتك بنفسك.

3. «لسنا بحاجة لأحدٍ سوانا»

بعد الإطراء الأول، يتحول الأسلوب إلى عباراتٍ تُشعرك بالعزلة. الهدف: جعلك مُعتمداً عليه فقط.

من خلال تصوير العلاقة على أنها حصرية، يُنشئ المُتلاعب مسافةً بينك وبين الأشخاص الذين قد يُقدمون لك وجهة نظرٍ مُختلفة، ويجعلك أكثر اعتماداً عليه.

4. «أقول هذا فقط لأنني أهتم بأمرك كثيراً»

هذا جانب آخر من جوانب التلاعب العاطفي. فبعد كل تلك التعليقات من نوع «أنت الشخص الوحيد المناسب لي»، يبدأ المتلاعب بانتقادك... لكنه يُظهر الأمر كأنه مجرد جانب آخر من جوانب الحب.

قد تظن أنك تحظى بالتقدير، لكنك في الحقيقة تُدفع للموافقة على كلام شخص يُدبّر لك مكيدة. ونتيجة لذلك، تبدأ ثقتك بنفسك بالتأثر سلباً.

5. «أنا قلق عليك. تبدو شارد الذهن»

عندما تسمع هذا، تظن أن أحدهم يهتم بأمرك. لكنه قد يكون جزءاً من عملية التلاعب النفسي. يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع. يبثون الشك في تفكيرك ويجعلونك تشعر بأنك لا تفكر بشكل سليم. إنه جانب أساسي من التلاعب، وغالباً ما يكون من أصعبها اكتشافاً.

وكما أوضح أحد الباحثين: يجعلك المتلاعبون النفسيون تشعر «بعجز معرفي»، وعدم القدرة على إدراك الحقيقة.

6. «لستُ متأكداً من أن (شخصاً آخر) يُراعي مصلحتك كما أفعل»

على غرار أسلوب العزلة المعروف، يُعدّ هذا جزءاً آخر من التلاعب النفسي. وهو مثال آخر على التلاعب المُقنّع بالاهتمام.

ما هدف المُتلاعب؟ أن يجعلك تتجاهل ما يقوله الآخرون، وتستمع إليه باعتباره الشخص الوحيد الذي يقول لك الحقيقة.

7. «إذا كان هذا ما تريد فعله، فافعل ما يحلو لك»

يبدو الأمر كأن شخصاً ما يريدك أن تتمتع بحرية اتخاذ قراراتك بنفسك، وأن تفعل ما يحلو لك، لكنّ العبارة التي تبدو بريئة قد تكون عكس ذلك تماماً، فغالباً ما يستخدم المتلاعبون هذه العبارات عندما لا يحصلون على ما يريدون، وعندما لا تسير في طريقهم.


لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.