الأمل... نبتة تُزهر من قلب الدمار وتعودُ بمنافع كثيرة

علم النفس يصفه بردّ الفعل الطبيعي على المصائب والتحديات والحروب

جداريّة الأمل في وسط بيروت (فيسبوك)
جداريّة الأمل في وسط بيروت (فيسبوك)
TT

الأمل... نبتة تُزهر من قلب الدمار وتعودُ بمنافع كثيرة

جداريّة الأمل في وسط بيروت (فيسبوك)
جداريّة الأمل في وسط بيروت (فيسبوك)

فوق هدير الطيران الحربي تعلو أغنية «بكرا بيخلص هالكابوس وبدل الشمس بتضوي شموس». فالحرب، وإن كانت قدَراً محتوماً، اختار جزءٌ كبير من اللبنانيين أن يقاوموها بالأمل.

في مقابل المنصات الإخبارية التي تبثّ مشاهد القصف والدمار والموت، تواظب حساباتٌ، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على نشر صورة لبنان الجميل، والتذكير بأيّامٍ حلوة مضت، وبمواسم أحلى آتية. هنا صورة لخليج بيروت وهو يتزيّن بألوان مغيبٍ ساحر، ومَن غير صوت فيروز يليق بتلك اللوحة صادحاً: «احكيلي احكيلي عن بلدي احكيلي».

والوطن ليس شاطئاً وثلجاً وأرزاً فحسب، بل هو بشرٌ يثبتون كل يوم، ورغم الحرب، أنّ قلوبهم مشغولة بالإنسانية، وأنّ ما يفعلون هو بريق الأمل الحقيقي وسط الخراب. من بين هؤلاء مجموعة من الناشطين الذين لم ينسوا الكائنات الأليفة، فهرعوا إلى إنقاذها من تحت بقايا منازل أصحابها في الجنوب وضاحية بيروت.

الأمل ابنُ الألم

لا يخطئ اللبنانيون إن تسلّحوا بالأمل؛ فحتى علم النفس يصنّف هذا الشعور الإنساني العابر للحدود والهويات والأزمنة والأعمار، في خانة غريزة البقاء. ودائماً، وفق علم النفس البشري، فإن الأمل أداة لجأ إليها الناس عبر التاريخ، كلّما واجهوا الكوارث والمِحَن، من أجل الاستمرار.

ليس في الحروب فحسب، بل في سائر محطات الحزن، يشهد كثيرون على ضوءٍ صغير يلمع في قلوبهم، حتى خلال أعمق لحظات اليأس. إنه الأمل الذي يتميّز عن سواه من مشاعر إنسانية، لكونه الشعور الإيجابي الوحيد الطالع من رحم السلبيّة. يُولَد الأمل من نقيضه، فالمرء لا يستحضره إلّا في الأوقات العصيبة.

الأمل هو الشعور الإيجابي الوحيد الطالع من رحم السلبيّة (أ.ف.ب)

تؤكّد المعالجة النفسية بيرلا سمعان تلك النظرية في حديثها مع «الشرق الأوسط»؛ إذ تقول إن «الأمل شعور يُولَد بالفطرة، ويتحرّك بفعل التحديات والمصاعب التي تواجه البشر، فيشكّل ردّ فعل طبيعياً تجاهها». بكلامٍ أوضح، فإنّ الآلام والصعوبات هي مبرّر الأمل وسبب وجوده. لا تستغرب سمعان بالتالي أن يكون الأمل مضاعفاً في نفوس اللبنانيين وسط الحرب التي يواجهون، وهي تفسّر ذلك بالقول: «كلّما قست الحياة علينا ترسّخ منطق تحدّي تلك القسوة وتَجاوزِها».

تتعدّد أشكال الأمل المُواكب للحرب، لكن يبقى أبرزها حلم العودة إلى القرى والبيوت التي تُركت بداعي النزوح. ورغم أن الحرب ما زالت دائرة، فإنّ النازحين يعيشون على ذلك الأمل.

أما مَن خسروا بيوتهم أو أقرباء لهم، فمن الصعب جداً عليهم استحضار الأمل. وتلفت الاختصاصية النفسية إلى أنّ «هذه الفئة من ضحايا الحرب بحاجة إلى دولة تحتويهم وأصدقاء يحتضنونهم وعلاجٍ نفسي يعيد ترميم ما تدمّر». وتشدّد سمعان في هذا الإطار على «ضرورة توفّر وسائل دعم معنوي في حالات كهذه، كي يعود الأمل تدريجياً».

