«حيث يكون الانتماء»... محاولة بيروتية لتقليص الخراب

معرض جماعي يرى الحياة من نوافذ الرأس الباحث عن الجمال

لوحة الرسام اللبناني عماد فخري تختزل العلاقة الخاصة بين الكلب والإنسان (الشرق الأوسط)
لوحة الرسام اللبناني عماد فخري تختزل العلاقة الخاصة بين الكلب والإنسان (الشرق الأوسط)
TT

«حيث يكون الانتماء»... محاولة بيروتية لتقليص الخراب

لوحة الرسام اللبناني عماد فخري تختزل العلاقة الخاصة بين الكلب والإنسان (الشرق الأوسط)
لوحة الرسام اللبناني عماد فخري تختزل العلاقة الخاصة بين الكلب والإنسان (الشرق الأوسط)

أيقظت زحمة الطريق المؤدّية إلى الجمّيزة في الأيام الفاصلة بين العيدَيْن، شعورَ استعادةٍ ما. كان نقيضُ الإحساس بالانطفاء ينتظر الآتين إلى غاليري «آرت أون 56» على طول الشارع المُضيء نحو تلك المنطقة البيروتية. إقامة معرض «حيث يكون الانتماء»، مع تركيبة الزِّينة والضوء وطغيان مفهوم اللون، هزَّت ما يحلُّ إنسانياً حين يعتري الخراب الداخل ويحدُث التشظّي على مساحات شاسعة.

يشكّل المعرض مصافحة أولى مع النجاة من الحريق (الشرق الأوسط)

الناس في المعرض يتصافحون على وَقْع تشارُك استعادة الحياة. لم يُغلق الغاليري بابه رافضاً إعلان اليأس، وكل ما حوله نارٌ ودخان. مع ذلك، يشكّل معرض «حيث يكون الانتماء» المستمرّ حتى 11 يناير (كانون الثاني) المقبل، مصافحة أولى مع النجاة من الحريق. أعمال فنية تتيح للجدران قدراً آخر غيره التهشُّم بالحروب؛ يرمقها مشتاقون إلى مشهد ينتشل بيروتهم من أحزان لا تليق بمدن البهجات. معرضٌ لمجموعة فنانين يحمل رسالة أمل للبنان ودوام الجَمعة الحلوة.

أعمال فنية تتيح للجدران قدراً آخر غيره التهشُّم بالحروب (الشرق الأوسط)

تخرُج من وجوهٍ معلَّقة في إطار نظرات ريبة، مُغمَّسةً بقلق، لكنها مستعدّة للحظة صفاء مرجوَّة. يصعب مَنْح المعرض انطباعاً واحداً، ففيه تختلط الانطباعات بتعدُّد الأمزجة والإسقاطات والأساليب المُتَّبعة. على جدران الغاليري ما يهمس بالحياة؛ وهي الثابت الوحيد. حتى النظرات الشاردة على وجوهٍ ممسوحة بالحزن، تتمسّك بهذا الهَمْس الحيّ وتتحلّى بنبضه، كأنها به تطوي الصفحة الأليمة.

معرضٌ لمجموعة فنانين يحمل رسالة أمل إلى لبنان (الشرق الأوسط)

تقف لوحتان للرسامة اللبنانية رنا روضة، وُلدت الأولى قبل الثانية بعقد، على مسافة قريبة إحداهما من الأخرى. واحدة تُبيّن أشجاراً لا ندري أتتقارب أم تتباعد وسط مساحة طبيعية عصية على تحديدها، وأخرى من الصنف التجريدي التعبيري المُحمَّل بالتأويل. تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط» إنّ الحياة تُرغم المرء على مواصلتها من دون أن تعني المواصلة نسيان الألم. تختار من المفردات اللبنانية، «الجَعْلكة» (فوضوية الملابس التي تسبق كيّها)، لوصف المصائر جراء الحرب: «جميعنا تَجَعْلَكنا، والعون لمَن هدَّه التحمُّل. نحن هنا لأننا نجيد المحاولات. أرسم منذ زمن، والرسم حقيقتي. تهمّني الألوان وشفافيتها، واستطعتُ الاستمرار وفق تطلّعاتي. البُعد في اللوحة قابل للتفسير بالارتكاز إلى المتلقّي وما مرَّ به. لكنه بُعد واضح. قراءة اللوحة ليست مَهمّة العقل. يتولّى القلب مَهمّتَي اللمس والفَهم».

