«الحبّار 2» يقع ضحيّة لعبته... المسلسل العائد بعد 3 سنوات يخسر عنصر الدهشة

انطلق عرض الموسم الثاني من «Squid Game» قبل أيام (نتفليكس)
انطلق عرض الموسم الثاني من «Squid Game» قبل أيام (نتفليكس)
TT

«الحبّار 2» يقع ضحيّة لعبته... المسلسل العائد بعد 3 سنوات يخسر عنصر الدهشة

انطلق عرض الموسم الثاني من «Squid Game» قبل أيام (نتفليكس)
انطلق عرض الموسم الثاني من «Squid Game» قبل أيام (نتفليكس)

في سبتمبر (أيلول) 2021، اجتاح العالم تسونامي على هيئة مسلسل. خرج Squid Game (لعبة الحبّار) من أحد الاستوديوهات المغمورة في كوريا الجنوبية ليتحوّل، من دون سابق تصوّر وتصميم، إلى ظاهرة عابرة للقارات شبّثت المشاهدين، صغاراً وكباراً، أمام شاشة «نتفليكس».

هذا المسلسل ذو الحبكة الخارجة عن المألوف لم يحظَ حينذاك بميزانيةٍ تُذكر، ولا بأي حملةٍ إعلانيّة من قبل المنصة العالمية. رغم ذلك، فهو تحوّل خلال أسابيع إلى أحد أشهر المسلسلات وأكثرها مشاهدةً في تاريخ «نتفليكس».

الممثل لي جونغ جي بشخصية «جي هون» والحاصل على جائزة «إيمي» عن أدائه في الموسم الأول (نتفليكس)

عودة لأسباب مادية

أمام ذلك النجاح غير المسبوق، كان لا بدّ من إقناع مؤلّف ومخرج العمل هوانغ دونغ هيوك بحتميّة ابتكار مواسم إضافيّة من «لعبة الحبّار». لكن يبدو أن الرجل اقتنع على مضض، وليس لأسبابٍ فنية وإبداعية، بقَدر ما هي مادية. ففي مجموعةٍ من الحوارات الصحافية التي أجراها مؤخراً، قال هيوك إنه لم تكن لديه نيّة تصوير جزءٍ ثانٍ. وأشار إلى أنه وقّع على اتفاقية استكمال المسلسل، فقط لأنه شعر بأنه لم يحصل على ما يستحقّه مادياً بعد النجاح المدوّي للموسم الأول.

يأتي الموسم الثاني من «لعبة الحبّار» ليترجم كلام هيوك، فبَريقُ النسخة الجديدة لا يُقارن بما سبق قبل 3 سنوات، على الرغم من الميزانية الضخمة التي خُصصت له. لم يخفت الوهج بسبب الوقت الطويل الذي فصلَ ما بين الموسمين، بل لأسبابٍ تتعلّق بتكرار السرديّة والمؤثرات البصرية وبغياب عنصر الدهشة.

لاعبون جدد

بعد أن خرج البطل «جي هون» من الموسم الأول فائزاً بالجائزة الكبرى، مخلّفاً وراءه منافسيه ضحايا اللعبة القاتلة، ها هو يعود من جديد ومن دون أن يتعمّد ذلك. هو الذي كان محمّلاً بالديون بسبب إدمانه على المقامرة، لم يستمتع بملايينه، بل خبّأ بعضها في فرشة متسخة وأنفق البعض الآخر على خطة انتقام ممّن ورّطوه في اللعبة المميتة. لا يريد الربح هذه المرة، بل وضع حَدّ لدمويّةِ ما يجري، ومواجهة «الرجل الأمامي» المسؤول عن إيقاع المتبارين في شرك «لعبة الحبّار».

انضمّ إليه لاعبون جدد، يحمل كلٌ منهم معاناةً دفعته للمشاركة في لعبةٍ تقتضي قواعدها التخلّص من المنافسين، بهدف تحقيق الفوز المادّي. من بين هؤلاء امرأة هاربة من كوريا الشمالية، ورسّامٌ يعمل في متنزه بحاجة إلى المال من أجل علاج ابنته المصابة بالسرطان، إضافةً إلى مشاهير خسروا ثرواتهم في بورصة العملة الرقميّة. ومن بين المتنافسين شابةٌ حامل تخفي بطنها المنتفخ تحت رداء اللعبة الواسع.

يتسلّح الموسم الثاني بمجموعة من الشخصيات الجديدة التي تحمل كل منها حكاية (نتفليكس)

استحالة استنساخ الصدمة

إذا كان الموسم الأول قد أحدثَ صدمةً على مستويَي الشكل والمضمون، فإنّ الموسم الثاني لا يفعل سوى اجترار عناصر الدهشة ذاتها التي أتى بها سابقُه. يسترجع المسلسل «يونغ هي» الدمية الضخمة المسؤولة عن لعبة الضوء الأخضر والضوء الأحمر. كما يستحضر الألوان والأزياء والموسيقى الجذّابة التي عُرف بها، وهو يستفيض في استهلاك العنف والدماء.

صحيحٌ أنّ الموسم الجديد يستحدث بعض الألعاب ويقدّم حبكة متمايزة، إلّا أنّ مَن قرر الجلوس أمام الشاشة لاكتشاف محتوىً مختلف عمّا سبق، سيخرج خائباً. الإبهار البصريّ هو هو، والإكسسوارات الجذّابة لم تتبدّل. إذا أراد المشاهد أن يكون واقعياً، فلا بدّ له من الاستيعاب أنه من المستحيل أن تُحدث نسخة جديدة من «Squid Game» الصدمة ذاتها التي أحدثَتها النسخة الأصلية عام 2021.

يبدو مستحيلاً على الموسم الجديد صناعة الصدمة التي أحدثها الموسم الأول (نتفليكس)

«حبّار» يبيض ذهباً

إضافةً إلى شرك التكرار الذي بدا الهروب منه صعباً، يقع الموسم الجديد في فخّ البطء. الرتابة هي سيّدة الموقف على امتداد الحلقات الـ7، ولا تطوّرات محوَريّة تُذكر قبل خط النهاية؛ ما يوحي بأنّ الموسم الثاني ليس سوى جسرٍ يمتدّ ما بين الجزءَين الأوّل والثالث، والذي من المتوقّع أن يُعرض خلال 2025. وكأنّ أحداث هذا الموسم خالية من الدسم وهي مجرّد مقبّلات لما سيَلي، لا سيّما أنّ النهاية تبدو مبتورة.

لكن بعد ما شاهده الجمهور في الموسم الثاني، فإنّ توقّعاتهم ستتراجع على الأرجح، إذ من المستبعَد أن يعلّقوا آمالاً على أي نسخة آتية من «لعبة الحبّار». بعض المسلسلات لم يُكتب لها أن تفرز مواسم جديدة، إنما عليها الاكتفاء بمجد الموسم الواحد. غير أنّه كان من المستحيل على «نتفليكس» الاقتناع بتلك النظريّة، فهي وجدت في المسلسل الكوريّ دجاجةً تبيض ذهباً، فكان لا بدّ من إعادة التجربة.

من المتوقع أن يُعرض الموسم الثالث من «Squid Game» خلال 2025 (نتفليكس)

تدمير ذاتيّ

بمجرّد أن اتُّخذ قرار إنتاج موسمٍ ثانٍ منه، كان قد وقع «الحبّار» ضحيّة لعبته. فالمسلسل الذي ابتُكر أساساً لانتقاد الأنظمة الرأسمالية التي تجعل الناس تتقاتل من أجل المال، تجرّع بدوره سمّ المال. السبب الأساسي الذي أعاده إلى الشاشة هو أنه مشروع تلفزيوني وترفيهي مُربح.

العلامة التجارية Squid Game غلبت Squid Game المسلسل، ليناقض المشروع بذلك ما جاء ليقوله بالأساس. فإذا كان النقد اللاذع لمفاهيم الطمع، وجمع الثروات بالعنف، واستغلال الطبقات الفقيرة من أجل ترفيه الأغنياء، هو في صلب السرديّة، لا بل الهدف الأساس منها، ها هو يضمحلّ ويصبح صعب التصديق. لقد قوّض مشروع «الحبّار» التجاري المستجدّ فكرته الأصليّة الهادفة.

تطرأ على شخصية «الرجل الأمامي» تحوّلات جذرية في هذا الموسم (نتفليكس)

بعد أيام على انطلاقة عرضه، ليس من المستغرب أن يتصدّر «لعبة الحبّار» المسلسلات الأكثر مشاهدةً على «نتفليكس» في عددٍ من دول العالم. للعمل جمهورٌ واسع استفاقت لديه النوستالجيا إلى تلك الظاهرة التي اجتاحت الكوكب، بالتوازي مع الحجر المنزلي الذي فرضته جائحة «كورونا».

ربما لم يُشبع الموسم الثاني فضول هذا الجمهور، إلّا أنه حاول تقديم عناصر جديدة كالشخصيات المتنوّعة التي انضمّت إلى «جي هون»، والتحوّل الجذري الذي طرأ على الحبكة الخاصة بـ«الرجل الأمامي»، إضافةً إلى بعض التعديلات المفاجئة في شروط اللعبة. لكنّ كل ذلك لم يكن كفيلاً باستنهاض السحر الذي صنعه «الحبّار» الأصليّ.


مقالات ذات صلة

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

يوميات الشرق في فيلمها الجديد تخوض جنيفر لوبيز علاقة شائكة مع أحد موظّفيها (نتفليكس)

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

Office Romance على «نتفليكس»، والذي يصنّف نفسه كوميديا رومانسيّة، يسجّل صفر أهداف في شباك كلٍ من الكوميديا، والرومانسية، وأسباب ذلك كثيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثلة ليلي كولنز تعلن انطلاق تصوير الموسم الأخير من «إميلي في باريس» (نتفليكس)

إميلي الباريسيّة تختتم رحلتها في اليونان... هل يعود الحب إلى الحبيب الأول؟

أعلنت الممثلة ليلي كولنز أنها بصدد إنجاز الموسم الأخير من مسلسلها الشهير «إميلي في باريس»، كاشفةً و«نتفليكس» أنّ التصوير جارٍ حالياً في اليونان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)

المشاهدون الصغار... ثروةٌ تتسابق المنصات على استقطابها

على قاعدة «فُز بهم صغاراً لتكسبَهم كباراً ولتفوز بأهاليهم كذلك»، تركز المنصات على المحتوى الخاص بالأطفال. وأثبتت الأرقام أنهم أوفياء لما يشاهدون أكثر من الكبار.

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد شعار «نتفليكس» معروض في فعالية «لوكا كومكس آند جيمز 2025» في مدينة لوكا الإيطالية (رويترز)

«نتفليكس» أنفقت 135 مليار دولار على الأفلام والمسلسلات خلال العقد الماضي

قالت شركة «نتفليكس» اليوم (الثلاثاء) إنها استثمرت أكثر من 135 مليار دولار في المسلسلات التلفزيونية والأفلام خلال العقد الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
يوميات الشرق شعار شركة «نتفليكس» على أحد مبانيها في حي هوليوود بمدينة لوس أنجليس (رويترز)

ولاية تكساس تتهم «نتفليكس» بالتجسس على الأطفال

رفع المدعي العام لولاية تكساس دعوى قضائية يتهم فيها شركة «نتفليكس» بالتجسس على الأطفال، والمستخدمين الآخرين من خلال جمع بياناتهم دون موافقتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».