«طيران الرياض» تراهن على التوسع التدريجي مع تسارع تسلُّم طائراتها الجديدة

النويصر لـ«الشرق الأوسط»: وصول الثالثة لحظة تاريخية ونتوقع رفع قوام أسطولنا إلى 11 قبل نهاية العام

TT

«طيران الرياض» تراهن على التوسع التدريجي مع تسارع تسلُّم طائراتها الجديدة

لحظة تدشين طائرة «بوينغ 787» في الحفل (إكس)
لحظة تدشين طائرة «بوينغ 787» في الحفل (إكس)

طوت «طيران الرياض» مرحلة التأسيس الهيكلي لتنتقل رسمياً إلى مدرج التشغيل الفعلي، مدفوعة بـاستراتيجية توسع تدريجية ومدروسة تراهن على النمو المتسارع لقوام أسطولها الجوي، واقتراب ساعة الصفر للإطلاق التجاري للناقل الوطني الجديد للمملكة.

ومع ملامسة الطائرة الثالثة من طراز «بوينغ 787 دريملاينر» مدرج العاصمة، وبدء الطرح الرسمي لبيع التذاكر نحو أولى الوجهات المحلية والدولية، تتأهب الشركة لبناء شبكة رحلات متنامية ترتكز على تعظيم السعة التشغيلية، واستهداف الأسواق العالمية ذات الطلب المرتفع.

وتأتي هذه الخطوات المتسارعة لتترجِم على أرض الواقع مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تحويل العاصمة الرياض إلى مركز لوجستي عالمي، وحلقة وصل محورية لحركة النقل الجوي والضيافة الفاخرة بين القارات.

وقال نائب الرئيس الأول للتسويق والتواصل المؤسسي في «طيران الرياض»، أسامة النويصر، إن وصول الطائرة الثالثة يمثل «لحظة تاريخية» للشركة بعد أيام من تسلُّم أول طائرتين؛ مشيراً إلى أن هذه المرحلة تأتي تتويجاً لأكثر من 3 سنوات من العمل منذ توقيع أولى الصفقات مع شركة «بوينغ»، ضمن خطة لبناء أسطول يتجاوز 182 طائرة.

وأضاف النويصر -في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»- أن الناقل الجديد انتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التشغيل الفعلي، موضحاً أن الشركة بدأت اختبارات تشغيلية مكثفة شملت تسيير رحلات يومية مباشرة بين الرياض ولندن، بهدف تقييم جودة الخدمات والمنتجات، وتجربة التشغيل قبل الإطلاق التجاري الكامل.

5 وجهات

وأوضح أن الشركة بدأت رسمياً بيع التذاكر إلى 5 وجهات، تشمل: جدة، والقاهرة، ودبي، ومدريد، ومانشستر، مؤكداً أن هذه الخطوة تمثل بداية شبكة الوجهات التي ستتوسع تدريجياً خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن «طيران الرياض» تستعد لاستقبال مزيد من الطائرات بشكل متسلسل خلال الأشهر المقبلة، بما يدعم خطط التوسع في الوجهات وزيادة السعة التشغيلية، لافتاً إلى أن الشركة تعمل حالياً على تشغيل 4 رحلات يومية بين الرياض وجدة، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز الربط الجوي بين العاصمة السعودية وأبرز المراكز الاقتصادية والسياحية حول العالم.

وأكد النويصر أن الشركة تدرس باستمرار إضافة وجهات داخلية ودولية جديدة، موضحاً أن الهدف لا يقتصر على زيادة عدد الرحلات؛ بل يركز على تنويع الوجهات وربط الرياض بعواصم ومدن رئيسية، بما ينسجم مع مستهدفات تحويل العاصمة إلى مركز عالمي للنقل الجوي.

الطائرة الجديدة لحظة دخولها الأجواء السعودية (إكس)

الابتكار

وقال النويصر إن الابتكار والريادة يشكلان ركيزتين أساسيتين في استراتيجية «طيران الرياض»، سواء على مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين، أو التجربة الرقمية والتشغيلية التي تسعى الشركة إلى تقديمها.

وحول التحديات التي يشهدها قطاع الطيران عالمياً، أوضح النويصر أن الأحداث الجيوسياسية والاضطرابات التي تؤثر في سلاسل الإمداد تمثل تحديات مشتركة أمام شركات الطيران، إلا أن «طيران الرياض» تركز على اغتنام الفرص واختيار الأسواق التي تتمتع بطلب مرتفع وفرص نمو واعدة.

وكشف أن الشركة تتوقع امتلاك أكثر من 11 طائرة قبل نهاية العام الحالي، مع استمرار تسلُّم طائرات «بوينغ 787» بصورة شهرية، إلى جانب بدء تسلم طائرات «إيرباص A321» في نهاية العام، بما يعزز تنوع الأسطول ومرونته التشغيلية.

ويأتي هذا التوسع في وقت تتسارع فيه استعدادات «طيران الرياض» لإطلاق عملياتها التجارية، ضمن خطط المملكة الرامية إلى تعزيز قطاع الطيران، وزيادة الربط الجوي الدولي، تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030» الهادفة إلى تحويل السعودية إلى مركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية.

