نجومٌ في الصغر... ضحايا في الكبر

وفاة ليام باين تعيد التذكير بمخاطر الشهرة المبكرة

نجومٌ في الصغر... ضحايا في الكبر
TT

نجومٌ في الصغر... ضحايا في الكبر

نجومٌ في الصغر... ضحايا في الكبر

كان ليام باين صبياً يتأرجح بين الطفولة والمراهقة عندما تَقدّم إلى تجارب الأداء في برنامج المواهب «إكس فاكتور». وفي غضون أقل من سنتَين، تحوّل من تلميذٍ لا يعرفه أحد إلى نجمٍ يلفّ الكرة الأرضية مع فريق One Direction (وان دايركشن)، وينهار أمامه المعجبون باكين ومتوسّلين صورة معه.

على المسرح كان باين محبوب الجماهير الضاحك، والراقص، الذي يغنّي ملء حنجرته. لكن خلف الأبواب المغلقة والستائر المنسدلة، أطفأ نار المجد المستجدّ بالكحول. كان في الـ16 من عمره عندما بدأ يُكثر من شرب الخمور. أخبرَ لاحقاً كيف أنه بين الحفل والحفل وجد نفسه أسيرَ غرفة في فندق، حيث الثلّاجة مليئة بقناني المشروب.

يُحكى أنّ إحدى آخر عبارات ليام باين (31 سنة) قبل سقوطه من على شرفة فندقٍ في الأرجنتين ووفاته منذ أيام، كانت: «أنا عضو سابق في فريقٍ غنائيّ، لذلك فإنّي ملعونٌ لهذه الدرجة».

ليام باين على يسار الصورة مع أعضاء فريق «One Direction» البريطاني (أ.ب)

«لقد فقدتُ السيطرة...»

لم يحسم القضاء بعد ما إذا كان باين قد انتحر أم إذا كانت الوفاة حادثاً من نوع آخر، لكنّ المؤكّد هو أنه عُثر على موادّ مخدّرة في غرفته وفي دمه. ومن المعروف أن المغنّي أمضى سنواته الأخيرة في مراكز التأهيل محاولاً التعافي من إدمانه بلا جدوى، مستسلماً للاكتئاب والأفكار الانتحاريّة.

دفع ليام باين ثمن شهرة أتته في سنٍّ صغيرة، ليطبّق بالفعل قولاً له في مقابلة عام 2019: «هذه الشهرة المبكرة تسلبك السيطرة على حياتك. لقد فقدتُ السيطرة على كل شيء».

أعادت وفاته المأساويّة التذكير بوحشيّة ما قد يتعرّض له النجوم الأطفال والمراهقون، إن لم يُحصَّنوا بما يكفي من رعاية نفسيّة. فأحمالُ الشهرة المبكرة، مهما بدت مغرية، ثقيلة على أكتافهم؛ من هوَس المعجبين، إلى أسلوب العيش المسرف، وليس انتهاءً بأضواء المسارح وعدسات الصحافة، وغياب الخصوصيّة.

أمضى ليام باين جزءاً كبيراً من عمره القصير في مراكز التأهيل من الإدمان (رويترز)

أظهرَ بحثٌ أجرته جامعة جون موريس في ليفربول وشمل ألف موسيقي أوروبي وأميركي حصد شهرة عالمية منذ أغنيته الأولى، أن احتمالات الوفاة تتضاعف 3 مرات لدى هؤلاء مقارنة مع أترابهم من غير المشاهير. وفي صدارة مسببات الوفاة الجرعات الزائدة من المخدّرات، والأمراض المزمنة التي يتسبب بها الإدمان، إضافة إلى حوادث السير.

مايكل جاكسون و«ثمن الشهرة»

تشهدُ هوليوود على حكايات مأساوية لفنانين عرفوا الشهرة في الصغر، وتحوّلوا إلى ضحايا لها في الكبر. عام 1986 قدّم مايكل جاكسون أغنية حملت عنوان «The Price of Fame» (ثمن الشهرة)، ومما قال فيها: «أشعر بالضغط لأني لا أعيش سوى لأفوز... تعبت من الألم... أنا غلاف مجلّة... يعرفون كل ما أقوم به ولا يريدون سوى توقيعي... هذا يزعجني».

بدأ جاكسون الغناء في سنّ السادسة. وتعرّض للتعنيف والاستغلال من قِبَل والده الذي كان يتولّى تدريبه وإدارة أعماله وأشقّاءه، وهو قال مرة: «غالباً ما يفشل الأطفال النجوم في مسيرتهم لأنهم يدمّرون أنفسهم بسبب الضغوط التي تُلقى عليهم».

بعد 44 عاماً لم يعرف خلالها جاكسون سوى حياة الأضواء، توفّي بجرعة زائدة من الأدوية المهدّئة. جاء ذلك بعد غرقه في أزماتٍ نفسية كثيرة أدّت به إلى اضطراب فقدان الشهية العصبي، وإلى الخضوع لجراحات تجميليّة مبالغٍ فيها، ليدمن لاحقاً على مسكّنات الألم ويتورّط في قضايا أخلاقيّة أدخلته المحاكم.

لطالما اشتكى من أنه حُرم من طفولته فأمضاها في التمرينات والحفلات، لذلك أنفق مبلغاً ضخماً على إنشاء متنزه Neverland (نيفرلاند) حيث أقام ما بين 1988 و2005. ولعب لسنوات محاولاً الاستعاضة عن طفولة سُلبت منه.

أمضى مايكل جاكسون حياته محاولاً التعويض عن طفولةٍ سلبتها منه الشهرة (أ.ب)

نهاية في حوض الاستحمام

قبل سنتَين، توفّي المغنّي الأميركي آرون كارتر عن سنّ 34 عاماً في حوض الاستحمام، بعد استنشاقه غازاً مخدّراً وابتلاعه حبوباً مهدّئة. كارتر الذي عُرف كشقيق أحد أعضاء فريق «Backstreet Boys» (باكستريت بويز)، بدأ مسيرة غنائية منفردة في السابعة من عمره، وأصدر ألبومه الأول في التاسعة. أما ألبومه الأخير فجاء بعد 6 أعوام ليبتعد لاحقاً عن الأضواء، غارقاً في أزمات عائلية وفي معاناة نفسية وإدمان على مضادات الاكتئاب دخل على أثرها مصحاتٍ عدة.

بدأ آرون كارتر مسيرته الفنية في السابعة من عمره وتوفّي في الرابعة والثلاثين (أ.ب)

مراهقٌ أدمنَ الكحول

انطلقت مسيرة ماثيو بيري التمثيلية في سن العاشرة فراكمَ الأدوار التلفزيونية خلال مراهقته، قبل أن يتحوّل إلى نجم عبر مسلسل «Friends» (فريندز). ووفق ما يكتب في مذكّراته، فإنّ إدمانه على الكحول بدأ وهو في الرابعة عشرة من عمره. لم يتمكّن من التغلّب على نقطة ضعفه تلك. وما زاد الوضع سوءاً إدمانه على الأدوية المهدّئة ومسكّنات الألم، وهي كانت السبب في وفاته غرقاً بمسبحه عام 2023، بعد تعاطيه كميات كبيرة من مادة الكيتامين.

دخل ماثيو بيري مجال التمثيل في سن العاشرة من خلال أدوار تلفزيونية (أ.ب)

عريضة معترضة

لم يلقَ كل النجوم الذين نالوا الشهرة صغاراً المصير ذاته الذي انتهى إليه مايكل جاكسون، وويليام باين، وماثيو بيري، وآرون كارتر. إلّا أن ذلك لا يعني أنهم نجَوا من ندوب النجوميّة المبكرة. أبرز نموذجٍ عن هؤلاء الممثل ماكولاي كالكن الذي تحوّل ظاهرة عالمية في سن العاشرة مع فيلم «Home Alone» عام 1990.

غير أنّ نجاح كالكن اقتصر على تلك السلسلة، وبدا نجمه بالأفول عندما كان بعدُ في الـ14 من عمره. اعتزل التمثيل مستبدلاً به المخدرات وتصرّفات خارجة على القانون.

نجم أفلام «Home Alone» الممثل الأميركي ماكولاي كالكن (رويترز)

من بين النجوم الذين دخلوا عالم الشهرة صغاراً وسدّدوا الثمن من صحّتهم النفسية لاحقاً، المغنّون جاستن بيبر، وبريتني سبيرز، وروبي ويليامز، وسيلينا غوميز، ومايلي سايرس، وكريستينا أغيليرا، وديمي لوفاتو، وليندسي لوهان.

وإذا كان التعامل مع الصحة النفسية أمراً ثانوياً خلال الفترة التي كان فيها هؤلاء مواهبَ صغيرة تحت الضوء، فإنّ ناقوس الخطر يُدقّ اليوم. في هوليوود، أشعلت وفاة ليام باين موجة غضب من استغلال المواهب اليافعة بهدف جني الملايين. كما انطلقت عريضة وقّع عليها 30 ألف شخص حتى الآن، تدعو إلى سَنّ قانون يضمن المتابعة النفسية لكل طفلٍ ومراهقٍ يدخل عالم الشهرة.

جاستن بيبر وبريتني سبيرز ومايلي سايرس وسيلينا غوميز... نجوم عرفوا الشهرة في سن صغيرة

تعليقاً على وفاة باين، اختصر الموسيقي الأميركي المخضرم بروس سبرينغستين المأساة قائلاً إن صغار السن لا يملكون ما يكفي من صلابة داخلية كي يتمكّنوا من حماية أنفسهم من مخاطر النجاح والشهرة، وعلى رأسها الإدمان على المخدرات والكحول.


مقالات ذات صلة

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

تكنولوجيا إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

أفاد تطبيق «إنستغرام» بأنه سيبدأ بتنبيه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل قد يكون لها آثار طويلة الأمد على الصحة النفسية للطفل (أ.ب)

هل تهدد إصابة الحامل بعدوى طفلها بالانتحار في المستقبل؟

أظهرت دراسة حديثة أن إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل قد يكون لها آثار طويلة الأمد على الصحة النفسية للطفل.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق المحامي السويسري لودفيج مينيلي مؤسس عيادة «ديجنيتاس» الرائدة في مجال المساعدة على الموت 15 يونيو 2012 (أ.ف.ب)

اختار «القتل الرحيم»... وفاة مؤسس عيادة رائدة للمساعدة على الموت في سويسرا

أعلنت جمعية سويسرية أن لودفيج مينيلي، مؤسس عيادة «ديجنيتاس» الرائدة في مجال المساعدة على الموت، توفي «بمحض إرادته».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
تكنولوجيا شعار «تشات جي بي تي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تُلقي باللوم في انتحار مراهق على إساءة استخدام «تشات جي بي تي»

صرحت شركة «أوبن إيه آي» المُصنّعة لتطبيق «تشات جي بي تي» بأن انتحار مراهق يبلغ من العمر 16 عاماً بعد محادثات مطولة مع الروبوت كان بسبب «سوء استخدامه لتقنيتها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.


مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
TT

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي؛ إذ تقرَّر -على سبيل المثال- وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض البحوث على الكلاب في 2030؛ حيث تنص السياسة الجديدة على أنّ عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنّ دولاً أخرى في العالم اتخذت إجراءات مماثلة؛ إذ أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي الستار عن خطّة لجعل التجارب على الحيوانات هي «الاستثناء وليست القاعدة» في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات. وفي الشهر عينه، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأميركية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في البحوث التي تموّلها. وفي العام الحالي، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خريطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيميائيات.

وقد عزَّزت المخاوف الأخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدّي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل إلى تقنيات علمية حديثة تُغني عن حيوانات التجارب.

ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم «أعضاء على رقائق»، وهي أنسجة مجسَّمة تُزرع على رقائق إلكترونية وتُخضَع لاختبارات علمية مختلفة.

وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة «بحوث خالية من تجارب الحيوان» في بريطانيا أنّ عدد الرسائل العلمية التي نُشرت في مجال علوم الطبّ الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من نحو 25 ألف رسالة علمية إلى نحو 100 ألف رسالة بين 2006 و2022.

وتضخّ الصين أيضاً استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ إذ أطلقت عام 2024 «منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة»، وهي مشروع مخصَّص لتطوير مناهج بحث بديلة تُغني عن استخدام حيوانات التجارب، بقيمة 2640 مليون يوان (382 مليون دولار).

ويقول مؤيّدو هذه الفكرة إنّ مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للإنسان، والتنبُّؤ بشكل أفضل بمدى سلامة الأدوية الجديدة وفاعليتها؛ إذ كثيراً ما تُصنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية.

ويقول خبير الهندسة الحيوية في معهد «وايس» للبحوث في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، دونالد إنغبر، لموقع «ساينتفيك أميركان» المعني بالبحوث العلمية، إنّ التحوّل إلى التقنيات البديلة هو خطوة «مستحقّة منذ مدّة طويلة».

يُذكر أنّ جهود إيجاد بديل للاختبارات على الحيوان، وتنقيحها، والحدّ منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود، وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول.

وتشير البيانات في بريطانيا إلى أنّ عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجع من 14.4 مليون تجربة في 2015 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5 في المائة بين 2018 و2022.

وخلال العقد الماضي، طوَّر العلماء نماذج مصغَّرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض، مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموها في ابتكار أدوية جديدة والتأكد من سلامتها.

وعام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجاً مصغَّراً من الكبد البشري، واستخدموه لاختبار 238 من الأدوية التي تُستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتُعدّ النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة بديلاً عن تجارب الحيوان. وعام 2021 أيضًا طوَّر فريق بحثي نموذجاً حوسبياً لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معيّنة.

وتُعدّ هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة عدد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلَّب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.

وبنى الفريق البحثي نموذجاً حوسبياً باستخدام بيانات تخصّ 430 مادة اختُبِرت على البشر وفئران التجارب في وقت سابق، وتبيَّن من هذه التجربة أنّ هذا النموذج يمكنه التعرُّف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحوسبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية.

ويأمل الباحثون أيضاً في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال البحوث العلمية بدلاً من حيوانات التجارب؛ إذ تعمل جهات رقابية عدّة -مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأميركية- على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.

ويؤكد الباحثون أنّ بعض الاختبارات التي تُجرى على الحيوان ستظلّ ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج، المتخصّص في مجال علوم الأحياء في معهد «فرنسيس كريك» بلندن، إنه «من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة، بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية».

وتضيف سارة بايلي، المتخصّصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا، أنه من المستحيل أيضاً دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت لموقع «ساينتفيك أميركان» أنه عندما يتعلَّق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سنظلّ بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل».


حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
TT

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

وانتشر مقطع فيديو للحادثة على نطاق واسع عبر الإنترنت، ما أعاد النقاش حول استخدام الروبوتات في الأماكن العامة وتأثيرها في سلامة المارة.

وفي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، تدخلت الشرطة لاحتجاز روبوت بشري الشكل بعدما أثار الذعر لدى امرأة تبلغ من العمر 70 عاماً في أحد شوارع ماكاو.

ووقعت الحادثة الأسبوع الماضي عندما انتهى الأمر بالمرأة إلى المستشفى بعد مواجهتها مع الروبوت الذي يبلغ طوله نحو 1.3 متر.

كيف بدأت الواقعة؟

أظهرت مقاطع فيديو التقطها شهود عيان المرأة وهي تصرخ في وجه الروبوت، الذي يُعتقد أنه من طراز «Unitree G1»، ويبلغ سعره نحو 13.500 دولار.

وبحسب تقارير إعلامية، كانت المرأة تسير في الشارع وتنظر إلى هاتفها الجوال عندما لاحظت أن «شيئاً ما» يسير خلفها عن قرب. وعندما التفتت، فوجئت بالروبوت.

وقالت المرأة في مقطع الفيديو، وهي تصرخ باللغة الكانتونية: «أنت تجعل قلبي يخفق بسرعة! لديك الكثير لتفعله، فلماذا تعبث بهذا؟ هل فقدت عقلك؟».

تدخّل الشرطة

في الفيديو، يظهر الروبوت وهو يرفع ذراعيه في حين كانت المرأة توبّخه، قبل أن يظهر لاحقاً عنصران من الشرطة وهما يقتادانه بعيداً عن الشارع المزدحم.

وذكرت صحيفة «Macau Post» أنه «لم يحدث أي احتكاك جسدي» بين المرأة والروبوت، إلا أنها نُقلت إلى المستشفى حيث خضعت لفحص طبي قبل أن تُغادر لاحقاً.

روبوت لأغراض ترويجية

وأفادت التقارير بأن الروبوت مملوك لمركز تعليمي في ماكاو، وكان يُستخدم في «أنشطة ترويجية» في المنطقة.

وكان الروبوت يُدار عن بُعد بواسطة رجل يبلغ من العمر 50 عاماً، قال للشرطة إنه كان يختبر الجهاز بهدف تحسين طريقة تشغيله.

وعقب الحادثة، وجهت السلطات تحذيراً له بضرورة توخي الحذر، وعدم تعريض المارة للخطر أو إثارة خوفهم.

تفاعل واسع على الإنترنت

انتشر مقطع الفيديو للحادثة بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار موجة من التعليقات الساخرة. وكتب أحد المستخدمين: «يبدو أن الروبوت يحتاج إلى محامٍ أو إلى بعض الحقوق الأساسية»، في حين علق آخر مازحاً: «ستذهب إلى السجن يا صديقي».