صنّاع الأفلام الشباب يبثّون الروح في شوارع طرابلس

للسنة الثالثة... «مهرجان طرابلس للأفلام» يتفرّد بتقديم الدعم للأفلام العربية القصيرة

«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
TT

صنّاع الأفلام الشباب يبثّون الروح في شوارع طرابلس

«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)

في مدينةٍ لا صالة سينما فيها، يأتي مهرجانٌ صغيرٌ في حجمه، وكبيرٌ في معانيه، ليُعيد طربلس إلى الشاشة ويعيدَ الشاشة إليها، وإن لأسبوعٍ واحد.

كما في كل عام، يُختتم فصل الصيف في عاصمة الشمال اللبناني بزحمةٍ بين أزقّة منطقة المينا المحاذية للبحر. إنّهم سيّاحٌ من نوعٍ آخر؛ هم صنّاع أفلام وخبراء سينمائيون لبنانيون وعرب قصدوا المكان للمشاركة في «مهرجان طرابلس للأفلام» الذي بلغ، هذه السنة، دورته الـ11.

تمتد فعاليات المهرجان بين 19 و25 سبتمبر (إدارة المهرجان)

مصر بضيافة «المينا»

أكثر ما يلفت المُنتج المصري محمد تيمور في هذا الحدث الثقافي، هو «تلك الحميميّة التي تتيح فرصة التعارف عن قربٍ وبعُمق بين صنّاع أفلام آتين من حول العالم العربي». يوافقه زميله وابنُ بلده، المُخرج محمود عاصي، الرأي، ويضيف، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا وقت ضائع هنا، فالمساحات الضيّقة ولّادة أفكار وإلهام»، وأنّ «سرّ مهرجان طرابلس للأفلام ليس في كمّ ما يقدّم، بل في نوعه».

الشابان المصريان، اللذان يحمل كل منهما مشروعه السينمائي إلى طرابلس، مع أمل الحصول على دعم، لم يتردّدا في السفر إلى لبنان، رغم الظروف الأمنية الدقيقة. وجدا نفسَيهما يستمدّان الطمأنينة والضحكة من حلقةٍ من زملاء المهنة.

قصد المخرج محمود عاصي والمنتج محمد تيمور المهرجان من مصر لتقديم مشروعيهما (إدارة المهرجان)

الإصرار على الاستمرار

موسماً تلو آخر، يتكرّس المهرجان ملتقى للمواهب السينمائية العربية الصاعدة، ولروّاد مخضرمين في المجال، وهذا ما يؤكّده مؤسس ومدير «مهرجان طرابلس للأفلام» إلياس خلاط. يقول خلاط، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم الأزمات التي لا تُحصى، والأثمان المعنوية والمادية الباهظة، ولا سيّما صعوبة تأمين التمويل، نحن متمسّكون بإصرارنا على الاستمرار».

ولعلّ أبرز ما رسمَ تلك الهويّة الشابة للمهرجان، وجعل منه مقصداً للأجيال الجديدة من المخرجين والمنتجين، منتدى «أيام صنّاع الأفلام». يشرح خلاط أن «هذا المنتدى المتخصص يأخذ حيّزاً أكبر، عاماً تلو عام»، أما أهمّ ما انبثق عنه فهي «منصة دعم الفيلم العربي القصير».

إلياس خلاط مؤسس ومدير «مهرجان طرابلس للأفلام» (إدارة المهرجان)

منصة فريدة عربياً

تكمن فرادة تلك المنصة في كونها الوحيدة في العالم العربي المخصصة لدعم الأفلام القصيرة. تخبر فاطمة رشا شحادة، منسقة المنتدى، كيف وُلدت فكرة المنصة منذ 3 سنوات: «لطالما لاحظنا، إلياس وأنا، خلال جولاتنا على المهرجانات السينمائية العربية، أنّ التمويل محصور بالأفلام الطويلة. وكنّا ندرك مسبقاً كم أنّ معاناة مخرجي الأفلام القصيرة كبيرة في الحصول على دعم مادّي، لذلك قررنا إطلاق المنصة في دورة 2022 من المهرجان».

حققت المنصة أول نجاحاتها مع وصول باكورة الأفلام التي دعمت؛ وهو «سكون»، من الأردن إلى «مهرجان برلين السينمائي». أما اليوم فقد تضاعفت حظوظ الأفلام القصيرة بالحصول على تمويل مع تضاعف عدد الداعمين المؤمنين بالمنصة، وهم يتنوّعون ما بين منظّمات غير حكومية وشركات إنتاج من كل من أوروبا والعالم العربي.

صحيحٌ أن المبالغ المقدّمة ليست كبيرة، ولا يزيد مجموعها عن 6 آلاف دولار، إلا أنّ لهفة المخرجين الشباب لعرض مشاريعهم ضمنها تَشي بأهمّيتها الفنية والمعنوية بالنسبة إليهم.