حفل تسلُّم الطائرات

وكان الناقل الجديد في السعودية قد احتفل بتسلُّم الطائرات الجديدة خلال مناسبة خاصة أقيمت في العاصمة الرياض، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين؛ حيث قال محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة «طيران الرياض»، ياسر الرميان، خلال الحفل، إن هذه اللحظة تجسد مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تعزيز ارتباط المملكة بالعالم ودعم التنويع الاقتصادي، مؤكداً أن الناقل الوطني الجديد يمضي نحو ترسيخ مكانة السعودية مركزاً عالمياً للنقل والخدمات اللوجستية، بينما تواصل «طيران الرياض» بناء نموذج جديد للسفر الجوي يربط الرياض بالعالم.

الرميان ودوغلاس داخل مقصورة الطائرة الجديدة مع عدد من المسؤولين (إكس)

السعودية مركز عالمي

ومع اقتراب دخول «طيران الرياض» مرحلة التشغيل التجاري، يشهد قطاع الطيران السعودي توسعاً متسارعاً تقوده الناقلات الوطنية المختلفة. وتشغِّل «الخطوط السعودية» أكثر من 530 رحلة يومياً إلى أكثر من 100 وجهة حول العالم، بينما تُسيِّر «طيران ناس» نحو ألفي رحلة أسبوعياً، بما يعادل نحو 285 رحلة يومياً. كما بدأت «طيران الرياض» عملياتها التشغيلية التجريبية عبر رحلات يومية إلى لندن قبل التوسع إلى وجهات أخرى، في حين تصل «طيران أديل» إلى 38 وجهة داخلية ودولية عبر شبكة تضم 159 مساراً جوياً.

نشأة «طيران الرياض»

وتعود جذور مشروع «طيران الرياض» إلى رؤية تستهدف تأسيس ناقل وطني جديد يدعم مستهدفات «رؤية 2030». وفي 12 مارس (آذار) 2023، أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تأسيس «طيران الرياض» بوصفها شركة مملوكة بالكامل لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، على أن تربط العاصمة السعودية بأكثر من مائة وجهة حول العالم بحلول عام 2030.

وكان مدير إدارة الاستثمارات المباشرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في «صندوق الاستثمارات العامة»، رائد إسماعيل، أكد أن «طيران الرياض» بدأت من حيث انتهى الآخرون؛ مشيراً إلى أن المنطقة شهدت خلال العقدين الماضيين توسعاً في شركات الطيران الاقتصادي، بينما لم تشهد تأسيس شركة طيران كبرى متكاملة تعتمد نموذجاً حديثاً منذ انطلاقها.

وحسب المعلومات، تراهن الشركة منذ بداية تأسيسها على التقنية والابتكار وتجربة العميل، لتكون من الممكِّنات الرئيسية لنمو قطاع السياحة في المملكة، وتعزيز الربط الجوي الدولي، وزيادة أعداد الزوار القادمين إليها.

وأشار إسماعيل إلى أن الناقل الجديد يستهدف تحويل الرياض إلى نقطة جذب ومسار عبور رئيسي للمسافرين، بما يسهم في ربط العاصمة السعودية بالوجهات العالمية، ويدعم الوصول إلى المشاريع الكبرى مثل: «القدية»، و«الدرعية»، و«موسم الرياض»، إلى جانب مختلف الوجهات السياحية والتنموية في المملكة.

وأضاف أن تأسيس شركة جديدة يتيح مرونة أكبر في بناء نموذج تشغيلي حديث قائم على التقنيات الرقمية والاستدامة، وتحسين تجربة المسافر، وهو ما شكل أحد المرتكزات الرئيسية لاستراتيجية «طيران الرياض» منذ إطلاق المشروع.

مساعٍ في «طيران الرياض» لتعزيز الوجهات مع دخول الطائرات الجديدة حيز التشغيل (إكس)

إعادة العصر الذهبي للطيران

وتستند استراتيجية «طيران الرياض» إلى إعادة صياغة تجربة السفر الجوي عبر الجمع بين الخدمات الفاخرة والتقنيات الرقمية الحديثة. وكان توني دوغلاس، الرئيس التنفيذي للشركة، قد أكد أن الناقل الوطني الجديد لا يهدف فقط إلى نقل المسافرين؛ بل إلى إعادة تعريف تجربة الرحلة بأكملها من خلال مزيج من الابتكار الرقمي والاتصال السلس.

وأوضح دوغلاس أن الشركة تولي اهتماماً كبيراً بأدق التفاصيل، مستلهمة تجربة العصر الذهبي للطيران عندما كانت الرحلة الجوية جزءاً من تجربة ضيافة متكاملة. وقال إن «طيران الرياض» تسعى إلى استعادة هذا المفهوم عبر تقديم تجربة راقية ومتميزة على الأرض وفي الجو، بما يعزز مكانتها لاعباً عالمياً في قطاع السفر الجوي الفاخر.