لوحة لرنا روضة من الصنف التجريدي التعبيري المُحمَّل بالتأويل (الشرق الأوسط)

بجوارها، يتأمّل الرسام اللبناني عماد فخري انطباع الزوّار حول لوحته المعروضة بحجم كبير؛ تُبرز كلباً على علاقة خاصة بإنسان. تُعمّق هذه العلاقة رغبةُ الفنان بالدعوة إلى «تواصل حقيقي» بين البشر يُعوّض سطوة العلاقات الافتراضية والتحاكي من خلف الشاشات. ففي معرض فرديّ له، قدَّم الشخص بصورة «أصلية» خارج الأجهزة وسلطانها، مغلِّباً التواصل المباشر على شكله الوسائطي. بين اللوحات ما يُجسِّد نُبل العلاقة بين بشرّي وكلب، والوفاء المتبادل والتواصل بلا لغة. يقول الرسام لـ«الشرق الأوسط»: «أحاكي الإنسان عبر الإنسان. قد لا تتداخل مشهدية الحرب مثلاً، بشكلها الصريح في فنّي، لكنّ التداعيات شديدة السطوع. وقد لا يؤرّقني رسم المستقبل أيضاً، وإنما الواقع. علاقة أخرى تستهويني هي ما يجمع المُجرَّد بالحياة. أبحث عن الملمس وأجرِّب المادة لأبلغ النتيجة المُشتهاة. الإنسان حاضر دائماً».

تخرُج من وجوهٍ معلَّقة في إطار نظرات ريبة مُغمَّسةً بقلق (الشرق الأوسط)

تُنادي المتجوِّل في المعرض لوحاتٌ بألوان دافئة، تبدو من عالم آخر يحكمه الخير. نسأل صاحبها الرسام اللبناني وسام بيضون؛ هل يمارس هروباً من الواقع تتعمّده ريشته ليشعر بنجاته؟ يُخبر «الشرق الأوسط» أنّ الواقع في رأسه زهورٌ وألوانٌ، وبإمكانه التغلُّب على الشرّ ما دام يرى العالم من نوافذ هذا الرأس. تتبنّى زهوره «وظيفة» دفاعية في مواجهة الخراب العميم، متناغمةً مع فلسفته القائلة إنّ «الجمال وحده يبقى وكل قبح إلى زوال». يعود إلى «طبيعة البشر المنجذبة إلى الفنّ والثقافة والجماليات»؛ وبنظره إلى الجبال مثلاً، يلمح فيها الإبداع الخُلقي، فيرسمها بمثالية موازية. يُريحه أنّ الوقت يصبح متاحاً للبدء من جديد وإعادة لملمة ما تبعثر، فيحاول محو البشاعة وإيجاد مساحة للون الدافئ والمشهد البديع والشعور الإنساني بالسلام.

الواقع في رأس الفنان وسام بيضون زهورٌ وألوانٌ (الشرق الأوسط)

تُنادي المتجوِّل في المعرض لوحاتٌ بألوان دافئة رسمها وسام بيضون (الشرق الأوسط)

لوحاتٌ وبعض المنحوتات في المكان، تمنحه سطوة على خارجٍ لم يدرك الشفاء بعد. بينها تتنقّل صاحبة الغاليري نهى وادي محرّم؛ تُصافح، تتأمل العيون، وترجو دوام الزحمة. تؤكد لـ«الشرق الأوسط» إمكانَ انتشال الإنسان بالفنّ والسكينة، وإنْ اهتزَّت من تحت قدميه الأرض. الاهتزاز المُتمثّل بالعنف والحروب وإجهاض الأحلام، تستطيع لوحةٌ أن تمنحه بلسمة. تدرك أنّ تلك الـ«كيب غوينغ» (واصل المسير) ليست بالأمر السهل. مُعذِّبة، مع كل خطوة نحو الحياة: «الفن يُسرِّع الشفاء. أردتُ معرضاً بعنوان (حيث يكون الانتماء) لنشعر بالأمل. سنظلّ نصدّقه على أي حال».


مقالات ذات صلة

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

يوميات الشرق فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

على طريقة عروض الأزياء، سارت مجموعة من الفتيات يحملن لوحات هبة الخطيب بدر الدين، أمام جمهور يجلس على مقاعده...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، زواره بـ«حقيبة نجيب محفوظ».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

استعاد المعرض الفني «المسار» الطابع الفني المميز للدراويش المولوية، وما يمثلونه من طاقة روحية محملة بسحر الماضي وجماله، عبر أعمال فنية جسدتهم في تماثيل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» التي ظهرت في فيلم «الزوجة الثانية» وغيرها من القصص القديمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
TT

«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية

استعاد الملتقى العربي «للعرائس والدمى والفنون المجاورة» نشاطه مجدداً بعد توقف دام 8 سنوات، منذ دورته الرابعة التي أقيمت عام 2018، إذ افتتحت دورته الخامسة في القاهرة، الأربعاء، وتستمر حتى 23 يناير (كانون الثاني)، الحالي، بتنظيم «الهيئة العربية للمسرح»، وبالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، وبمشاركة دولية واسعة شملت: مصر، وفلسطين، والعراق، والجزائر، وتونس، ولبنان، والإمارات، والكويت، وتنوعت بين العروض العرائسية والحكواتي، والندوات الفكرية.

وفي كلمته خلال حفل الافتتاح الذي أقيم في «المجلس الأعلى للثقافة» بدار الأوبرا المصرية، الأربعاء، وصف الأمين العام «للهيئة العربية للمسرح»، الكاتب الإماراتي إسماعيل عبد الله، عودة الملتقى بالقاهرة التي صنعت تاريخاً لهذه الفنون، بأنها «عودة حميدة».

وكشف إسماعيل عبد الله عن أن «الملتقى سيكون موعداً للإبداع وتبادل الخبرات والمهارات، ولترسيخ ثقافة فن كان الصورة الأولى لكل ما تفتق عنه العقل البشري ووصل إليه من إبداع مسرحي وسينمائي»، مؤكداً أن الهيئة العربية للمسرح أوصت بضرورة الاهتمام بهذه الفنون، وإحياء ما تراجع منها، وإنقاذ ما هو عرضة للاندثار.

الكاتب والمخرج الفلسطيني غنام غنام (الهيئة العربية للمسرح)

وبدوره، أشاد مدير مسرح العرائس، الدكتور أسامة محمد علي، في كلمته خلال حفل الافتتاح، بجهود «الهيئة العربية للمسرح»، وبفنون العرائس، لافتاً إلى «أنها كائنات لا تشيخ لأنها تستمد عمرها، وتجدد شبابها من دهشة وفرحة الأطفال، ونبض قلوب فنانيها، وأنها ليست مجرد دمية، بل هي وسيط إنساني بليغ يحمل هويتنا وقيمنا ولغتنا إلى أجيال المستقبل».

ومن جانبه، أكد الكاتب والمخرج الفلسطيني غنام غنام، مدير التدريب والتأهيل والمسرح المدرسي بالهيئة العربية للمسرح، أن الملتقى ليس تنافسياً ولن يكون ولا يوجد به جوائز للأفضل، بل هدفه تبادل الخبرات، والبحث عن العروض التي تتضمن الثيمة التي تحقق الغرض وتعتمد على التكنولوجيا، دون الوقوع تحت سطوة المنافسة.

وأوضح غنام في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الملتقى عادة يقام كل عامين، وكان من المفترض إقامته مطلع عام 2020، ولكن انتشار فيروس (كورونا)، حينها حال دون ذلك»، موضحاً أن آلية الاختيار تضمنت أسس صناعة الدمى وتحريكها، ومدى إتقانها، وأن الكثير من العروض الدولية التي تقدمت لم يقع الاختيار عليها لعدم جودتها وحرفيتها في التحريك والتصنيع، مؤكداً أن «العروض الأكثر مشاركة كانت من دولتين ينتعش بهما فن العرائس، وهما مصر وتونس».

وكشف غنام عن أن «تقديم نماذج مسرحية بارزة هو هدف الملتقى»، بجانب ندوات الخبراء الذين تميزت أعمالهم في هذا الجانب، ولديهم «سر الصنعة»، وذلك من أجل استفادة محبي هذا المجال، من بينهم سعيد أبو رية الخبير المصري في فن العرائس، والأخوان كريم ووليد دكروب من لبنان.

وأطلقت النسخة الأولى من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى»، عام 2013 من إمارة الشارقة بالإمارات، بينما تجول الملتقى فيما بعد في تونس، والقاهرة، وطنجة بالمغرب، ثم عاد مجدداً للقاهرة، حيث تقام فعالياته عبر عدة مواقع، وهي «المجلس الأعلى للثقافة»، ومسارح «الهناجر»، و«القاهرة للعرائس»، و«المتروبول»، و«الحديقة الثقافية بالسيدة زينب»، و«بيت السحيمي»، كما يمتد من خلال «المعرض الثالث للدمى والعرائس»، الذي يشرف عليه الفنان وليد بدر، في قاعة آدم حنين بمسرح الهناجر، بجانب تكريم كل من الفنان المصري محمد كشك، والفنان الجزائري قادة بن سميشة، والفنان الفلسطيني عبد السلام عبده.

إلى ذلك، يشارك «البيت الفني للمسرح»، التابع لقطاع المسرح بمصر، في الدورة الـ5 بعرضين من إنتاج فرقة القاهرة للعرائس، وهما «ذات الرداء الأحمر»، أداء صوتي لعدد من الفنانين من بينهم إسعاد يونس، وهالة فاخر، وإخراج نادية الشويخ، وعرض «قطرة ندى»، والمستوحى من المسرحية العالمية «هبط الملاك في بابل» للكاتب فريدريش دورينمات، ويشارك في الأداء الصوتي، إيهاب فهمي، مروة عبد المنعم، وإخراج رضا حسنين.

وحسب بيان البيت الفني للمسرح، فإن هذه المشاركة تؤكد دور مسرح القاهرة للعرائس في «دعم وتطوير فنون العرائس»، وتقديم عروض تجمع بين «القيمة الجمالية والرسالة الثقافية والتربوية»، وتسهم في «تطوير خطاب مسرح الطفل»، و«تعزيز حضور فنون العرائس»، بوصفه أحد أهم أشكال التعبير المسرحي القادرة على مخاطبة الوجدان.


وقف معاش عبد الرحمن أبو زهرة مجدداً يفجر انتقادات بمصر

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة (صفحة نجله أحمد أبو زهرة على «فيسبوك»)
الفنان عبد الرحمن أبو زهرة (صفحة نجله أحمد أبو زهرة على «فيسبوك»)
TT

وقف معاش عبد الرحمن أبو زهرة مجدداً يفجر انتقادات بمصر

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة (صفحة نجله أحمد أبو زهرة على «فيسبوك»)
الفنان عبد الرحمن أبو زهرة (صفحة نجله أحمد أبو زهرة على «فيسبوك»)

فجر قيام مصلحة الضرائب المصرية بالحجز على الحساب البنكي للفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة الذي لا يحوي سوى معاشه البسيط انتقادات مجدداً بمصر، لا سيما وقد جاء بعد شهور من تعرضه لواقعة مماثلة حين أوقفت هيئة التأمينات معاشه بعد بلوغه سن التسعين في واقعة أثارت جدلاً كبيراً.

وكشف وقائع الأزمة الجديدة نجله عازف البيانو أحمد أبو زهرة عبر حسابه بـ«فيسبوك»، متسائلاً في مرارة: «هل كل مؤسسات الدولة ليس وراءها سوى عبد الرحمن أبو زهرة، فبدلاً من تكريمه يحدث موقف مهين له مع أنه لا يريد أي شيء من أي أحد، بل إن كل ما طلبه أن يعيش أيامه الأخيرة في هدوء وسلام نفسي».

لافتاً إلى أن «مصلحة الضرائب أهانت والده بالحجز على معاشه»، وأضاف: «لقد حجزت على معاشه الذي لا يكمل ربع ثمن الأدوية التي يحتاج إليها، حيث أوقفت حسابه البنكي الذي ليس به سوى المعاش وحينما سألنا عن السبب قيل إنه محجوز عليه من الضرائب».

واختتم موجهاً حديثه لمسؤولي الضرائب وناشدهم أن «يرحموا فناناً أفنى أكثر من ستين سنة من عمره في خدمة هذا الوطن ولم يتأخر طوال حياته في دفع كل الضرائب بل على العكس، ومن يقل غير ذلك فهو ظالم».

ونال منشور أحمد أبو زهرة اهتماماً وفجر العديد من الانتقادات، وكتب حساب باسم سميح عسل: «إن المعاش لا يخضع قانوناً للحجز الضريبي وإنه يمكن بسهولة إثبات أن الحساب البنكي لا يحوي سوى المعاش»، وكتبت نهي حسين: «كل فترة يفعلون موقفاً مخزياً معه وهو الإنسان المحترم والفنان المحترم»، فيما كتب أدهم الميرغني: «والله عيب أن يحدث ذلك لرجل في قيمة هذا الفنان وهو من أثرى الفن والحياة بقيم جميلة وكان دائماً مثالاً رائعاً يحتذى به».

وكان الفنان عبد الرحمن أبو زهرة قد تعرض لأزمة مماثلة في مايو (أيار) من العام الماضي، حيث أوقفت هيئة التأمينات معاشه مع بلوغه سن التسعين، وكتب نجله عبر حسابه بـ«فيسبوك»، يؤكد أن هيئة التأمينات طلبت ممن قام بالاستفسار عن وقف معاش والده رغبتها في التأكد من وجود صاحب المعاش إما بحضوره شخصياً لمقر هيئة التأمينات أو بإرسال مندوب لمنزله لمقابلته للتأكد من أنه لا يزال على قيد الحياة، وقال نجل الفنان إن حالة والده الصحية لا تسمح بذهابه لهيئة التأمينات وإنهم كأسرة لن يسمحوا باقتحام خصوصية والدهم.

وأعلنت الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية وقتها أن سبب إيقاف معاش الفنان الكبير وجود مشكلة تقنية وتم تداركها، وأبدى رئيس الهيئة اعتذاره لأسرة الفنان.

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة ونجله (صفحة نجله أحمد أبو زهرة على «فيسبوك»)

وقال أحمد أبو زهرة لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه هي المرة الثانية التي يقومون بهذا الموقف المهين لفنان كبير وكأنهم ليس لديهم سواه، ففي المرة السابقة أوقفت التأمينات معاشه وهذه المرة قامت الضرائب بالحجز على حسابه البنكي الذي لا يحوي سوى معاشه البسيط»، لافتاً إلى أن «الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث هاتفياً مع والده عقب الواقعة السابقة وقال له أنت غالي عندنا وأخذ يطمئن على صحته، وقد أرسلت وزارة الصحة فريقاً طبياً أجرى فحوصات عديدة لأبي الذي أبدى امتنانه الكبير لتقدير الرئيس له، فهل مطلوب أن يتدخل الرئيس في كل مرة في ظل مهامه الكبيرة».

وحول موقف والده من الضرائب يقول نجل الفنان: «لم يقدم أبي أعمالاً فنية منذ عام 2020 أي منذ أكثر من 5 سنوات، وهو رجل ملتزم بطبيعته وكان يدفع الضرائب أولاً بأول، فكيف يحسبون عليه ضرائب مجدداً»، مشيراً إلى أن شخصيات من وزارة المالية تواصلت معه اليوم بعد ما نشره عبر «فيسبوك» ووعدوا بإصلاح هذا الخطأ.

وأبدت الناقدة الفنية المصرية خيرية البشلاوي انزعاجها من هذا الموقف، متسائلة: «كيف يحدث هذا مع فنان كبير صاحب إرث ثقافي وفني وقد أدى دوره بأمانة وشرف ولم يقدم ما يسيء للمجتمع؟»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نحن بصدد فنان قدير عاش محترماً ويجب أن يظل التعامل معه كذلك فلا يتعرض من جهات بالدولة لإهانة أو ظلم، لا سيما وهو يعيش على معاشه ولم يُعرف عنه الثراء، وأولى بمؤسسات الدولة أن تعامله باحترام لأنه لم يتخلف في أي وقت عن دفع الضرائب المطلوبة منه حتى تقاعده».

وتخرج الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة «91 عاماً» في معهد الفنون المسرحية 1958 وعُين ممثلاً بالمسرح القومي الذي شهد صولاته وجولاته عبر أدوار تاريخية وكوميدية ودينية، من بينها «لعبة السلطان»، و«الفرافير»، و«زهرة الصبار»، و«الحسين ثائراً»، وشارك في عدد كبير من الأفلام، من بينها «بئر الحرمان»، و«عمالقة البحار»، و«أنا حرة»، و«أرض الخوف». كما شارك في بطولة عدد كبير من المسلسلات من بينها «لن أعيش في جلباب أبي»، و«عمر بن عبد العزيز»، و«الطريق إلى القدس».


فحص بسيط يتوقع نوبات التهاب الأمعاء

يمر المرضى بفترات من الهدوء تليها نوبات مفاجئة وشديدة من الألم والإسهال والإرهاق (جامعة إدنبرة)
يمر المرضى بفترات من الهدوء تليها نوبات مفاجئة وشديدة من الألم والإسهال والإرهاق (جامعة إدنبرة)
TT

فحص بسيط يتوقع نوبات التهاب الأمعاء

يمر المرضى بفترات من الهدوء تليها نوبات مفاجئة وشديدة من الألم والإسهال والإرهاق (جامعة إدنبرة)
يمر المرضى بفترات من الهدوء تليها نوبات مفاجئة وشديدة من الألم والإسهال والإرهاق (جامعة إدنبرة)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة إدنبرة في اسكوتلندا أن فحوصات البراز الدورية، بالإضافة إلى المعلومات الغذائية، قد تساعد في تحديد الأشخاص المصابين بالتهاب الأمعاء والأكثر عرضة لخطر الانتكاس.

ووجد الباحثون أن ارتفاع مستوى التهاب الأمعاء، الذي يتم الكشف عنه من خلال فحوصات البراز يتنبأ بقوة بنوبات المرض المستقبلية. كما وجدت الدراسة أن زيادة استهلاك اللحوم مرتبط بزيادة خطر الانتكاس لدى مرضى التهاب القولون التقرحي، ولكن ليس لدى مرضى داء كرون.

ويقول تشارلي ليز، أستاذ أمراض الجهاز الهضمي في جامعة إدنبرة: «تُعدّ هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تتتبع بدقة العلاقة بين النظام الغذائي المعتاد ونوبات المرض على نطاق واسع وبطريقة استباقية».

وأضاف، في بيان نُشر على موقع الجامعة الثلاثاء: «تُقدّم نتائجنا إطاراً جديداً لإدارة المرض، يتمثل في استخدام المؤشرات الحيوية الموضوعية للكشف المبكر عن الالتهاب، وتحديد عوامل غذائية مُعينة قد تُساعد في منع الانتكاسات المُنهكة»، مشدداً على أن هذا هو بالضبط نوع قاعدة الأدلة الشخصية التي نحتاج إليها لتحسين حياة الأشخاص المصابين بداء كرون والتهاب القولون التقرحي.

النظام الغذائي اليومي

ويؤثر التهاب الأمعاء، الذي يشمل داء كرون والتهاب القولون التقرحي، على ما يقرب من واحد في المائة من سكان المملكة المتحدة وحدها. وغالباً ما يمر المرضى بفترات طويلة من الهدوء، تليها نوبات مفاجئة وشديدة من الأعراض مثل الألم والإسهال والإرهاق.

ويتساءل العديد من المرضى عما إذا كان النظام الغذائي اليومي يلعب دوراً في تحفيز نوبات التهاب الأمعاء، لكن الأدلة القوية في هذا الشأن محدودة، وفقاً للخبراء.

وللإجابة عن هذا السؤال، قاد باحثون من جامعة إدنبرة دراستهم التي تابعت 2629 شخصاً مصاباً بداء الأمعاء الالتهابي، والذين أفادوا بأنهم في حالة هدوء عند بدء الدراسة. تم تجنيد المشاركين من 47 مركزاً تابعاً لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) بين عامي 2016 و2020.

وعند التسجيل، أكمل المشاركون استبياناً حول تكرار تناول الطعام، وقدموا معلومات سريرية، بما في ذلك تحاليل الدم واختبار البراز لقياس الكالبروتكتين البرازي - وهو مؤشر على التهاب الأمعاء. ثم أكملوا استبيانات شهرية للأعراض، وتمت متابعتهم لمدة متوسطها أربع سنوات.

وسجل الباحثون نوبات التهاب الأمعاء بناءً على الأعراض، ونوبات التهاب الأمعاء «الموضوعية»؛ حيث تم تأكيد الالتهاب بالفحوصات، واحتاج العلاج إلى تكثيفه. ووجدوا أن الكالبروتكتين البرازي يُعد إشارة إنذار مبكر قوية، حتى عندما كان الأشخاص يشعرون بحالة جيدة. وارتبطت المستويات المرتفعة منه بزيادة كبيرة في خطر حدوث نوبات التهاب الأمعاء في المستقبل.

كما وجد الباحثون أن النظام الغذائي مرتبط بخطر حدوث نوبات التهابية في التهاب القولون التقرحي. فالأشخاص الذين يتناولون كميات كبيرة من اللحوم لديهم ضعف خطر حدوث نوبة التهابية تقريباً مقارنة بمن يتناولون كميات أقل. لم يُلاحظ هذا النمط في داء كرون، ولم تكن هناك روابط ثابتة بين النوبات الالتهابية وتناول الألياف، أو الأطعمة فائقة المعالجة، أو الدهون المتعددة غير المشبعة، أو الكحول.

ويقول الخبراء إن النتائج تدعم إجراء تجارب سريرية مستقبلية لاختبار ما إذا كان تقليل تناول اللحوم، إلى جانب المراقبة الروتينية للالتهاب، يمكن أن يساعد في منع انتكاسات التهاب القولون التقرحي. كما يشددون على أن دمج هذا النهج في علاج التهاب الأمعاء قد يسمح بالتدخل المبكر ويساعد في تخصيص الرعاية للأشخاص الأكثر عرضة للخطر.