منسّقة منتدى المهرجان فاطمة رشا شحادة (إدارة المهرجان)

أبعد من الدعم المادي

تقف المخرجة اللبنانية شيرين كرم على المنبر أمام الحضور، ولجنة التحكيم التي ستقرر ما إذا كان فيلمها القصير يستحقّ الدعم. تدافع عن فكرتها كمَن يدافع عن أغلى القضايا على قلبه. هذا الانغماس في المشروع والتمسّك بإيصاله إلى الجمهور، يلعبان دوراً محوَرياً في اختيار الأفلام المستحقّة إلى تصفيات المنصة. تشدّد شحادة على تلك النقطة وتضيف: «وصل إلينا، هذه السنة، 39 مشروعاً من مختلف أنحاء العالم العربي. وقد اخترنا الأفلام المؤهّلة على أساس الفكرة المطروحة، كما نظرنا إلى المخطط التمويلي مركّزين على المشاريع التي يفصلها عن التنفيذ مبلغٌ صغير، فدفعنا بها إلى الأمام».

من بين هؤلاء المخرجين، الذين لم يعد ينقصهم سوى مبلغ صغير لإتمام مشروعهم، اللبناني إيلي نجيم الذي وصل إلى مراحل فيلمه النهائية من هندسة الصوت والتلوين. اختار نجيم، في دقائقه السينمائية الـ20، قصة واقعية عن رجل يبيع عبوات المياه على الطريق، ويجمع مدخوله ليشتري به تابوته. يقول المخرج والممثل الشاب إنّ مشاركته في مهرجان طرابلس بصفته طالب دعم، تتخطّى البُعد المادّي؛ لأنّ المكان بالنسبة إليه هو «نقطة التقاء لتبادل الأفكار والمشاغل في هذه الفترة الصعبة، ومصدر إلهام واسترجاع الطاقة لكثيرين منّا».

المخرج والممثل اللبناني إيلي نجيم مقدّماً مشروع فيلمه القصير للجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

المنتج المصري محمد تيمور، الحاضر مع فيلم «صفرة» للمخرج شريف البنداري، يشارك نجيم رأيه. يلفت تيمور إلى أنّ «المنصّة، ورغم المبالغ المتواضعة التي تُقدَّم، فإنها واجهة مميّزة للشباب العامل في قطاع الأفلام». يضيف: «هنا باستطاعتنا بناء سُمعة جيّدة للفيلم، وزيادة احتمالات انتشاره عربياً».

يذهب زميله المخرج محمد عاصي أبعد من ذلك ليقول: «وجودنا هنا في هذه اللحظة الأمنية الدقيقة، ووسط المخاطر المحيطة بلبنان، هو أهمّ ما في الأمر، فأسمى أهداف السينما هو تقريب الناس من بعضها البعض».

صنّاع الأفلام الشباب الذين قدّموا مشاريعهم إلى منصة الدعم (إدارة المهرجان)

فوز جماعيّ

حانَ وقت الإعلان عن الفائزين. الرهبة واضحة على ملامح المُخرجين والمنتجين الصاعدين، فأي دعم صغير سيدفع بمشاريعهم أشواطاً إلى الأمام. تذهب الجائزة الكبرى لشيرين كرم وفيلمها «عصفورين بحجر»، وتتوزّع المبالغ المتبقية على كل من نجيم وتيمور. لكنّ السعادة لا تقتصر على الرابحين، فالجميع يرفع شهادة المشاركة في المهرجان مبتسماً.

إن لم يكن الفوز مادياً فهو حتماً مهنيّ وفنّيّ. فإلى جانب فرصة التقدّم إلى منصة الدعم، يتيح المهرجان أمام صنّاع الأفلام الشباب المشاركة في ورش تدريب وندوات تُعنى بالشأن السينمائي من جوانبه كافةً.

يتجاور في المهرجان الفنانون المخضرمون والمواهب الصاعدة (إدارة المهرجان)

تقول شحادة، في هذا الإطار، إنّ إدارة المهرجان تسعى إلى «بناء جسور بين الشباب والخبراء المخضرمين في المجال». ويمكن معاينة ذلك عن قرب، خلال التجوّل في القاعات المستضيفة للأنشطة، إذ يتجاور هنا الممثل السبعينيّ بالمخرج العشرينيّ، والمنتجة المحترفة بكاتب السيناريو الصاعد، ليتبادل الجميع الخبرات السينمائية بتواضعٍ وسخاء.


مقالات ذات صلة

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

يوميات الشرق الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الروابط الأسرية تعيد طبيباً فقد الثقة بالمستقبل إلى التمسُّك بالحياة.

انتصار دردير (الجونة )
يوميات الشرق المخرج المغربي يعتبر تكريمه في الجونة محطة مهمة (الشرق الأوسط)

فوزي بنسعيدي: تكريمي في «الجونة» محطة مهمة لتأمل مشواري

قال المخرج المغربي فوزي بنسعيدي إن تكريمه في مهرجان «الجونة السينمائي» بمصر، يمثل لحظة للتأمل في تجربته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أثار بكاء السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر خلال حفل افتتاح مهرجان ومؤتمر «الموسيقى العربية» الـ34، الثلاثاء، تعاطفاً واسعاً.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.