وحسب المسؤولين، فإن الذكاء الاصطناعي سيشكل أحد العناصر المحورية في نموذج التشغيل، من خلال خدمات رقمية قادرة على تخصيص تجربة المسافر، واقتراح الأنشطة والفعاليات والخيارات المناسبة له خلال رحلته، إلى جانب توفير تجربة رقمية سلسة تتيح إنجاز مختلف الخدمات بسهولة وسرعة.

وتؤكد «طيران الرياض» أنها تستهدف سوقاً قائمة تتمتع بطلب مرتفع، ولكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الخدمات والخيارات؛ حيث أكد دوغلاس أن التركيبة السكانية الشابة في السعودية والانتشار الواسع للتقنيات الرقمية يوفران بيئة مواتية لنمو الشركة.

وأضاف أن الناقل الجديد سيؤدي دوراً مهماً في دعم مستهدفات المملكة السياحية، من خلال تسهيل وصول الزوار إلى الرياض ومختلف الوجهات السعودية، وتعزيز مكانة المملكة على خريطة السفر العالمية.


مقالات ذات صلة

وكالة سلامة الطيران الأوروبية تقلص نطاق تحذيرها بشأن المجال الجوي للخليج

الخليج إحدى الطائرات التابعة لشركة «طيران الإمارات» تستعد للإقلاع في مطار دبي الدولي (وام)

وكالة سلامة الطيران الأوروبية تقلص نطاق تحذيرها بشأن المجال الجوي للخليج

مددت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي تحذيرها الموجّه إلى شركات ​الطيران بتجنب المجال الجوي فوق مياه الخليج في البحرين والكويت وقطر والإمارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق طائرة تستعد للإقلاع من مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)

العثور على جثة مجهولة الهوية داخل حجرة عجلات طائرة قادمة من اليابان

عُثر على جثة مجهولة الهوية داخل حجرة عجلات طائرة في مطار كوالالمبور، بعد هبوطها قادمة من اليابان.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
الولايات المتحدة​ الطائرة الهليكوبتر «مارين 1» خلال الهبوط في مهبط البيت الأبيض (رويترز)

طاقم هليكوبتر ترمب لم يتصل بمراقبي الحركة الجوية قبل واقعة تتعلق بالسلامة

لم يتصل طاقم طائرة هليكوبتر عسكرية كانت تقل الرئيس دونالد ترمب، واقتربت أكثر ‌من اللازم من ‌طائرة ​ركاب، ⁠بمراقبي الحركة الجوية قبل الإقلاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق موظف يقود مركبة تحمل أمتعة في مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)

أمام المسافرين والموظفين... طائرة تصدم عاملاً في مطار مونتريال وترديه قتيلاً

في حادث مأساوي وقع أمام مسافرين وموظفين، لقي عامل في مطار مونتريال ترودو الدولي في كندا مصرعه أثناء تأدية مهامه.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (أ.ب)

12 ألف دولار في الساعة... كم كلّفت رحلة هاري وميغان الخاصة إلى بريطانيا؟

بعد نحو 6 سنوات على مغادرتهما المملكة المتحدة، عاد الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل إلى بريطانيا، لكن هذه المرة على متن طائرة خاصة فاخرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
TT

تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)

دخلت «سبايس إكس» أسبوعاً حافلاً بالتطورات، بعدما تصاعد الخلاف بين الملياردير إيلون ماسك والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان، بالتزامن مع انتكاسة فنية دفعت «ناسا» و«سبايس إكس» إلى تأجيل موعد إطلاق مهمة مأهولة إلى محطة الفضاء الدولية، في وقت تراهن فيه الشركة على الذكاء الاصطناعي ليكون أحد محركات نموها مستقبلاً.

وأعلنت «أوبن إيه آي» أنها ستنهي وصول أداة البرمجة بالذكاء الاصطناعي «كورسور» إلى نماذجها، بعدما أصبحت الأداة تابعة لـ«سبايس إكس» إثر صفقة استحواذ بلغت قيمتها 60 مليار دولار في وقت سابق من أغسطس (آب).

وقالت الشركة إنها أبلغت «سبايس إكس» نيتها إنهاء عقد توفير نماذج «أوبن إيه آي» لـ«كورسور»، على أن يتوقف الوصول المقترح في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، مبررة القرار بعدم قدرتها على التأكد من استخدام «سبايس إكس» تقنياتها بما يتوافق مع شروط الخدمة.

وأضافت «أوبن إيه آي» أن قرارها يستند إلى تجربتها السابقة مع شركات ماسك، مشيرة إلى ما وصفته بخرق شروط عقود سابقة.

الخلاف بين ماسك وألتمان يتصاعد

يمثل قرار وقف الوصول إلى النماذج أحدث فصول الخلاف المستمر بين ماسك وألتمان، الذي تحول خلال الفترة الماضية من نزاع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى مواجهة قانونية وتجارية أوسع.

وكان ماسك قد أقام دعوى على «أوبن إيه آي» وألتمان، متهماً الشركة بالابتعاد عن مهمتها الأصلية غير الربحية والتحول إلى كيان هادف للربح. وانتهت القضية بحكم ضد ماسك، بعدما خلصت هيئة المحلفين إلى أن الدعوى قُدمت في وقت متأخر.