الإرادة والتصميم... رفيقا الأمل

يسير الأمل جنباً إلى جنب مع الظروف الصعبة والأحاسيس الهدّامة، فيضخّ الطاقة والإلهام حتى في أكثر النفوس يأساً. لكن من الخطأ الاعتقاد بأنّه مجرّد أمنيات بأن الغد سيكون أجمل وبأننا نستطيع تحقيق كل ما نبتغي؛ فتلك الأفكار لا تكتمل من دون التسلّح بالتصميم على تحقيقها. يتطلّب الأمل بالتالي تفكيراً إيجابياً، وقوّة إرادة، وقدرة على التنفيذ والسير في اتجاه الأهداف.

تشدّد سمعان في هذا الإطار على ضرورة «أن يتوازى الأمل مع الإمكانيات المتاحة لتحقيق الأهداف، أي الوسائل التي تسهّل الوصول إلى المُراد». أما عندما تكون تلك الأدوات، المعنوية منها والمادية، غير متوفّرة، ويصرّ المرء على توقّع حصول أمرٍ جيّد رغم ذلك، يخرج الأمل عن السياق الواقعي، وفق تعبير المعالجة النفسية. وهي تذكّر هنا بأهمية «الموازنة بين الواقع والمَرجو، والتمييز بين الأمل والتوقعات اللاواقعيّة».

ليس الأمل مجرّد أمنيات بل يجب أن يترافق مع قوّة إرادة (أ.ف.ب)

الأمل علاجٌ لعلّاتٍ كثيرة

وفق دراسة معمّقة أُجريت عام 2010 وخلُصت إلى توصيف الأمل بـ«رأس المال النفسي»، فإنّ الأشخاص المتسلّحين به يتمتّعون بصحة جسدية ونفسية أفضل من سواهم، كما أنهم يحققون نتائج مميّزة في مجالاتٍ كثيرة، كالرياضة، والدراسة، والعمل. حتى الأمراض المستعصية تسجّل نسبة شفاء أعلى لدى المصابين الذين لا يتخلّون عن الأمل.

يرفع الأمل من منسوب هرمون الإندورفين المعروفة بتخفيف الألم وبمَنح شعورٍ بالراحة؛ ما يساعد في تخفيض منسوب القلق والتوتّر والشعور بالعجز.

جداريّة الأمل دعماً لضحايا الحرب في أوكرانيا (رويترز)

نصائح للعناية بالأمل

صحيح أن الحرب خارجة عن إرادة ضحاياها، وأنها تُفرَض عليهم ولا يستطيعون التحكّم بظروفها ولا بمواعيد نهايتها، غير أن الأمل جزءٌ أساسي من الصمود في وجهها. وقد أصبح اللبنانيون، بما عاصروا من حروب، خبراء في تشييد جدران الصمود والاستثمار في الأمل.

تحت وطأة ما يحصل من قصفٍ وموتٍ ونزوحٍ وقلق، تنصح سمعان بـ«التركيز على الأمور التي باستطاعتنا التحكّم فيها، وليس ما هو خارج عن إرادتنا»؛ أي صبّ الاهتمام على العمل والصحة النفسية والجسدية وتقديم المساعدة للآخرين، والابتعاد قدر المستطاع عن متابعة الأخبار والأحداث السياسية والأمنية التي لا يمكن التحكّم بها.

طفلة لبنانية نازحة تحمل دميتها في أحد مراكز الإيواء (أ.ف.ب)

كما أنه من المفيد، وسط هذه الظروف، وضع أهدافٍ محدّدة وسهلة التحقيق حتى وإن كانت صغيرة وبسيطة، كالمواظبة على رياضة يومية، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو ري النباتات في المنزل مثلاً؛ فأي نشاطٍ منبثقٍ عن دورة الحياة الطبيعية يعزّز شيئاً من الأمل.

يبقى الأهمّ عدم صدّ الشعور باليأس ولا الحكم على الذات بقسوة، بل يجب استقبال ذلك الشعور ومحاولة فهمه وتبريره وسط ظروف الحرب القاسية، لكن من دون السماح له بالتحوّل إلى ضيفٍ دائم يسحب المعنويّات إلى القعر.

أزهار تنبت من حائط متشقّق اتّخذ شكل خريطة لبنان (مؤسسة إيكزوتيكا)

«هي أيامٌ صعبة، لكنها ستمضي». إنها العبارة الفضلى لدى اللبنانيين الجالسين في قلب فسحة الأمل. ولعلّ تلك الصورة التي نشرها أحد متاجر الورد في لبنان أصدق تعبيرٍ على تمسُّك أهل البلد بخيط الأمل، مهما كان رفيعاً، فالأمل زهرة تنبت من بين الأنقاض.


مقالات ذات صلة

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

صحتك القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

يختبر الإنسان القلق في جزء طبيعي من حياته اليومية فهو ليس بالضرورة علامة على اضطراب نفسي بل يُعدّ استجابة فطرية ومتكيفة تساعدنا في التعامل مع التهديدات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم بين الشاشة والطبيب

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

النماذج التنبؤية تظل محدودة في قدرتها على تمثيل التعقيد الإنساني.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
يوميات الشرق إيفانكا ترمب ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تذرف الدموع حزناً.... ماذا قالت إيفانكا ترمب عن وفاة والدتها ومرض زوجها؟

كشفت إيفانكا ترمب عن جوانب شخصية مؤلمة من حياتها، متحدثةً عن فقدان والدتها، والتحديات الصحية التي واجهها زوجها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد نقاش نظري بل أصبح قضية تُناقش في المحاكم (بيكسلز)

كيف نحرر عقولنا من سيطرة هواتفنا؟

مع تزايد الأدلة العلمية والقانونية، تتصاعد التساؤلات حول تأثير هذا الاستخدام المكثف على الصحة النفسية والقدرات الذهنية، وما إذا كان من الممكن عكس آثاره.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك شرب 6 أكواب من الشاي الأخضر منزوع الكافيين يومياً لمدة 6 أسابيع أدى إلى انخفاض مستويات الكورتيزول (بيكسلز)

كيف تخفّض الكورتيزول؟ 7 مشروبات مفيدة

الكورتيزول هو هرمون يُعرَف باسم «هرمون التوتر»، إذ يرتفع مستواه في الجسم عند التعرُّض للضغط النفسي أو المجهود البدني الشديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.


السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
TT

السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)

من أروقة «بينالي الدرعية» الذي يستنطق التاريخ، إلى منشآت «ديزرت إكس العلا» التي تحاور الطبيعة، ومن صالات العرض في جدة والرياض إلى كبرى المتاحف العالمية؛ يشهد الحراك الفني السعودي قفزات نوعية وضعت الفنان المحلي على خريطة الاهتمام الدولي.

وبينما يحتفي العالم بـ«اليوم العالمي للفن»، في 15 أبريل (نيسان) من كل عام، لتعزيز الوعي بالإبداع والتنوع الثقافي، تشهد السعودية تحولات نوعية في القطاع، تنقلها من موقع المشاركة المحدودة إلى التأثير في مشهد الفن عالمياً، والظهور كواجهة ثقافية صاعدة تعيد صياغة مفاهيم الجمال والابتكار في المنطقة.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون، وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية، وترسيخ مكانة السعودية منصةً فاعلةً ضمن المشهد الثقافي العالمي.

وقالت دينا أمين في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «اليوم العالمي للفن منصة للاحتفاء بالفنون ودورها الحيوي في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز حضور الإبداع في الحياة اليومية».

وأضافت: «يشكِّل هذا اليوم مناسبة للتأمل في أبعاد الفن، بوصفه مساحة للتعبير والتجربة، وعنصراً يسهم في بناء جسور الحوار الثقافي، ويعكس تنوُّع الرؤى والممارسات الفنية».

تقدِّم مؤسسات سعودية مختلفة معارض نوعية من حيث الأعمال والمشاركات البارزة والوصول العالمي (هيئة الفنون)

آفاق ووعود التجربة السعودية

لم يقتصر تطور المشهد الفني السعودي على مجرد الحضور في المحافل الوطنية والدولية؛ بل بدأ من الجذور، وبوعود تطوير البنية التحتية الثقافية، ومن بينها المجمع الملكي للفنون في مدينة الرياض، وهو الصرح الثقافي المرتقب، ضمن مشروع حديقة الملك سلمان، إضافة إلى دار الأوبرا الملكية في الدرعية، وهي مشروع ثقافي ضخم سيكون مركزاً عالمياً للفنون المسرحية، بتصميم نجدي تقليدي يتسع لـ3500 شخص، مع قاعة رئيسية بألفَي مقعد، ومن المقرر افتتاحها عام 2028.

ومثَّل الحضور الدولي للفن السعودي في أهم وأبرز المنصات العالمية، واحداً من مظاهر التحولات الإبداعية للفن في السعودية، ومن ذلك المشاركة في «بينالي فينيسيا» والمعارض المشتركة مع «مركز بومبيدو».

وشهدت السعودية تطوراً في أسواق الفن لديها، ونمو المزادات العالمية (مثل «سوذبيز» و«كريستيز») التي تركز على الفن السعودي الحديث والمعاصر.

التجربة السعودية بدأت من الجذور بوعود تطوير البنية التحتية الثقافية (واس)

وعلى صعيد الفنون التقليدية والتراثية، احتفت السعودية بها قيمةً وفنّاً على حد سواء، وسمَّت عاماً مستقلاً بعام الخط العربي، وآخر بعام الحِرَف اليدوية، وعكست طوال كل عام منها الاعتزاز بهما تراثاً حياً وقيمة فنية عالية.

وكذلك الحال مع الاحتفاء بالفنون الأدائية، التي تضم الموسيقى، والفنون الشعبية، اللذين اختصت هيئتان مستقلتان بتطويرهما وصونهما، وتوسيع دائرة حضورهما عالمياً، إضافة إلى فنون العمارة والتصميم، التي تُوِّجت بميثاق الملك سلمان العمراني، وهو بمثابة أساس استراتيجي للعمران والمستقبل، ومنهجية تصميم تُبرز تاريخ السعودية وثقافتها.

على جانب التمكين والتعليم تسعى السعودية إلى دعم صناعة حقبة جديدة في قطاع الفن السعودي (واس)

وعلى جانب التمكين والتعليم، يلعب المعهد الملكي للفنون التقليدية و«مسك للفنون» دوراً في صقل المواهب الشابة، قبل أن يُتوَّج هذا المسار بالإعلان عن جامعة الرياض للفنون، التي ستتيح في سبتمبر (أيلول) المقبل التسجيل في تخصصاتها المتعددة التي تدعم صناعة حقبة جديدة في قطاع الفن السعودي.

ويقود كل من: هيئة الفنون البصرية، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وعدد آخر من الهيئات والمؤسسات الثقافية والتراثية، قاطرة تطور المشهد الفني في السعودية.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن الهيئة تواصل من خلال برامجها ومبادراتها دعم وتمكين الممارسات الإبداعية، وتعزيز حضور الفنون في المشهد الثقافي المحلي، بما يسهم في تنمية القطاع الثقافي، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» نحو قطاع ثقافي مزدهر ومؤثر.

وبالتزامن مع هذه المناسبة، تُطلق هيئة الفنون البصرية حملة «ما هو الفن؟» التي تستكشف مفهوم الفن من زوايا متعددة، وتسلِّط الضوء على حضوره في تفاصيل الحياة اليومية، وتدعو إلى توسيع إدراكه، بوصفه تجربة متجددة تتجاوز التعريفات التقليدية.

جاء التطور في قطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)

سنوات القفزة النوعية

جاء التطور في قطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي؛ حيث شهدت السعودية دعماً مؤسسياً غير مسبوق للثقافة، بوصفها ركيزة للهوية الوطنية، وقطاعاً إنتاجياً فاعلاً في التنمية الشاملة.

وتقدم مؤسسات سعودية مختلفة معارض نوعية، من حيث الأعمال والمشاركات البارزة والوصول العالمي، وعلى رأسها مؤسسة «بينالي الدرعية» التي نظمت نسخاً متعددة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، الذي ضمَّ مئات من الفنانين والفنانات من مختلف دول العالم، وقدَّم طيفاً واسعاً من الوسائط المعاصرة، من الأعمال التركيبية إلى الفيديو والفن المفاهيمي؛ إضافة إلى الأنشطة الفنية والفعاليات النوعية التي تنظمها الهيئة الملكية لمحافظة العلا، لإحياء تاريخ الفن المعاصر، ويشارك فيها نخبة من الفنانين المعاصرين من مختلف مناطق السعودية، وتناولت أعمالهم المفاهيم الشعرية لموضوعاتٍ متنوعة، تشمل الوطن والهوية والانتماء وغيرها، من خلال وسائط متعددة شملت اللوحات والمنحوتات والفيديوهات والتركيبات الفنية.

وبرزت كذلك الفنون المرتبطة بالتقنيات الحديثة، مع تزامن انطلاق مركز الدرعية لفنون المستقبل، الذي تم افتتاح معرضه الأول بعنوان «ينبغي للفن أن يكون اصطناعياً: آفاق الذكاء الاصطناعي في الفنون البصرية».

مثَّل الحضور الدولي للفن السعودي في المنصات العالمية واحداً من مظاهر التحولات الإبداعية في السعودية (هيئة الفنون)

وفي مجال الفنون الضوئية، تُنظِّم مؤسسة «الرياض آرت» فعالية «نور الرياض» التي بلغت نسختها الخامسة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وهي أكبر احتفال للفنون الضوئية في العالم، وشارك في نُسَخها المتعددة فنانون وفنانات محليون ودوليون متخصصون في الفنون الضوئية.

وفي مجال معارض النحت، نظَّمت مؤسسة «الرياض آرت» نُسَخاً متعددة من ملتقى طويق للنحت، وهو تجربة توفر للجميع فرصة عيش رحلة فنية من النحت الحي، من خلال مشاهدة منحوتات مختلفة باستخدام أحجار الغرانيت المحلي من أرض السعودية، وذلك في تأكيد على ارتباط الفن بالبيئة المحلية، ويبدع في نحتها الفنانات والفنانون من دول العالم، مع أبرز فناني النحت من السعودية.

شهدت السعودية دعماً مؤسسياً غير مسبوق للثقافة بوصفها ركيزة للهوية الوطنية (واس)

وحافظت معارض الفنون متعددة الوسائط (تشمل الوسائط الفنية السمعية والبصرية والرقمية المختلطة) على حضورها، مثل معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون في نسخه المتتالية، الذي ينظمه «معهد مسك للفنون» خلال فصل الصيف، ويضم أعمالاً استخدمت وسائط وأساليب تقليدية وحديثة.

كما شهدت السنوات الماضية إدماج الأعمال الفنية في الفضاءات العامة، وذلك في استمرار لتطوير المشهد الحضري والثقافي في الرياض، من خلال برنامج «الرياض آرت» من الهيئة الملكية للرياض، لتصبح هذه الأعمال جزءاً من السرد الثقافي في مدينة الرياض. وتجسد هذه القطع الفنية المعاصرة رحلة لتحويل العاصمة إلى معرض فني مفتوح.


تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
TT

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من الحكاية التقليدية، لتتقاطع الأسئلة الوجودية مع التحولات الاجتماعية والسياسية، وتتحول القصص الشخصية إلى مرايا لواقع أوسع، ورغم اختلاف البيئات والخلفيات، فإن المشاريع التي عرضها مخرجوها التقت عند نقطة جوهرية للإنسان الذي يحاول فهم موقعه من التغيرات المحيطة وسط ضغوط الحياة.

وأقيمت النسخة الثانية عشرة من «أيام مالمو لصناعة السينما» ضمن فعاليات الدورة الحالية من المهرجان، وهي المنصة التي تهدف لدعم صناع الأفلام في دول شمال أوروبا، لتعزيز التعاون المشترك بمجال السينما. وعلى مدى 4 أيام جرت مناقشات لتطوير المشاريع السينمائية للأفلام القصيرة والروائية على حد سواء، فيما ضمت المشاريع التي عرضت على لجنة التحكيم 5 أفلام قصيرة و6 مشاريع أفلام روائية طويلة مشتركة الإنتاج بين صناع أفلام عرب وسويديين تم اختيارها من بين 52 طلب مشاركة قدمت من أكثر من 20 دولة.

تنافست الأفلام على منح الدعم التي يقدمها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)

قصص إنسانية متنوعة

في الفيلم السوداني «مكة ليلى» للمخرجة مروة زين، تُستدعى الذاكرة بوصفها مساحة مواجهة مع الذات. البطلة، التي تجد نفسها مجبرة على مغادرة حياتها في المنفى، وتتداخل التجارب الأولى مع القيود الاجتماعية والدينية.

أما الفيلم المصري «عرب المعادي» للمخرجة أيتن أمين، فيبني إيقاعه من داخل الحياة اليومية، حيث يبدو كل شيء عادياً في الظاهر، بينما تتراكم الشكوك تحت السطح، فاختفاء فتاة شابة يتحول إلى شرارة تكشف هشاشة العلاقات داخل الحي، إذ تنتشر الشائعات بسرعة، وتتحول إلى حقيقة بديلة يصدقها الجميع، ومع تصاعد الأحداث، لا يعود السؤال «ماذا حدث؟»، بقدر ما يصبح «من نصدق؟»، في مجتمع يتآكل فيه اليقين لصالح الخوف.

وفي فيلم «في انتظار الجنة» للمخرج المصري محمد صيام، يتخذ السرد مساراً تأملياً، حيث تتراجع الأحداث لصالح الحالة الشعورية، فالشخصيات لا تتحرك بقدر ما تعيش حالة انتظار ممتدة، تتأرجح بين الأمل والانكسار، في واقع لا يمنحها ما تتمناه. أما الفيلم السوداني «عن الحب وقوانين سبتمبر» للمخرج محمد كردفاني، فيأخذ منحى أكثر مباشرة في اشتباكه مع التاريخ، لكن من زاوية إنسانية حميمة، ففي ظل واقع سياسي مشحون، تتشكل العلاقات العاطفية باعتبارها مساحة مقاومة، حيث يحاول الأفراد الحفاظ على إنسانيتهم في مواجهة منظومة قمعية، فالحب بالفيلم ليس مجرد شعور، بل موقف، ومحاولة للتمسك بالحياة.

ويذهب الفيلم الأردني «رقم غير واضح» للمخرج يحيى العبد الله نحو مساحة أكثر تجريداً، حيث يصبح الغموض جزءاً من بنية العالم نفسه، فلا يقدم الفيلم واقعاً يمكن الإمساك به بسهولة، بل يضع شخصياته داخل شبكة من الالتباسات، وتتداخل الحقيقة مع الوهم، وتصبح التفاصيل اليومية محملة بإشارات مقلقة، ليتحول البحث عن اليقين إلى رحلة داخلية، لا تقل تعقيداً عن العالم الخارجي.

أما الفيلم اليمني «المدينة 2008» للمخرج يوسف الصباحي، فيلتقط لحظة دقيقة تسبق التحولات الكبرى، حيث يبدو الواقع مستقراً ظاهرياً، لكنه يحمل في داخله بوادر التصدع، ومن خلال شخصية تبحث عن فرصة جديدة، تتكشف طبقات من الوهم المرتبط بالأمل السريع، سواء في الحب أو الثراء أو الهروب.

شهدت أيام الصناعة حضوراً لافتاً من صناع الأفلام (إدارة المهرجان)

تعزيز للشراكات

وأكد مؤسس ورئيس مهرجان «مالمو» محمد قبلاوي أن إطلاق «أيام الصناعة» جاء من قناعة داخل إدارة المهرجان بضرورة تجاوز فكرة عرض الأفلام فقط، والانتقال إلى موقع أكثر فاعلية في دعم صناعة الأفلام نفسها، فالفكرة انطلقت من الرغبة في أن يكون المهرجان شريكاً حقيقياً في تطوير المشاريع السينمائية، وليس مجرد منصة لعرضها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أيام الصناعة» تطورت مع الوقت لتصبح مساحة متكاملة تجمع بين الدعم المالي والتأهيل المهني وبناء العلاقات، بما يسهم في خلق بيئة حقيقية تساعد على إنتاج أفلام عربية قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع.

وقالت مديرة «أيام مالمو لصناعة السينما»، باتول عردات لـ«الشرق الأوسط» إن «نسخة هذا العام جاءت متنوعة في محاولة لتقديم منصة حقيقية تدعم صناع الأفلام وتفتح المجال أمام أصوات وتجارب مختلفة من العالم العربي»، وأضافت أن «البرنامج يقوم على محورين رئيسيين: الأول صندوق الدعم، الذي تم تخصيصه هذا العام لفئتين: الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة؛ والثاني يتمثل في المنتدى، الذي يشمل مجموعة من الندوات والجلسات الحوارية ودراسات الحالة، التي تتيح للمشاركين التعرف على تجارب سابقة لمشاريع انطلقت من المنصة نفسها ونجحت في الوصول إلى الجمهور»، لافتة إلى أن لجنة التحكيم تضم نخبة من المتخصصين في مجالات الإنتاج والتطوير والكتابة، بما يضمن تقييماً متوازناً يجمع بين الرؤية الفنية والخبرة العملية، ويسهم في دعم المشاريع المختارة خلال مراحل تطورها المختلفة.

عاجل انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن