صنّاع الأفلام الشباب يبثّون الروح في شوارع طرابلس

للسنة الثالثة... «مهرجان طرابلس للأفلام» يتفرّد بتقديم الدعم للأفلام العربية القصيرة

«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
TT

صنّاع الأفلام الشباب يبثّون الروح في شوارع طرابلس

«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)
«مهرجان طرابلس للأفلام» ملتقى للمواهب السينمائية الشابة من لبنان والعالم العربي (إدارة المهرجان)

في مدينةٍ لا صالة سينما فيها، يأتي مهرجانٌ صغيرٌ في حجمه، وكبيرٌ في معانيه، ليُعيد طربلس إلى الشاشة ويعيدَ الشاشة إليها، وإن لأسبوعٍ واحد.

كما في كل عام، يُختتم فصل الصيف في عاصمة الشمال اللبناني بزحمةٍ بين أزقّة منطقة المينا المحاذية للبحر. إنّهم سيّاحٌ من نوعٍ آخر؛ هم صنّاع أفلام وخبراء سينمائيون لبنانيون وعرب قصدوا المكان للمشاركة في «مهرجان طرابلس للأفلام» الذي بلغ، هذه السنة، دورته الـ11.

تمتد فعاليات المهرجان بين 19 و25 سبتمبر (إدارة المهرجان)

مصر بضيافة «المينا»

أكثر ما يلفت المُنتج المصري محمد تيمور في هذا الحدث الثقافي، هو «تلك الحميميّة التي تتيح فرصة التعارف عن قربٍ وبعُمق بين صنّاع أفلام آتين من حول العالم العربي». يوافقه زميله وابنُ بلده، المُخرج محمود عاصي، الرأي، ويضيف، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا وقت ضائع هنا، فالمساحات الضيّقة ولّادة أفكار وإلهام»، وأنّ «سرّ مهرجان طرابلس للأفلام ليس في كمّ ما يقدّم، بل في نوعه».

الشابان المصريان، اللذان يحمل كل منهما مشروعه السينمائي إلى طرابلس، مع أمل الحصول على دعم، لم يتردّدا في السفر إلى لبنان، رغم الظروف الأمنية الدقيقة. وجدا نفسَيهما يستمدّان الطمأنينة والضحكة من حلقةٍ من زملاء المهنة.

قصد المخرج محمود عاصي والمنتج محمد تيمور المهرجان من مصر لتقديم مشروعيهما (إدارة المهرجان)

الإصرار على الاستمرار

موسماً تلو آخر، يتكرّس المهرجان ملتقى للمواهب السينمائية العربية الصاعدة، ولروّاد مخضرمين في المجال، وهذا ما يؤكّده مؤسس ومدير «مهرجان طرابلس للأفلام» إلياس خلاط. يقول خلاط، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم الأزمات التي لا تُحصى، والأثمان المعنوية والمادية الباهظة، ولا سيّما صعوبة تأمين التمويل، نحن متمسّكون بإصرارنا على الاستمرار».

ولعلّ أبرز ما رسمَ تلك الهويّة الشابة للمهرجان، وجعل منه مقصداً للأجيال الجديدة من المخرجين والمنتجين، منتدى «أيام صنّاع الأفلام». يشرح خلاط أن «هذا المنتدى المتخصص يأخذ حيّزاً أكبر، عاماً تلو عام»، أما أهمّ ما انبثق عنه فهي «منصة دعم الفيلم العربي القصير».

إلياس خلاط مؤسس ومدير «مهرجان طرابلس للأفلام» (إدارة المهرجان)

منصة فريدة عربياً

تكمن فرادة تلك المنصة في كونها الوحيدة في العالم العربي المخصصة لدعم الأفلام القصيرة. تخبر فاطمة رشا شحادة، منسقة المنتدى، كيف وُلدت فكرة المنصة منذ 3 سنوات: «لطالما لاحظنا، إلياس وأنا، خلال جولاتنا على المهرجانات السينمائية العربية، أنّ التمويل محصور بالأفلام الطويلة. وكنّا ندرك مسبقاً كم أنّ معاناة مخرجي الأفلام القصيرة كبيرة في الحصول على دعم مادّي، لذلك قررنا إطلاق المنصة في دورة 2022 من المهرجان».

حققت المنصة أول نجاحاتها مع وصول باكورة الأفلام التي دعمت؛ وهو «سكون»، من الأردن إلى «مهرجان برلين السينمائي». أما اليوم فقد تضاعفت حظوظ الأفلام القصيرة بالحصول على تمويل مع تضاعف عدد الداعمين المؤمنين بالمنصة، وهم يتنوّعون ما بين منظّمات غير حكومية وشركات إنتاج من كل من أوروبا والعالم العربي.

صحيحٌ أن المبالغ المقدّمة ليست كبيرة، ولا يزيد مجموعها عن 6 آلاف دولار، إلا أنّ لهفة المخرجين الشباب لعرض مشاريعهم ضمنها تَشي بأهمّيتها الفنية والمعنوية بالنسبة إليهم.

منسّقة منتدى المهرجان فاطمة رشا شحادة (إدارة المهرجان)

أبعد من الدعم المادي

تقف المخرجة اللبنانية شيرين كرم على المنبر أمام الحضور، ولجنة التحكيم التي ستقرر ما إذا كان فيلمها القصير يستحقّ الدعم. تدافع عن فكرتها كمَن يدافع عن أغلى القضايا على قلبه. هذا الانغماس في المشروع والتمسّك بإيصاله إلى الجمهور، يلعبان دوراً محوَرياً في اختيار الأفلام المستحقّة إلى تصفيات المنصة. تشدّد شحادة على تلك النقطة وتضيف: «وصل إلينا، هذه السنة، 39 مشروعاً من مختلف أنحاء العالم العربي. وقد اخترنا الأفلام المؤهّلة على أساس الفكرة المطروحة، كما نظرنا إلى المخطط التمويلي مركّزين على المشاريع التي يفصلها عن التنفيذ مبلغٌ صغير، فدفعنا بها إلى الأمام».

من بين هؤلاء المخرجين، الذين لم يعد ينقصهم سوى مبلغ صغير لإتمام مشروعهم، اللبناني إيلي نجيم الذي وصل إلى مراحل فيلمه النهائية من هندسة الصوت والتلوين. اختار نجيم، في دقائقه السينمائية الـ20، قصة واقعية عن رجل يبيع عبوات المياه على الطريق، ويجمع مدخوله ليشتري به تابوته. يقول المخرج والممثل الشاب إنّ مشاركته في مهرجان طرابلس بصفته طالب دعم، تتخطّى البُعد المادّي؛ لأنّ المكان بالنسبة إليه هو «نقطة التقاء لتبادل الأفكار والمشاغل في هذه الفترة الصعبة، ومصدر إلهام واسترجاع الطاقة لكثيرين منّا».

المخرج والممثل اللبناني إيلي نجيم مقدّماً مشروع فيلمه القصير للجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

المنتج المصري محمد تيمور، الحاضر مع فيلم «صفرة» للمخرج شريف البنداري، يشارك نجيم رأيه. يلفت تيمور إلى أنّ «المنصّة، ورغم المبالغ المتواضعة التي تُقدَّم، فإنها واجهة مميّزة للشباب العامل في قطاع الأفلام». يضيف: «هنا باستطاعتنا بناء سُمعة جيّدة للفيلم، وزيادة احتمالات انتشاره عربياً».

يذهب زميله المخرج محمد عاصي أبعد من ذلك ليقول: «وجودنا هنا في هذه اللحظة الأمنية الدقيقة، ووسط المخاطر المحيطة بلبنان، هو أهمّ ما في الأمر، فأسمى أهداف السينما هو تقريب الناس من بعضها البعض».

صنّاع الأفلام الشباب الذين قدّموا مشاريعهم إلى منصة الدعم (إدارة المهرجان)

فوز جماعيّ

حانَ وقت الإعلان عن الفائزين. الرهبة واضحة على ملامح المُخرجين والمنتجين الصاعدين، فأي دعم صغير سيدفع بمشاريعهم أشواطاً إلى الأمام. تذهب الجائزة الكبرى لشيرين كرم وفيلمها «عصفورين بحجر»، وتتوزّع المبالغ المتبقية على كل من نجيم وتيمور. لكنّ السعادة لا تقتصر على الرابحين، فالجميع يرفع شهادة المشاركة في المهرجان مبتسماً.

إن لم يكن الفوز مادياً فهو حتماً مهنيّ وفنّيّ. فإلى جانب فرصة التقدّم إلى منصة الدعم، يتيح المهرجان أمام صنّاع الأفلام الشباب المشاركة في ورش تدريب وندوات تُعنى بالشأن السينمائي من جوانبه كافةً.

يتجاور في المهرجان الفنانون المخضرمون والمواهب الصاعدة (إدارة المهرجان)

تقول شحادة، في هذا الإطار، إنّ إدارة المهرجان تسعى إلى «بناء جسور بين الشباب والخبراء المخضرمين في المجال». ويمكن معاينة ذلك عن قرب، خلال التجوّل في القاعات المستضيفة للأنشطة، إذ يتجاور هنا الممثل السبعينيّ بالمخرج العشرينيّ، والمنتجة المحترفة بكاتب السيناريو الصاعد، ليتبادل الجميع الخبرات السينمائية بتواضعٍ وسخاء.


مقالات ذات صلة

«الجونة» يفتتح دورته التاسعة بتكريم منى زكي وسط تباين الآراء حول الحفل

يوميات الشرق تكريم منى زكي (إدارة المهرجان)

«الجونة» يفتتح دورته التاسعة بتكريم منى زكي وسط تباين الآراء حول الحفل

تشهد هذه الدورة من «الجونة» إطلاق فعاليات جديدة، بينها منصة «سيني جونة مسلسلات».

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)

البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

تتصدر «البطولة النسائية» قائمة «الأفلام المرمَّمة» التي ستُعرض خلال فعاليات «القاهرة السينمائي» الدولي بدورته الـ47 المقررة من 11 حتى 20 نوفمبر (تشرين الثاني).

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «رحلة إلى الجنة» لكيني غولاردي  (مؤسسة الدوحة للأفلام)

«الدوحة السينمائي» يبرز أفلاماً قصيرة عن أشكال الحياة بفلسطين ولبنان والسودان

كشف مهرجان «الدوحة السينمائي 2026» عن مشاركة 22 فيلماً ضمن «المسابقة الدولية للأفلام القصيرة».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يحيي علي الحجار حفلين بالقاهرة والإسكندرية في المهرجان (حسابه على «فيسبوك»)

مصر: غموض يحيط بحفلات مهرجان الموسيقى العربية

تسود حالة من الغموض حفلات مهرجان الموسيقى العربية في مصر، المقرر إقامته خلال الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي مع عدم الإعلان عن الجدول النهائي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)

«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

يحتفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ47 بمرور نصف قرن على تأسيسه.

أحمد عدلي (القاهرة)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.