ورغم التصعيد الجديد، لم يبدِ ماسك قلقاً كبيراً من قرار «أوبن إيه آي»، قائلاً إنه «لا يكترث للأمر» عند سؤاله عن وقف وصول «كورسور» إلى نماذج الشركة، وفق «ياهو فاينانس».

لكن التداعيات قد تتجاوز الخلاف الشخصي بين الرجلين، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من استراتيجية «سبايس إكس» المستقبلية.

الذكاء الاصطناعي رهان جديد لـ«سبايس إكس»

تراهن «سبايس إكس» على توسيع أعمالها في الذكاء الاصطناعي باعتبارها أحد مصادر الإيرادات المحتملة في المستقبل، وقدرت في ملف طرحها العام أن الفرصة طويلة الأجل في هذا المجال قد تصل إلى 26.5 تريليون دولار.

ويضع ذلك «كورسور» في موقع مهم ضمن استراتيجية الشركة الجديدة، خصوصاً مع تنامي الاعتماد على أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، واحتدام المنافسة بين الشركات العاملة في تطوير النماذج المتقدمة.

وتستخدم «كورسور» نماذج عدة شركات في خدماتها للمطورين، وكان من بينها نماذج «أوبن إيه آي». وبحسب أحد مؤسسي «كورسور»، فإن نماذج «أوبن إيه آي» تمثل نحو 5 في المائة من حركة المرور على المنصة، ما يعني أن قطع الوصول لن يؤدي بالضرورة إلى توقف الخدمة، لكنه يفرض على الشركة إعادة ترتيب مصادر النماذج التي تعتمد عليها.

وقال مايكل ترول، أحد مؤسسي «كورسور»، إن الجانبين يجريان محادثات لمحاولة حل المشكلة.

انتكاسة في برنامج الرحلات المأهولة

وفي الوقت الذي تواجه فيه «سبايس إكس» هذا التطور في نشاط الذكاء الاصطناعي، تعرض نشاطها الفضائي التقليدي أيضاً لانتكاسة محدودة، بعدما أعلنت «ناسا» و«سبايس إكس» تعديل موعد إطلاق مهمة Crew-13 إلى محطة الفضاء الدولية.

وكان من المقرر إطلاق المهمة في 12 سبتمبر (أيلول)، على متن مركبة «دراغون» وعلى متنها أربعة رواد فضاء، لكن اكتشاف تسرب في مادة مؤكسدة داخل نظام الدفع للمركبة دفع الوكالتين إلى إجراء اختبارات إضافية.

ولم تحدد «ناسا» و«سبايس إكس» موعداً جديداً للإطلاق حتى الآن، في انتظار استكمال الاختبارات ومعالجة المشكلة الفنية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار إجراءات السلامة المعتادة للرحلات المأهولة، لكنها تضيف في الوقت نفسه تحدياً جديداً إلى جدول عمليات «سبايس إكس»، التي تعتمد على وتيرة إطلاق مرتفعة لتوسيع أعمالها في قطاع الفضاء.

السهم يتماسك رغم التطورات

ورغم التطورات المرتبطة بـ«كورسور» وتأجيل المهمة الفضائية، ارتفع سهم «سبايس إكس» بنحو 1 في المائة في التعاملات المبكرة، ما يشير إلى أن المستثمرين لم ينظروا إلى التطورات الأخيرة باعتبارها تهديداً فورياً لقيمة الشركة.

ويعكس ذلك ربما ثقة السوق باتساع مصادر نمو «سبايس إكس»، التي لم تعد تعتمد فقط على إطلاق الصواريخ والرحلات الفضائية، بل تتطلع إلى بناء حضور أكبر في الذكاء الاصطناعي.


استثمارات تتجاوز 15 مليار دولار في «ليب 26»... و«إكس إيه آي» و«إنفيديا» تتوسعان بالسعودية

TT

استثمارات تتجاوز 15 مليار دولار في «ليب 26»... و«إكس إيه آي» و«إنفيديا» تتوسعان بالسعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)

تشهد منظومة التقنيات الحديثة في السعودية تحولاً متسارعاً يضعها بمراكز عالمية متقدمة في صناعة الذكاء الاصطناعي، مع تدفق استثمارات وشراكات تتجاوز 15 مليار دولار في النسخة الحالية من «ليب26»، حيث أعلن وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، المهندس عبد الله السواحه، عن توسع شركات كبرى مثل «إنفيديا» و«إكس إيه آي» في المملكة، بما يعزز موقع الرياض بوصفها وجهة عالمية لرأس المال والتقنية، ويترجم طموحات «رؤية 2030» في اقتصاد المستقبل.

وحصدت شركة «هيوماين» المملوكة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، على النصيب الأعلى من حجم الصفقات والشراكات مع عمالقة الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، لتنفيذ مشروعات عدة في المملكة، بما فيها إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في «أوكساجون» بمدينة نيوم، والعمل على تطوير 100 ميغاواط من المرحلة الأولى للمشروع.

وافتتح المهندس السواحه أعمال النسخة الـ5 من «المؤتمر التقني الدولي (ليب26)»، الاثنين، في «مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات» في ملهم، تحت شعار: «إلى عوالم جديدة»، كاشفاً عن سلسلة من الاستثمارات والمشروعات الجديدة في قطاعات التقنية والذكاء الاصطناعي، مبيناً في الوقت ذاته أن شركة «إكس إيه آي» ستنفذ أول توسع لها خارج الولايات المتحدة في السعودية، «من خلال مشروع بقدرة أولية تبلغ 50 ميغاواط، على أن ترتفع إلى 500 ميغاواط في مراحل لاحقة».

وتطرق وزير الاتصالات وتقنية المعلومات أيضاً إلى إعلان «إنفيديا» عن أحد أكبر مصانع الذكاء الاصطناعي في العالم داخل المملكة، واصفاً المشروع بأنه أحد «الجواهر التاجية» للاقتصاد السعودي، وبأنه يجسد «رؤية المملكة» في التحول مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي.

الطاقة والحوسبة

وأفاد بأن المملكة تمضي في تعزيز البنية التحتية اللازمة لاقتصاد الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الطاقة والحوسبة والاتصال. كما تستهدف توفير ما يزيد على 12 غيغاواط من الطاقة، وأكثر من 20 كابلاً بحرياً بحلول 2030، إلى جانب توفير نحو 80 كيلومتراً مربعاً من الأراضي لعالم الذكاء الاصطناعي.

وذكر أن الاقتصاد الرقمي في بلاده هو «الأكبر والأسرع والأجرأ، وينمو بما نسبته 70 في المائة، وتعدّ السعودية من الدول المتقدمة تقنياً»، مفصحاً عن أن «تمكين المرأة في المنظومة يصل إلى 36 في المائة، وهي الرقم (1) بين دول (مجموعة العشرين)، وكذلك من كبرى قصص النجاح في الفضاء، بوصفها أول امرأة في محطة الفضاء الدولية».

وبيَّن السواحه أن بلاده تواصل العمل مع شركائها الدوليين لـ«قيادة التحولات التقنية وتسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يدعم مستهدفات (رؤية 2030) ويعزز مكانة المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي».

«هيوماين»

وتواصل السعودية خلال مؤتمر «ليب26» ترسيخ موقعها مركزاً عالمياً للتقنية، مع «انتقال التركيز من إعلان الطموحات إلى تنفيذ مشروعات فعلية في البنية التحتية والحوسبة والطاقة، مدعومة بشراكات مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية».

وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين»، طارق أمين، أن السعودية تمتلك المقومات اللازمة لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي وتلبية الطلب المحلي والعالمي، مشيراً إلى «أهمية الطاقة، والأراضي، ورأس المال، والموقع الجغرافي، والكوادر البشرية، والإرادة اللازمة لتطبيق التقنية على نطاق واسع».

وتابع أمين، خلال مؤتمر «ليب2026» في الرياض: «أساسيات تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في أي بلد هي الطاقة. أنت بحاجة إلى مساحات شاسعة من الأراضي. لا بد من توفر رأس المال، والموقع الجغرافي، والكوادر البشرية، ولا ننسى الإرادة اللازمة لتطبيق هذه التقنية على نطاق واسع لتلبية الطلب المحلي والعالمي. أعتقد أن السعودية تمتلك كل المقومات اللازمة. إنها تمتلكها فعلاً».

وواصل أن «هيوماين» تستهدف تطوير 6 غيغاواط من قدرات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المملكة، مشيراً إلى أن الشركة حصلت على 14 غيغاواط من قدرات الشبكة الكهربائية.

ووفق أمين، فإن «هيوماين» تمتلك 211 موقعاً للأراضي، بينها 7 مواقع تمثل مجمعات مخصصة للذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى أن الشركة تعمل بالتوازي على بناء البنية التحتية وتأمين الطلب عليها.

الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط)

طلب متنامٍ على التقنيات

كما تحدث عن تأسيس «هيوماين» في 12 مايو (أيار) 2025؛ بهدف «بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، وليس تطوير منتج أو وحدة أعمال واحدة»، مشيراً إلى أن الشركة تعمل على 4 محاور رئيسية تشمل: الطاقة ومراكز البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي المادي.

ويرى أن الذكاء الاصطناعي يقود «أكبر تحول في التاريخ»، مع تريليونات الدولارات من الاستثمارات العالمية الموجهة إلى الطاقة والأراضي والشبكات والحوسبة استعداداً للطلب المتنامي على هذه التقنيات.

وأشار أمين إلى أن الشركة لا تبني مراكز بيانات بمعزل عن الطلب، قائلاً إن المصانع تحتاج إلى عملاء ومستأجرين بالتزامن مع عملية البناء، ومؤكداً أن الشراكات مع الشركات العالمية تمثل جزءاً أساسياً من استراتيجية «هيوماين».

وأكمل أن «هيوماين» تستهدف تشغيل 250 ميغاواط بنهاية 2026، والوصول إلى غيغاواط في 2027، مؤكداً التزام الشركة بتسريع بناء قدرات الذكاء الاصطناعي لخدمة السوق السعودية والطلب العالمي.

صفقات استثمارية

وفي إطار توسع البنية التحتية، أعلنت «هيوماين» و«إيه إم دي» و«سيسكو» بدء تشغيل بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية تعتمد على معالجات «إيه إم دي إنستنكت إم آي 355 إكس» ومعالجات «إيه إم دي إبيك»، إلى جانب شبكات «سيسكو»، لتوفير قدرات حوسبة لعملاء «هيوماين» في المملكة وخارجها.

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات مع الدكتورة ليزا سو الرئيسة التنفيذية لشركة «إيه إم دي» على مسرح المؤتمر (الشرق الأوسط)

وتخطط الشركات لنشر ما يصل إلى 250 ميغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضمن المرحلة المقبلة من المشروع المشترك، على أن يبدأ النشر في 2027، مع دخول القدرة التشغيلية تدريجياً خلال النصف الثاني من العام، بينما يستهدف المشروع الوصول إلى غيغاواط بحلول 2030.

مركز بيانات في «أوكساجون»

كما أعلنت «هيوماين» و«داتا فولت» بدء إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في «أوكساجون» بمدينة نيوم، والعمل على تطوير 100 ميغاواط من المرحلة الأولى للمشروع.

وكشفت «هيوماين» و«أمازون ويب سيرفيسز» عن توسيع تعاونهما لتوفير سعة تصل إلى 50 ميغاواط ضمن منطقة الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2028.

وأفصحت «هيوماين» عن توسيع شراكتها مع «إيه إم دي» لتطوير المرحلة الأولى من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بسعة تصل إلى 250 ميغاواط خلال ما بين العامين والأعوام الثلاثة المقبلة، مع بدء نشر سعة أولية تبلغ 25 ميغاواط.

وتتعاون «هيوماين» مع «توجيذر إيه آي» لتوفير قدرات للذكاء الاصطناعي بسعة 55 ميغاواط، وإنشاء مركز بيانات جديد في المملكة بسعة تصل إلى 250 ميغاواط.

الشركة السعودية كشفت أيضاً عن تعاونها مع «ريفلكشن إيه آي» لنشر نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة للأخيرة على البنية التحتية لـ«هيوماين» في المملكة، ومع «أبلايد إنتيويشن» لنشر آلاف الشاحنات ذاتية القيادة وتشغيلها في السعودية بحلول عام 2030.

برمجيات مجانية

ومن جانب آخر، أعلنت شركة «أدوبي» عن توفير برمجيات مجانية في السعودية تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار، بهدف إتاحة أدوات الإبداع والتعبير الرقمي لأكثر من 27 مليون شخص فوق سن 13 عاماً بالمملكة، ضمن مبادرة ترى الشركة أنها تعزز موقع السعودية في قيادة التحول الإبداعي وتمهّد لاستفادة مليارات الأشخاص حول العالم من هذه التجربة.

شانتانو نارايِن الرئيس التنفيذي لـ«أدوبي» مع وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حوار على هامش المؤتمر (الشرق الأوسط)

وجاء الإعلان خلال جلسة حوارية جمعت شانتانو ناراين، الرئيس التنفيذي لـ«أدوبي»، بوزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، عبد الله السواحه، على هامش مؤتمر «ليب»، حيث ناقش الجانبان دور الذكاء الاصطناعي في مستقبل الإبداع، وتأثير التقنيات الجديدة في الوظائف الإبداعية.

وأضاف ناراين: «نحن في (أدوبي) نؤمن بأن لدى كل شخص قصة ليرويها»، مشيراً إلى أن الإبداع والتسويق «مهمان جداً في تطور مستقبل كل صناعة وكل دولة».

وبشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف الإبداعية، قال: «نحن نؤمن حقاً بأنه لا يوجد شيء سيحل محل الابتكار البشري»، موضحاً أن الابتكار البشري يمكنه الاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي.

أولويات «لوسيد»

وعلى هامش مشاركتها في النسخة الـ5 من مؤتمر «ليب26»، قال الرئيس التنفيذي عضو مجلس إدارة «لوسيد»، سلفيو نابولي، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، إن شركته تدخل «مرحلة جديدة تهتم فيها بتحسين السيولة والانضباط التشغيلي، إلى جانب إطلاق منتجات جديدة وتوسيع التصنيع في السعودية، في وقت تكثف فيه جهودها لمعالجة الضغوط المالية وتعزيز قدرتها على النمو، بالتوازي مع تطوير تقنيات ومنتجات تستهدف أسواقاً جديدة».

وزاد أن الشركة حددت 4 أولويات رئيسية للمرحلة المقبلة، تشمل «تحسين التدفقات النقدية والتكاليف؛ بهدف توفير 1.4 مليار دولار خلال 2026، وتطوير برنامج سيارات الأجرة ذاتية القيادة، بالتعاون مع (أوبر) و(نورو)، واستكمال انتقال مصنع (إيه إم بي2/ AMP-2) في السعودية إلى التصنيع المتكامل، والمضي قدماً في برنامج المركبات متوسطة الحجم، وصولاً إلى جاهزية الإطلاق».

