أصداء الزمن... القصص الكامنة في قلب الصحراء تمد جسورها للواقع

معرض لفنانتين سعودية وألمانية بمناسبة الاحتفال بالذكرى العشرين لحفريات معهد الآثار الألماني في السعودية

المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)
المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)
TT

أصداء الزمن... القصص الكامنة في قلب الصحراء تمد جسورها للواقع

المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)
المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)

أن تقوم بمصاحبة بعثة أثرية في عمليات التنقيب أمر يتطلب الالتزام بجدول دقيق يستلزم الاستيقاظ المبكر، والعمل لساعات طويلة، ومراقبة تفاصيل العمل اليومي التي قد تكون رتيبة وخالية من الدهشة. هذا ما عاصرته الفنانتان دانية الصالح من السعودية، وسوزان كريمان من ألمانيا، إذ قامتا بمرافقة البعثة الألمانية في رحلة عمل بمدينة تيماء السعودية. ثم قُدّمت نتائج تلك التجربة في معرض فني تحت عنوان «أصداء الزمن»، من تنسيق سلمى الخالدي، أقيم بالتعاون مع السفارة الألمانية ومعهد «جوته» في الرياض، والمعهد الأثري الألماني في برلين، بمناسبة الاحتفال بالذكرى العشرين لحفريات معهد الآثار الألماني في السعودية. فكرة العرض عميقة، وتدعو للتفكير في التاريخ القديم وتقاطعه مع الحاضر، فهو من ناحية يقدم لنا جانباً مهماً من الاستكشافات الأثرية في تيماء، والعلا، ومحاولات لفك طلاسم طبقات من التاريخ القديم، ومن ناحية أخرى يقدم لنا نظرة فنية معاصرة تدعو المشاهدين إلى إعادة تصور المناظر الطبيعية الصحراوية ليس فقط بوصفها آثاراً، ولكن بوصفها مساحة يتقاطع فيها التاريخ والحاضر.

من أعمال الفنانة دانية الصالح في معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

العقيق والذاكرة الجماعية

بالنسبة إلى الفنانة دانية الصالح كان الأمر مختلفاً عن طريقة عملها بالذكاء الاصطناعي وتركيبات الفيديو، تقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت أنه يرتبط بممارستي الفنية التي تدور حول التكييف الاجتماعي والذاكرة والوسائط، وكيف تؤثر الوسائط فينا، وعلى ذاكرتنا، وعلى الثقافة بطريقة تترجم لتفاصيل في حياتنا اليومية».

من العناصر التي شكلت ملامح التجربة لدانية الصالح كانت رؤية كميات كبيرة من شذرات العقيق في أماكن الحفر، وقررت توظيفها في أعمالها. جاء الاختيار للعقيق الأحمر بوصفه شيئاً كان يستخدم في الحياة اليومية لمن سكنوا هذه المواقع قديماً، ويوجد بشكل متكرر في المناطق الأثرية القديمة. اتخذت منه الفنانة مدخلاً وعنصراً تنسج من خلاله رؤيتها الفنية، تنظر إليه بوصفه «أكثر من مجرد حجر كريم أو قطعة زخرفية»، وربما كان شيئاً قد لا نضعه في الاعتبار اليوم، ولا نركز عليه. لكن كانت له استخداماته ورمزيته. «أنا مهتمة جداً بالأشياء اليومية التي نأخذها على محمل الجد، والأشياء التي نعدها أمراً مفروغاً منه».

وتستطرد قائلة: «بالنسبة إليَّ كان ذلك أمراً مثيراً، ولكن بسؤال العلماء حولي، قيل لي إن جميع المواقع الأثرية التي عملوا بها كانت بها آثار للعقيق. حتى في المقابر التي عثر عليها في منطقة تيماء ومنطقة رجوم صعصع التي يعود تاريخها لنحو 5 آلاف عام».

من هنا قررت الفنانة استخدام الحجر الكريم في تكوين أعمالها المعروضة، «اشتريت بعض أحجار العقيق من الهند، وقمت بطحنها للحصول على بودرة يمكنني خلطها مع الألوان للرسم».

العقيق ودوره الربط بين الماضي والحاضر في عمل لدانية الصالح في معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

في الأعمال التي عرضتها دانية الصالح، نرى أولاً عدة مناظر من المناطق التي زارتها، لجبل ولصحراء ولعربة قديمة مهملة، وهي في أصلها صور فوتوغرافية التقطتها دانية الصالح خلال فترة الإقامة مع البعثة الألمانية في تيماء. حولت الصور إلى لوحات مركّبة، تقدم من خلالها الثنائية الدائمة بين الظاهر والمخفي، بين ما تراه أعيننا فوق الأرض وما تخفيه تحتها. هنا استخدمت الفنانة أسلوباً ميز أعمالاً سابقة لها، مثال لذلك لوحة بعنوان «اخْتبِئَ، وابحث»، تمثل منظراً لمدينة تيماء في الخلفية، وضعت فوقه تصميماً يشبه تصميم «المشربيات» بتقاطعاتها الخشبية والفجوات التي يمكننا من خلالها رؤية الخلفية، نراها أحياناً، وتختفي خلف التصميم أحياناً أخرى، الرؤية مزدوجة هنا.

«الأعمال هنا تعكس ما تقوم به البعثة الأثرية، ففي كل عملية تنقيب يحفرون للعثور على قطع من بازل (أحجية) قديمة في محاولة لحل ألغاز الماضي، يعثرون على بعض القطع، وتستعصي عليهم قطع أخرى. من جانبي أحاول أن أقلد تلك العملية، الحفر والاكتشاف ثم التساؤل».

«لوحة الألوان الحجرية» من أعمال الفنانة دانية الصالح في معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

لوحة ثانية تبدو في تصميمها مثل سجادة عليها تصوير لجرار فخارية، بالنظر إلى العمل نجد أنه أيضاً يعتمد على أكثر من طبقة، الأساس كولاج لأكثر من صورة فوتوغرافية عليها أشكال مفرغة لثلاث جرات.

وأوضحت دانية الصالح: «يكتشف الخبراء الكثير من الجرار في هذه المواقع، بعضها سليم وبعضها متكسر. اللوحة عبارة عن كولاج من الصور والأشكال المختلفة. استخدمت في تلوينها ألواناً ممزوجة ببودرة أحجار العقيق وأحجار اللازورد. ما هو الفرق بين القطع القديمة التي تختفي تحت طبقات الأرض وما يتركه الإنسان في الحاضر خلفه؟».

نرى رؤية لهذا في عمل آخر تصور فيه دانية الصالح سيارة بيك أب مهملة «بدت لي بمكانة تذكار من السبعينات، مهملة على الأرض التي تحوي الألغاز الغامضة في بطنها. تشبه قطع العقيق المتكسرة التي تركها القدماء». في أعمالها نرى أشكالاً لعقود من العقيق، حبات منتظمة في أشكال عقود وأساور وغيرها، تفسر بأسلوبها الفني كيف تتغير قيمة ورمزية شيء كان يستخدم قبل آلاف السنين ليصبح مجرد شيء كمالي أو عنصر تجميلي لتذكارات سياحية، «يفقد الرمز معناه بمرور السنين، قد لا نعرف أبداً رمزية هذا الشيء في الماضي السحيق، كل ما نستطيع فعله هو التساؤل والتخمين».

سوزان كريمان مع المنسقة سلمى الخالدي والفنانة دانية الصالح (دانيا الصالح)

سوزان كريمان... آثار ومخلفات

تتشابه بعض اللقطات الفوتوغرافية التي التقطتها سوزان كريمان ودانية الصالح. قضت الفنانتان فترة أسبوعين في الأماكن نفسها، وراودتهما أسئلة كثيرة متشابهة، لكن الفرق في المعرض هو رؤية وفلسفة كل فنانة، وطريقة تصويرها للمشاهد. تصف سوزان تأثير قضاء فترة في تيماء برفقة البعثة الألمانية، وتتحدث عن الاستيقاظ في الصباح الباكر، والذهاب للعمل في الصحراء، وتأثير مشاهدة شروق الشمس على الطبيعة «يشبه الانتقال من الظلام إلى النور، وهو شيء أجده مثيراً للاهتمام، غالباً ما أفكر في ذلك من ناحية ما يمكن رؤيته وما لا يمكن رؤيته مع أنه موجود».

«جلد على الرمال» للفنانة سوزان كريمان من معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

يتباين عمل سوزان كريمان «الجلد على الرمال» بين القطع الأثرية القديمة والنفايات الحديثة الموجودة في المواقع الأثرية في تيماء. باستخدام المطبوعات الفوتوغرافية التي تدمج النتائج الأثرية مع البلاستيك الدقيق، يسلط عملها الضوء على التأثير البيئي للتلوث البلاستيكي في المناظر الطبيعية الصحراوية، مما يقدم رؤية معقدة للقضايا البيئية الحالية.

تقول في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «عثرت على سترة مدفونة في الرمال استخدمتها موضوعاً لعدد من الأعمال، ولكن السترة ليست قديمة بل حديثه، قد يكون عمرها ثلاث أو خمس سنوات، ولكنها كانت في الرمال التي ترك آثارها عليها، وحولتها لشيء آخر لدرجة أنها قد تبدو منظراً طبيعياً». يختصر البيان الصحافي المعرض بعبارة معبرة «بينما تتعمق سوزان كريمان ودانية الصالح في النسيج الغني لهذه المناظر الطبيعية التاريخية، فإنهما ينفخان حياة جديدة في البقايا، وتقومان بنسج روايات تربط العمق التاريخي للصحراء بالتعبير المعاصر، وتكشفان عن أصداء الزمن».


مقالات ذات صلة

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتي «TT416» و«TT417» الأثريتين للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الموقع الأثري (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف بقايا معبد «بلوزيوس» بسيناء يعيد كتابة تاريخ مدينة قديمة

جدد إعلان وزارة السياحة والآثار المصرية عن اكتشاف بقايا معبد «الإله بلوزيوس» تاريخ مدينة بلوزيوم القديمة في شمال سيناء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون 3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.