السينما المصرية في 2024... إيرادات قياسية وولادة مخرجات جديدات

بعض أفلامها سجلت حضوراً مميزاً في مهرجانات دولية

أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)
أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)
TT

السينما المصرية في 2024... إيرادات قياسية وولادة مخرجات جديدات

أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)
أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)

شهدت السينما المصرية أحداثاً وظواهر عدة خلال عام 2024، لكن 3 منها كانت لافتة وجديرة بتسليط الضوء عليها، وهي الإيرادات القياسية التي حققتها، وتسجيل أفلامها حضوراً مميزاً بالمهرجانات الدولية الكبرى، بالإضافة إلى ظهور 7 مخرجات جديدات للمرة الأولى قدمن أعمالاً حققت نجاحاً نقدياً.

قفزات بالإيرادات

تصدَّر قائمة الإيرادات لعام 2024 فيلم «ولاد رزق 3: القاضية»، الذي دعمت إنتاجه «هيئه الترفيه» السعودية، وتم تصوير بعض مشاهده بـ«موسم الرياض»، وأدى بطولته أحمد عز وعمرو يوسف وآسر ياسين، وهو من إخراج طارق العريان، وحاز المركز الأول محققاً إيرادات بلغت 260 مليوناً و226 ألف جنيه مصري (الدولار يساوي 50.87 جنيه مصري)، فيما احتل فيلم «X مراتي» المركز الثاني بإيرادات قدرها 92 مليوناً و797 جنيهاً، وهو من بطولة هشام ماجد وأمينة خليل ومحمد ممدوح وإخراج معتز التوني، وجاء في المركز الثالث فيلم «شقو» لعمرو يوسف ويسرا ودينا الشربيني وإخراج كريم السبكي، محققاً 78 مليوناً و815 جنيهاً.

السينما المصرية التي شهدت عرض 45 فيلماً روائياً طويلاً في عام 2024، انتعشت بفضل الدماء الجديدة التي انضمت إليها، عبر مخرجين جدد عرضت مهرجانات دولية كبرى أعمالهم، وأحرز بعضهم جوائز مهمة، على غرار ندى رياض وأيمن الأمير مُخرجيْ فيلم «رفعت عيني للسما» المتوَّج بجائزة «العين الذهبية» بمهرجان «كان»، وهي المرة الأولى التي يفوز فيها فيلم مصري بهذه الجائزة، وفيلم «معطر بالنعناع» للمخرج محمد حمدي الذي شارك بـ«أسبوع النقاد» بـ«مهرجان فينسيا»، وفيلم «شرق 12» للمخرجة هالة القوصي الذي عُرِض ضمن تظاهرة «نصف شهر المخرجين» بمهرجان «كان» السينمائي.

فيلم «رفعت عيني للسما» الذي حاز على جائزة «العين الذهبية» بمهرجان «كان» (الشركة المنتجة)

كما شارك فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» للمخرج خالد منصور بمهرجان «فينيسيا»، وحاز على جائزة «لجنة التحكيم» بمسابقة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» الذي ساهم بدورته الرابعة في الكشف عن أفلام مهمة، من بينها فيلم «سنو وايت» لمخرجته تغريد أبو الحسن، وفيلم «ضي» للمخرج كريم الشناوي الذي افتتح دورته الماضية، وهو إنتاج مصري سعودي، وتم اختياره للعرض بـ«مهرجان برلين»، في دورته المقبلة (2025).

مخرجات جديدات

وشهد عام 2024 ميلاد 7 مخرجات جديدات قدمن أفلامهن الطويلة الأولى التي شهدت تنوعاً كبيراً بين الرومانسية والاجتماعية والكوميدية، وهن كوثر يونس بفيلم «مقسوم»، وهبة يسري بفيلم «الهوى سلطان»، ونهى عادل بفيلم «دخل الربيع يضحك»، وزينة أشرف عبد الباقي بفيلم «مين يصدق»، وجيلان عوف بفيلمها «الفستان الأبيض»، وتغريد أبو الحسن بفيلم «سنووايت»، كما أقدمت الفنانة دُرة على تقديم أولى تجاربها مخرجةً في الفيلم الوثائقي الطويل: «وين صرنا»، الذي شارك بمهرجانَي «القاهرة» و«قرطاج».

المخرجة زينة عبد الباقي وفريق فيلمها الأول «مين يصدق» (الشركة المنتجة)

وتضع الناقدة ماجدة خير الله فارقاً بين السينما المستقلة التي أفرزت أفلاماً قليلة الميزانية استطاعت تمثيل مصر في مهرجانات مهمة، دون اعتماد على نجوم في بطولتها، وانطوت على جرأة وإصرار على تقديم أفكار مغايرة، فيما لم تحرز السينما التجارية أي تقدُّم، حيث تدور في نفس فلك الكوميديا و«الأكشن»، وفق تعبيرها، مضيفة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «فيلم (الهوى سلطان) حقَّق مفاجأة، لأنه جمع بين الرومانسية المغلفة بكوميديا بسيطة، وهو يمثل رجوعاً لدور المرأة في السينما تماماً، مثل فيلم منى زكي (رحلة 404) الذي ترشح لـ(الأوسكار)»، كما ترى خير الله أن ظاهرة المخرجات الجديدات «أمر مبشِّر لم يحدث منذ زمن».

مخاوف مشروعة

ومن الظواهر الإيجابية التي شهدتها السينما المصرية خلال عام 2024، وفق الناقد رامي عبد الرازق، مشاركة أفلام مصرية بشكل مميز في مهرجانات دولية، في ظل إنتاج سينمائي اتسم بالتنوع، واعتمد أفكاراً جديدة، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الوقوف عند نوعيات الأكشن أو الكوميديا فقط يجعل السينما تخسر جمهوراً لا تستهويه هذه الأفلام».

وبينما تتوقف خير الله عند منع عرض فيلم «الملحد»، والفيلم القصير «آخر المعجزات»، متمنية أن يكون هناك تاريخ جديد للرقابة تتوقف فيه عن قرارات المنع، يرى عبد الرازق أن تغيير مسؤول جهاز الرقابة على الأفلام خطوة إيجابية، لأن المهام الثقافية تعتمد على التفاعل الدائم، وأن ثبات الشخص في مكانه لا يحقق هذا التفاعل، متمنياً أن يمتد الأمر لتحقيق رؤية رقابية جديدة تتواكب مع الزمن الحالي بكل متغيراته.

ويلفت الناقد المصري إلى ارتفاع أسعار تذاكر السينما قائلاً إن الجمهور المصري يتردد على السينما منذ أكثر من 100 عام، ومثَّلت رافداً مهماً من ثقافته واهتماماته، مؤكداً أن رفع سعر التذكرة يمثل خسارة للجميع.

ولا يعتقد المخرج أمير رمسيس أن الصورة كانت إيجابية في السينما المصرية عام 2024. وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن الإنتاج السنوي هو المقياس الحقيقي لازدهار الصناعة التي لا تنمو بعدة أفلام شاركت في مهرجانات ولا بعدد أفلام ثابت حقق قفزة بالإيرادات». ويرى رمسيس أن «التقييم الأعم يُقاس بالأفلام متوسطة الميزانية التي بات من المستحيل إنتاجها، بسبب ارتفاع أسعار الخامات والأزمة الاقتصادية والرسوم المفروضة على صناعة الفيلم».

لقطة من فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» (الشركة المنتجة)

وفي الختام، طالَبَ المخرج المصري بإقرار تسهيلات في رسوم التصوير بالشوارع ومختلف الأماكن، وحلّ معوقات كثيرة تعطِّل الصناعة، مشيراً إلى أن «أزمة منع فيلم (الملحد) تدعو للخوف، حين يكون لدى أي سينمائي فيلم أُجيز رقابياً ثم يتم منع عرضه»؛ ما عَدَّه «شيئاً مخيفاً على مستوى استمرارية الصناعة التي قد تواجه خطراً ما لم يحدث تغير بوجود نظام واضح للإنتاج بشكل مستقر» على حد تعبيره.


مقالات ذات صلة

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

يوميات الشرق حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

بعد 4 سنوات من الغياب يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة».

انتصار دردير (القاهرة )
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق المخرجة هناء العمير أثناء كواليس تصوير الفيلم (الشرق الأوسط)

هناء العمير لـ«الشرق الأوسط»: شعبية «جحيم العابرين» تحدٍ سينمائي

بعد سنوات من العمل في الأفلام القصيرة والدراما التلفزيونية تخوض المخرجة السعودية هناء العمير تجربتها الأولى في إخراج فيلم روائي طويل هو «جحيم العابرين».

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

لا يكتفي الفيلم باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية.

مانولا دارغيس (نيويورك)
يوميات الشرق الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

في العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم.

منى أبو النصر (القاهرة)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».