وأكد نابولي أن «لوسيد» تمتلك تقنيات رائدة ومنتجات متميزة، «وتعمل على معالجة تحدياتها المالية على مستوى التنفيذ، من خلال التركيز على 3 مرتكزات أساسية، هي: السيولة والتكاليف، والعملاء والجودة، والثقافة المؤسسية وفريق العمل».

ووصف نابولي علاقة «لوسيد» بـ«صندوق الاستثمارات العامة» بأنها تتجاوز إطار العلاقة التقليدية بين المستثمر والشركة؛ لأن «السيادي» السعودي «شريك استراتيجي مهم، ويعكس دعمه ثقة مشتركة بإمكانات المنشأة وآفاق نموها على المدى الطويل».

وكشف عن «رؤية مشتركة تجمع الشركة والصندوق؛ للإسهام في رسم ملامح مستقبل التنقل، ودعم مستهدفات (رؤية 2030)»، مبيناً أن حضور «لوسيد» في السعودية «يمنحها إمكانية الاستفادة من الكفاءات الهندسية والقدرات البحثية وموارد الحوسبة المتقدمة، بينما يمثل التوسع في منشأة (إيه إم بي2/ AMP-2) - وهو أول مصنع متكامل لتصنيع المركبات بالكامل في (مدينة الملك عبد الله الاقتصادية) - خطوة محورية؛ إذ لا تقتصر الطموحات والالتزام في هذا الإطار على تصنيع السيارات الكهربائية فقط؛ بل تمتد إلى الإسهام في بناء منظومة متكاملة لهذا القطاع والتقنيات والصناعات المتقدمة في المملكة».

مشاركة كبيرة

ويشارك في النسخة الـ5 أكثر من ألف متحدث وخبير عالمي، وأكثر من 1800 شركة تقنية، إلى جانب ما يزيد على 600 شركة ناشئة، وأكثر من 1900 مستثمر وممثل لصناديق الاستثمار الجريء.

وتناقش النسخة الحالية أحدث التوجهات التي ترسم مستقبل التقنية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية السحابية، والبيانات، والأمن السيبراني، والتقنية المالية والصحية، والمدن الذكية، والطاقة، والمناخ، والفضاء، والألعاب والتقنية الرياضية، والتجارة الرقمية.


بيسنت لمجموعة العشرين: النمو مفتاح الخروج من أزمة الدين

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)
TT

بيسنت لمجموعة العشرين: النمو مفتاح الخروج من أزمة الدين

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)

دخلت اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في ولاية نورث كارولاينا الأميركية، الاثنين، على وقع دعوة من وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى تبني النمو الاقتصادي بوصفه المخرج الرئيسي من أعباء الديون المتراكمة، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الكبرى مستويات مرتفعة من الدين العام وعجزاً مالياً وضغوطاً مستمرة من التضخم.

وقال بيسنت، في مستهل اجتماعات المجموعة في مدينة آشفيل، إن رسالته إلى قادة المالية العالميين تتمثل في التركيز على النمو، مشيراً إلى أن العالم بات «غارقاً في الديون» بعد الأزمة المالية العالمية وجائحة «كوفيد-19».

وأضاف أن السبيل للخروج من هذه المديونية هو النمو، معرباً عن ثقته بأن عدداً كبيراً من المشاركين في اجتماعات المجموعة يتقبلون هذه الرؤية.

وتكتسب رسالة بيسنت أهمية خاصة في ظل الوضع المالي للولايات المتحدة، التي تجاوز دينها الحكومي 40 تريليون دولار، فيما تواجه البلاد احتمال تسجيل عجز يقارب تريليوني دولار في السنة المالية 2026.

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (رويترز)

ورغم ضخامة الأرقام، شدد وزير الخزانة الأميركي على قوة اقتصاد بلاده وقدرته على تجاوز الضغوط الحالية من خلال تحقيق نمو أعلى. وقال إن الإدارة الأميركية ورثت، من وجهة نظره، وضعاً اقتصادياً صعباً، مستخدماً تشبيهاً لافتاً لوصف المرحلة التي مر بها الاقتصاد الأميركي. وأوضح أنه يقول أحياناً إنه يشعر وكأنه طبيب في قسم الطوارئ، فيما الاقتصاد هو المريض، مضيفاً أن الحكومة نجحت في «تحقيق استقرار» للمريض، وأن الاقتصاد دخل الآن مرحلة التعافي.

وأشار بيسنت إلى ارتفاع الدخول الحقيقية للأميركيين، في إشارة إلى تحسّن القوة الشرائية، معتبراً ذلك أحد المؤشرات على أن الاقتصاد بدأ يستعيد توازنه بعد فترة من الضغوط.

ولا تقتصر رؤية وزير الخزانة الأميركي على معالجة المديونية من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، بل تقوم بصورة أساسية على توسيع حجم الاقتصاد نفسه، بحيث يصبح النمو مصدراً لزيادة الإيرادات وتحسين القدرة على تحمّل أعباء الدين.

وتأتي هذه المقاربة في وقت تواجه فيه حكومات مجموعة العشرين معادلة معقّدة؛ إذ تحتاج إلى مواصلة الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والصناعات الجديدة، في حين تحد مستويات الدين المرتفعة وتكاليف الاقتراض من قدرتها على زيادة الإنفاق.

