«مؤتمر الرياض للفلسفة»... كيف يتقاطع العقل والدين والعلم مع «جودة الحياة»؟

وَضْع الفرد معنى لحياته يتجاوز مجرّد التكاثُر منطلقٌ نحو الآدمية والخير

امتد المؤتمر 3 أيام متناولاً أطروحات فلسفية معمَّقة (هيئة الأدب)
امتد المؤتمر 3 أيام متناولاً أطروحات فلسفية معمَّقة (هيئة الأدب)
TT

«مؤتمر الرياض للفلسفة»... كيف يتقاطع العقل والدين والعلم مع «جودة الحياة»؟

امتد المؤتمر 3 أيام متناولاً أطروحات فلسفية معمَّقة (هيئة الأدب)
امتد المؤتمر 3 أيام متناولاً أطروحات فلسفية معمَّقة (هيئة الأدب)

من مُنطلق تبنّي السعودية رؤية لتعزيز جودة الحياة في مدنها ومشروعاتها التنموية، التأمت نخبٌ من المفكرين الدوليين في الرياض لبحث مفهوم «جودة الحياة» تحت مظلّة «مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة» في نسخته الرابعة.

وعلى مدى 3 أيام من المؤتمر الذي انطلق، الخميس، مناقشاً موضوع «الفلسفة وجودة الحياة: الوجود والحقيقة والخير»؛ شارك متحدّثون من دول العالم في فحص المفهوم والاحتفاء بالأسئلة واستكشاف المعاني عبر لقاءات وورش عمل ونقاشات أثرت الحدث.

نقاشات تحت مظلّة «مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة» في نسخته الرابعة (هيئة الأدب)

حظي المؤتمر بورش عمل في مختلف المجالات (هيئة الأدب)

الحياة الجيدة وفقاً للفلسفة

تناولت النقاشات مفاهيم ونظريات «جودة الحياة» من منظور فلسفي، فحاول المشاركون بتبايُن مشاربهم وخلفياتهم العلمية، تغطية جوانب الموضوع والتوقّف عند آليات التفكير الفلسفي لتحسين جودة الحياة.

في هذا السياق، قال الباحث الجزائري الدكتور ناصر عمارة، إنّ الفلسفة هي معرفة هدفها فهم الحياة على نحو ما هي عليه لعيشها بحكمة، مؤكداً أنها فنّ للعيش، إذ ما من معرفة صالحة بذاتها كلياً، وإنما يجري التحقُّق من صلاحية كل معرفة من خلال معايير جودة الحياة التي تمثّل انعكاساً مباشراً للتفكير النظري.

وأضاف أنّ الفلسفة عندما تبحث في طبيعة الحياة الجيدة وكيفية تحصيل متعة العيش، فإنها في الوقت عينه، تعيد بناء ما يُكوّن جوهرها وماهيتها بالمعنى الذي يكون فيه الفيلسوف دليلاً إلى حياة ذات جودة عالية، أو سعيدة بالمعنى العام.

حوارات ثرية تُعزّز التعاون والتفاهم العالمي حول موضوعات شائكة (هيئة الأدب)

شارك في المؤتمر أكثر من 60 متحدّثاً بارزاً من أنحاء العالم (هيئة الأدب)

من جهته، أضاء الدكتور نور الدين السافي على أهمية الترفيه في حياة الفرد العامل، وأثر ذلك في زيادة إنتاجيته، تبعاً لتغيُّر مفهوم العمل عبر الزمن، وتحوّله من «عمل الفرد ما يحبّ إلى عمل ما يجب»، والسعي لتلقّي مقابل يُعينه على العيش.

وأضاف: «زبدة الحياة لكل أمة تقتضي أن يضع الفرد معنى لحياته يتجاوز مجرد التكاثُر، واحترام الإنسان لذاته ومحيطه، من منطلق الآدمية والخيرية التي تتكثّف مع جودة الحياة».

من جانبه، شارك المحاضر الدكتور عز العرب لحكيم بناني تساؤلاته بشأن الحرية وما طرأ عليها من تحوّلات في المفهوم والتطبيق، ورأى أنّ خلطاً جرى بين مجالَي العبادات والمعاملات تسبَّب بخلل وأصبحت «الإباحة استثناء يحتاج إلى مبرّر، والحرية استهتاراً ينبغي مراقبته، وزيغاً عن القيم والمبادئ السامية».

معارض فنّية مُصاحبة لتسهيل المفاهيم المركَّبة (هيئة الأدب)

«رحلة نحو الذات»

إلى جانب النقاشات، حظيت أروقة مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، التي احتضنت المؤتمر، بزوار من مختلف الفئات، فشكَّلت «رحلة نحو الذات» تجربة تفاعلية فريدة تأخذ الزائر عبر 3 غرف؛ كل منها تستكشف بُعداً مختلفاً من الفلسفة، والمعرفة، والجمال، والأخلاق.

ومن خلال الإجابة عن أسئلة عميقة ومحفّزة للتفكير في كل غرفة؛ تُستَكشف المدرسة الفلسفية الأقرب إلى طريقة تفكير الزائر التي تعكس نظرته إلى العالم، ويجري التعرّف إلى الفلاسفة الذين يشاركونه هذه النظرة.

‏وفي جناح الأعمال الفنية لمجلة «الفيلسوف الجديد»، يُتاح لرواد المؤتمر الدخول إلى عالم يلتقي فيه الفنّ مع الفلسفة، من خلال معرض يحتفي بأكثر من عقد من الأعمال الفنّية التي نُشرت في هذه المجلة الفلسفية الدولية الشهيرة.

نقاشات لاكتشاف آليات التفكير الفلسفي في تحسين جودة الحياة (هيئة الأدب)

يدعو المعرض الزوار للتأمُّل في قوة الفنّ بوصفه وسيلةً مُلهمةً لاكتشاف المفاهيم الفلسفية وتحليلها. وتضمّ المجلة فريقاً من أبرز المصمّمين والرسامين والفنانين من جميع أنحاء العالم، فيُكلَّفوا بإبداع أعمال فنّية تتماشى مع موضوع كل عدد؛ وقد تناولت المجلة موضوعات متنوّعة، منها: الحرية، والشجاعة، والشك، والفقد، والإدراك، والأسرة، والزمن، والغاية، والحقيقة.

وغالباً ما يبدأ الفنانون رحلتهم الإبداعية بقراءة المقالات الفلسفية التي يكتبها مؤلّفو المجلة، ليستلهموا منها أعمالاً فنّية تنقل الأفكار الفلسفية بأسلوب بصري فريد، ويساعد هذا السرد البصري على تبسيط المفاهيم العميقة وجعلها مفهومة.

يُذكر أنه شارك في المؤتمر أكثر من 60 متحدّثاً بارزاً من جميع أنحاء العالم، أسهموا بحوارات ثرية تعزّز التعاون والتفاهم العالمي حول موضوعات تشمل العقل والجسد والروح. وهو شهد شراكات مع منظمات دولية رفيعة، بما فيها «الفيلسوف الجديد» و«مدرسة الحياة»، وذلك تعميقاً لأهمية الفلسفة في معالجة التحدّيات المجتمعية المعاصرة، وبما يتماشى مع مبادئها، مثل العدالة والفضيلة والسعادة الضرورية لازدهار المجتمعات.


مقالات ذات صلة

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

يوميات الشرق النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

الرماد حين لا يُحتَوى، لا يبرد... هو فقط يُنتج ناراً جديدة يستحيل من بعدها التعامل مع العنف على أنه حدث استثنائي.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

«مورسو» يمثّل إنساناً يواجه العالم كما هو، من دون أن يُضفي عليه معاني إضافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق مدارس واتجاهات فلسفية عدّة ضمن برنامج متنوّع (هيئة الأدب)

الرياض تجمع 60 متحدّثاً عالمياً بمنصة فلسفية تبحث جذور الفكر بين الشرق والغرب

تُرسّخ الرياض باحتضانها «المؤتمر الدولي للفلسفة 2025» مكانتها فضاءً حيّاً يتقاطع فيه عمق الفكرة مع حيوية التجديد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب لودفيغ فتجنشتاين... ثورة هادئة على الفلسفة التقليدية

لودفيغ فتجنشتاين... ثورة هادئة على الفلسفة التقليدية

ضمن سلسلة «الفلسفة» التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «لودفيغ فتجنشتاين» للباحث المصري الراحل د. عزمي إسلام.

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

في سياق الاهتمام المتنامي في العالم العربي عموماً، وفي البلدان الخليجيّة خصوصاً، تبرز «موسوعة الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة».

مالك القعقور

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
TT

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

أُدرجت محافظة العلا (شمال غربي السعودية) ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال» المتخصصة في صناعة السينما، بالتزامن مع مهرجان كان السينمائي، في خطوة تعكس تصاعد حضور العلا على خريطة الإنتاج السينمائي العالمية.

وتُعنى هذه الجوائز المهنية البارزة دولياً بتكريم التميز في مواقع التصوير والبنية التحتية للإنتاج والمدن السينمائية، بمشاركة نخبة من خبراء صناعة الأفلام حول العالم، ما يمنحها مكانة معتبرة داخل القطاع السينمائي عالمياً.

ويُعزِّز وصول العلا إلى القائمة النهائية مكانتها بوصفها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام، في ظل ما تمتلكه من مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي، أسهم في تحويلها إلى موقع تصوير مفتوح يستقطب شركات الإنتاج من مختلف أنحاء العالم.

مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي أسهما في تحويل العلا إلى موقع تصوير مفتوح (واس)

وشهدت العلا خلال الأعوام الماضية نشاطاً متصاعداً في قطاع الإنتاج السينمائي، حيث استضافت تصوير عدة أعمال سعودية ودولية في مجالات الأفلام والبرامج والإنتاجات المرئية، مستفيدةً من بيئتها المتنوعة وتضاريسها الاستثنائية.

وتضم مبادرة «فيلم العلا»، التابعة للهيئة الملكية لمحافظة العلا، مجمّع استوديوهات متكامل، يُعد مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ويقدم خدمات متقدمة تدعم مختلف مراحل الإنتاج.

العلا عزَّزت مكانتها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم (واس)

ويأتي ذلك ضمن استراتيجية الهيئة الهادفة إلى تعزيز حضور العلا على خريطة الإنتاجات العالمية، وإتاحة الفرصة لصُنَّاع الأفلام لاكتشاف مواقع تصوير فريدة تجمع بين الطبيعة الخلابة والإرث التاريخي العريق.


المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
TT

المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)

يبدي مينا فريد (مهندس مصري) سعادته، لأنه سيتمكن من الالتقاء بأصدقائه على المقهى، مساء الأحد المقبل، الذي يصادف عيد القيامة للمسيحيين الشرقيين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «لقاء الأصدقاء على المقهى عادة يحرص عليها منذ سنوات، لكنه كان يخشى أن يؤدي تبكير مواعيد الإغلاق لحرمانه منها على غرار ما حدث وقت جائحة كورونا».

وقررت الحكومة المصرية تعديل مواعيد غلق المحال التجارية، والمطاعم، ومراكز التسوق، والمولات، وغيرها بتمديد عملها لمدة ساعتين لتغلق عند 11 مساء بدلاً من التاسعة اعتباراً من الجمعة إلى الاثنين بمناسبة أعياد المسيحيين.

وسيكون لدى المواطنين «فسحة ساعتين» خلال هذه الأيام التي يحصل المسيحيون المصريون فيها على إجازات رسمية، بينما يستغلها آخرون للسفر، وتزداد فيها نسبة الإشغالات بالمناطق السياحية.

ويحتفل المصريون بعيد الربيع «شم النسيم» يوم الاثنين الذي سيشهد آخر أيام الاستثناءات، على أن تعاود المحلات الإغلاق في التاسعة مساء اعتباراً من الثلاثاء ضمن خطة ترشيد الطاقة التي تطبقها الحكومة منذ 28 مارس (آذار) الماضي، وتشمل الإغلاق المبكر للمحلات، وترشيد الإضاءات الليلية على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية، وهي الإجراءات التي يفترض أن تستمر حتى نهاية الشهر الجاري ما لم يتخذ قرار بتمديدها.

شوارع وسط القاهرة (أ.ف.ب)

موقف مينا لا يختلف كثيراً عن حمادة عبد الحميد الشاب الجامعي الذي اتفق مع أصدقائه على الذهاب للسينما مساء الاثنين المقبل في حفلة التاسعة، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنهم اعتادوا على دخول حفلات منتصف الليل في «شم النسيم»، لكن هذه المرة سيذهبون مبكراً، لعلمهم بعدم وجود حفلات لمنتصف الليل هذا العام.

ورغم ما تبديه عضو مجلس النواب (البرلمان) إيرين سعيد من ارتياح للقرار الحكومي بالاستثناء نظراً لاحتفالات العيد، والتي تشهد كثافة ورواجاً في الشارع المصري، فإنها كانت تأمل تمديد الوقت أكثر من ساعتين لبعض الأنشطة الترفيهية بشكل خاص باعتبار أنها تكون الأكثر إقبالاً.

الإغلاق المبكر أثر على دور العرض (أ.ف.ب)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «القرار الحكومي يعكس تفهماً لطبيعة احتفالات الأعياد، والتي لا تخص المسيحيين فقط، ولكن جميع المواطنين الذين يحتفلون بأعياد الربيع في اليوم التالي لعيد القيامة»، مؤكدة أن «هذه الفترة تشهد رواجاً اقتصادياً بعمليات البيع والشراء، الأمر الذي ربما يعوض جزءاً من الخسائر التي حدثت في الفترة الماضية».

وأكدت أن هذه الاستثناءات جاءت باعتبار أنها إجراء طبيعي يتسق مع مبادئ المواطنة، وتفهم حكومي لأهمية هذا الإجراء، وبتوقيت يأمل فيه المواطنون قضاء أوقات هادئة بلا قرارات جديدة في الزيادات بعد الضغوط التي حدثت في الأسابيع الأخيرة نتيجة تداعيات الحرب.

مظاهر الإغلاق المبكر بادية على بعض الشوارع (أ.ف.ب)

وأقرت الحكومة المصرية الاثنين المقبل إجازة رسمية بمناسبة عيد الربيع للقطاعين العام والخاص، وتعد هذه الإجازة من المناسبات التي استثنتها الحكومة من قرار سابق بترحيل الإجازات الرسمية لتكون يوم الخميس إذا ما صادفت أياً من أيام منتصف الأسبوع.

سائحون في شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

ويشير عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريعي، محمد أنيس إلى أن أي تمديد في مواعيد غلق المحلات يؤدي لتحقيق رواج أكبر بحركة البيع والشراء لأسباب عدة في مقدمتها أن الأوقات المسائية تعد الأكثر إقبالاً، لافتاً إلى أن التمديد بالتزامن مع فترة الأعياد والإجازات يدعم هذا التوجه الذي يحمل مردوداً اجتماعياً أكبر بكثير من المردود الاقتصادي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود عطلات خلال فترة التمديد ستساهم في إحداث رواج بالفعل، لكن تأثيره الإيجابي من المنظور الاقتصادي سيظل محدوداً بشكل كبير، خصوصاً على الأنشطة التي تعتمد على العمل الليلي بشكل رئيس».


«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل ضمن مشروع «الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين»، تضمنت 1024 مواطناً مصرياً يمثلون 21 محافظة.

وأضاف قنصوة في بيان الثلاثاء أن هذه النتائج نجحت في رصد قرابة 17 مليون تباين جيني فريد لم تكن مسجلة في قواعد البيانات العالمية من قبل، مما يمنح الدولة المصرية لأول مرة «مرجعية جينية وطنية» تنهي عقوداً من غياب التمثيل الجيني المصري في الأبحاث الدولية.

وكشفت الدراسة عن وجود مكون جيني مميز للمصريين بنسبة 18.5 في المائة، وهو ما يساعد المتخصصين على فهم الطبيعة الوراثية للشعب المصري، كما يوضح لغير المتخصصين سبب اختلاف استجابة أجسادنا للأمراض أو الأدوية عن الشعوب الأخرى، مما يمهد الطريق لعصر «الطب الشخصي» الذي يصمم العلاج وفقاً للشفرة الوراثية لكل مواطن.

الطب الشخصي

وفتحت نتائج الثورة العلمية التي حدثت في علوم البيولوجيا منتصف القرن الماضي، الباب واسعاً للولوج إلى عصر آخر جديد يعتمد على تشخيص المرض ووصف العلاج المناسب، وفق التركيب الجيني للإنسان، لتتحول استراتيجيات التشخيص الطبي وإنتاج الدواء في العالم من إنتاج دواء واحد يناسب الجميع، إلى دواء يتناسب مع الظروف الصحية لكل شخص على حدة، وهو ما يعرف علمياً بعصر «الطب الدقيق» أو «الطب الشخصي».

رصدت النتائج قرابة 17 مليون تباين جيني فريد (بكسباي)

وقال الدكتور خالد عامر، الباحث الرئيسي للمشروع، إن هذه الدراسة تمثل نقطة تحول تنهي تهميش البصمة الجينية المصرية عالمياً، وتضع بين أيدينا المرجع الوطني الذي سيعيد رسم خريطة الطب الوقائي في مصر وفق أسس علمية دقيقة تضمن دقة الفحص والتشخيص.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الدراسة حددت معدلات انتشار الطفرات المسببة لـ13 مرضاً وراثياً، وفي مقدمتها «حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية»، حيث يحمل طفرة المرض 1 من كل 11 مصرياً.

وأوضح عامر أن الدراسة المنشورة بصفتها نسخة أولية على منصة «بايو أركييف» (bioRxiv)، أكدت على أن الاعتماد الكلي على المقاييس الأوروبية في التنبؤ بالأمراض قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة للمصريين في أمراض، مثل: السكتة الدماغية، والكلى، مشدداً على أهمية «المعايرة الوطنية» لنماذج المخاطر الجينية العالمية.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد مصطفى، رئيس قسم المعلوماتية الحيوية بالمركز وأستاذ علوم بيانات الجينوم بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الفريق البحثي أثبت عملياً أن المعايير العالمية في هذا المجال لا تكفي وحدها لضمان الدقة الطبية، مشدداً على ضرورة وجود البصمة الجينية المصرية داخل قواعد البيانات لضمان دقة الفحوصات وتعزيز الصحة العامة للمصريين.

نتائج واعدة حققها مشروع «الجينوم المصري» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن النتائج كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان منطقة الشرق الأوسط بنسبة 71.8 في المائة، خصوصاً المجموعات الجينية للبدو واليمنيين والسعوديين، مشدداً على أن هذه النتيجة تعني أن من بين المجموعات السكانية المتاحة في قواعد البيانات الجينية الدولية، يعتبر المصريون أقرب جينياً للبدو (منطقة النقب في فلسطين) واليمنيين والسعوديين.

واستطرد بقوله إنه من الضروري فهم أن قواعد البيانات الحالية فيها تمثيل محدود لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعليه فالمقارنة الآن على قدر البيانات المتاحة، وبالتالي فإن هذه النتائج قابلة للتعديل في ضوء نتائج الدراسات المقبلة، موضحاً أن هذا مجرد توصيف علمي مرجعي، ولا يعكس وصفاً لطبيعة حياة أو ثقافة متفردة من أي نوع.

وكانت عمليات التسلسل والتحليلات الجينية قد تمت بإشراف وتنفيذ عقول مصرية من كبار العلماء وشباب الباحثين داخل مركز البحوث والطب التجديدي التابع للقوات المسلحة وهو الجهة المنفذة للمشروع الذي يعد مبادرة رئاسية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبتمويل كامل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلة في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ويشارك فيها عدد كبير من الجامعات المصرية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة لوزارات الصحة والسكان، والسياحة والآثار والشباب والرياضة.