وارش: عصر «الركود المزمن» انتهى

وفي الجانب الآخر من النقاش، قدّم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفين وارش، رؤية أكثر تفاؤلاً بشأن الاقتصاد العالمي، متحدثاً عن تحول لافت في حركة رأس المال العالمية.

وقال وارش، خلال الجلسة الافتتاحية لاجتماعات مجموعة العشرين، إن العالم يشهد «موجة استثمار عالمية» تساعد على دفع النمو، في تحول عن مرحلة طويلة كان فيها النقاش الاقتصادي يدور حول فائض المدخرات وضعف فرص الاستثمار.

وتعد مشاركة وارش في اجتماعات المجموعة الأولى له منذ توليه رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو (أيار)، وهو ما يمنح تصريحاته أهمية إضافية، خصوصاً مع ترقب الأسواق لتصوراته بشأن الاقتصاد العالمي ومسار النمو والسياسة النقدية.

وقال وارش إنه يتطلع إلى التعرف بصورة أكبر على آفاق النمو في اقتصادات مجموعة العشرين، مشيراً إلى أن الاجتماعات السابقة للمجموعة، بما فيها تلك التي عُقدت قبل الأزمة المالية العالمية في 2008 وبعدها، كانت تشهد نقاشات متكررة حول ما كان يُعرف بـ«فائض المدخرات العالمي».

وحسب وارش، فإن تلك الصورة تغيّرت بصورة واضحة، إذ أصبحت المشكلة أقل ارتباطاً بتراكم المدخرات وقلة فرص توظيفها، وأكثر ارتباطاً بارتفاع حجم الاستثمار والطلب على رأس المال.

وقال إن أفضل وصف للمرحلة الحالية هو أنها «موجة استثمار عالمية»، مضيفاً أن مفهوم «الركود المزمن» لم يعد يعكس طبيعة المرحلة الراهنة.

وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (رويترز)

طلب متزايد على رأس المال

ويشير طرح وارش إلى تحول مهم في البيئة الاقتصادية العالمية. فبعد سنوات اتسمت بضعف الاستثمار وتراكم المدخرات، يرى رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة تتزايد فيها فرص الاستثمار، مدفوعة بالتطور التكنولوجي واحتياجات البنية التحتية والتحولات الصناعية.

وقد تكون لهذا التحول انعكاسات واسعة على أسواق المال، إذ إن ارتفاع الاستثمار يعني زيادة الطلب على التمويل ورأس المال، كما يمكن أن يدعم الإنتاجية والنمو على المدى الطويل إذا تحولت الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية جديدة.

وفي الوقت نفسه، يفرض ارتفاع الطلب على رأس المال تحديات على الحكومات والأسواق، خصوصاً في الاقتصادات التي تحمل مستويات مرتفعة من الدين. فزيادة احتياجات التمويل يمكن أن تؤدي إلى استمرار الضغوط على أسواق السندات، في حين قد تؤدي معدلات الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين.

ومن هنا تتقاطع رسالتا بيسنت ووارش في نقطة أساسية، هي أن النمو والاستثمار سيكونان حاسمَين في تحديد قدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز المرحلة الحالية، وإن اختلفت زاوية كل منهما؛ فوزير الخزانة الأميركي يركز على النمو باعتباره مخرجاً من أعباء الدين، في حين ينظر رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» إلى موجة الاستثمار باعتبارها علامة على تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي.

اختبار صعب للاقتصاد العالمي

وتنعقد اجتماعات مجموعة العشرين في وقت تواجه فيه الاقتصادات الكبرى تحديات متزامنة، من ارتفاع مستويات الدين السيادي وتكاليف الاقتراض، إلى استمرار المخاوف بشأن التضخم وتفاوت معدلات النمو بين الاقتصادات.

كما يبرز الاستثمار والإنتاجية باعتبارهما محورَيْن أساسيين في النقاش، خصوصاً مع تسارع التحولات في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والتصنيع والتكنولوجيا.

وتسعى مجموعة العشرين، التي تضم أكبر الاقتصادات المتقدمة والناشئة في العالم، إلى تنسيق السياسات بشأن قضايا الاقتصاد والتمويل العالمي، إلا أن الخلافات التجارية والسياسات الاقتصادية المتباينة بين أعضائها تجعل الوصول إلى مواقف مشتركة أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، تحمل دعوة بيسنت إلى «النمو للخروج من الدين» أهمية تتجاوز الاقتصاد الأميركي، إذ تأتي في وقت تواجه فيه حكومات كثيرة الحاجة إلى تمويل استثمارات ضخمة في الوقت الذي ترتفع فيه أعباء خدمة الدين.

أما رسالة وارش فتقدم جانباً أكثر تفاؤلاً للصورة، مفادها أن الاقتصاد العالمي لا يقف أمام نقص في فرص الاستثمار كما كان الحال في فترات سابقة، بل أمام موجة جديدة من الاستثمار يمكن أن تصبح محركاً للنمو العالمي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended