صور تكشف عن انخفاض حاد في أعداد الطيور البحرية في النرويج

اختفاء ما يقرب من 90 % من طيور النورس البرية

منطقة تعشيش الطيور في النرويج في عام 2006 (يسار) و2023 (يمين). (ت: روب باريت)
منطقة تعشيش الطيور في النرويج في عام 2006 (يسار) و2023 (يمين). (ت: روب باريت)
TT

صور تكشف عن انخفاض حاد في أعداد الطيور البحرية في النرويج

منطقة تعشيش الطيور في النرويج في عام 2006 (يسار) و2023 (يمين). (ت: روب باريت)
منطقة تعشيش الطيور في النرويج في عام 2006 (يسار) و2023 (يمين). (ت: روب باريت)

في منتصف سبعينات القرن العشرين، قام الباحث في مجال الطيور البحرية، روب باريت، برحلة على متن قارب مطاطي لاستكشاف واحدة من أكبر مستعمرات الطيور البحرية في النرويج، وبمساعدة الكاميرا الخاصة به والنظارات المكبرة، كان باريت يخطط لالتقاط صور لمستعمرة «سيلتيفيورد» الواقعة في أقصى شمال البلاد، ثم العودة إلى اليابسة لتحميض الصور وتجميعهاً معاً لإنشاء صورة بانورامية حتى يتمكن بعد ذلك من إحصاء أعداد الطيور في المنطقة، حسبما ذكرته صحيفة «الغارديان» البريطانية.

ومع اقتراب قارب باريت من المنحدرات في المنطقة، زادت أصوات طيور النورس إلى مستوى كبير للغاية، وكذلك زادت الرائحة، وكانت المنحدرات ترتفع لمسافة 100 متر، وطيور النورس تملأ كل زاوية وشق هناك، واستمر الأمر على هذا النحو على مسافة 5 كيلومترات على طول الساحل.

وبعد محاولتين أو ثلاث، قرر باريت أن هناك عدداً كبيراً من الطيور البحرية هناك؛ ولذا فإنه لن يتمكن من إحصائها بالمعدات المتاحة لديه، إلا أنه بعد ذلك قدَّر فريق مُجهَز بشكل أفضل أن عدد طيور النورس هناك تتجاوز الـ 250 ألف طائر.

والآن، تشكل صور باريت، من مستعمرة سيلتيفيورد، التي تم التقاطها على مدى 3 عقود، إلى جانب بعض الصور الأخرى التي تم جمعها من أرشيفات المتاحف في البلاد، الأساس الذي تستند إليه سلسلة جديدة من الصور قبل وبعد التي تُظهر التغير الدراماتيكي الذي طرأ على السواحل بعد أن اختفت الطيور البحرية من المنطقة.

فاليوم، لم يتبق سوى بضعة آلاف فقط من الطيور البحرية في سيلتيفيورد، ويقول باريت: «ما يظهر الآن هو مجرد عدد صغير للغاية مقارنةً لما كان الوضع عليه في السابق، إنه لأمر محزن للغاية أن نراه على هذا النحو».

ويُذكر أنه، لقد اختفى ما يقرب من 90 في المائة من طيور النورس البرية في النرويج على مدى العقود الأربعة الماضية، مع استمرار انخفاض أعداد أنواع الطيور البحرية الأخرى أيضاً، وفي الفترة بين عامي 2005 و2015، انخفض عدد الطيور البحرية في البر الرئيسي النرويجي بنحو الثلث، وفقاً للوكالة النرويجية للبيئة.

وعلى الرغم من أن هذه الصور قد تم التقاطها في النرويج، فإنها تُظهر تحولاً عالمياً، إذ انخفضت أعداد نصف أنواع الطيور البحرية في بريطانيا أيضاً خلال السنوات العشرين الماضية، بما في ذلك انخفاض بنسبة 42 في المائة في أعداد طيور الزمج، و49 في المائة في أعداد طائر النورس الشائع، كما تشير التقديرات إلى أن أعداد الطيور البحرية انخفضت على مستوى العالم بنسبة 70 في المائة في الفترة بين عامي 1950 و2010.


مقالات ذات صلة

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

يوميات الشرق بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

أدّى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طن من الأسماك مؤخراً في العراق.

«الشرق الأوسط» (الزبيدية (العراق))
يوميات الشرق عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)

مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

في حين خرج ملايين المصريين إلى الحدائق والمساحات الخضراء في يوم «شم النسيم»، كان الأمر صعباً في إيجاد هذه المساحة أمام مجدي عاشور، الموظف الحكومي.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

أكّد المركز السعودي للأرصاد عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة.

«الشرق الأوسط» (جدة)

محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)
محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)
TT

محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)
محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)

حظي الفيلم الروائي القصير «مشاكل داخلية 32B» باهتمام خلال عرضه في افتتاح الدورة الـ12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير»، الاثنين، لا سيما أنه يقتحم قضايا حرجة تتعلق بمرحلة البلوغ لدى البنات وكيف يمكن أن يتعامل معها الأب.

تدور أحداث الفيلم حول أب أرمل ( يؤدي دوره محمد ممدوح الشهير بـ«تايسون») لديه ابنة مراهقة يعيش لأجلها ويقيم معها علاقة صداقة. تنطلق الأحداث عند متابعته لتمريناتها الرياضية حيث تفاجئه والدة إحدى زميلات ابنته بالسؤال عن أم ابنته فيخبرها أنها توفيت منذ سنوات، ثم تسأله عن خالتها أو عمتها فيجيبها بأنه رجل وحيد وليست لابنته عمات أو خالات، فتنفعل قائلة إن ابنته كبرت ولا بد أن ترتدي «حمالة صدر».

يُصدم الأب في البداية ويفكر طويلاً مع نفسه، كيف ومن أين سيشتري هذه الحمالة، ويجد صعوبة في إفهام البائع، الذي يؤدي دوره أحمد داش، وتحدث مفارقات مضحكة، حتى يخبره أنها لابنته فيختار لها مقاساً تقريبياً «32B».

ينفرد محمد ممدوح بأداء لافت عبر مونولوجات طويلة يتحدث فيها مع نفسه عن طريقة مناسبة لتناول الأمر مع ابنته التي لا يزال يراها طفلة، هل سيبلغها بذلك مبتسماً، هل يحنو عليها ويضمها، أو يحادثها بطريقة عادية؟

الفيلم الذي لم يتجاوز زمن عرضه 15 دقيقة أثار تساؤلات عديدة عن أهمية الأفلام في معالجة قضايا حرجة وحساسة، وقد طرحت حلقة نقاشية حول ذلك بعنوان: «هل يمكن للفيلم أن يُغير طريقة حديث الأسرة عن القضايا الحساسة؟»، أقيمت الثلاثاء داخل بهو المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية بحضور بطل الفيلم محمد ممدوح والممثلة جاسيكا صلاح الدين ومؤلف ومنتج الفيلم هيثم دبور والمخرج محمد طاهر.

جلسة مناقشة لطاقم فيلم «مشاكل داخلية 32B» (إدارة المهرجان)

كما شارك في النقاش ممثلون لمؤسسات دولية والمجتمع المدني، وأدارت الجلسة الفنانة هنا شيحة التي شاركت بمشهد ضمن أحداث الفيلم، وتحدث محمد ممدوح قائلاً إن «الفيلم يتناول موضوعاً شائكاً بالفعل، إذ يجد الأب نفسه في موقف لا يُحسد عليه ويقع في حيرة كيف يتحدث مع ابنته عن البلوغ وهي قضية تمس الكثير من الأسر».

وأضاف أنه عمل خلال التحضير للدور على أن يضع نفسه مكان الأب، لا سيما أنه أب لطفلة «كاميليا» عمرها 7سنوات، الأمر الذي جعله يشعر بقدر كبير من التوتر، مشيراً إلى أن الإحساس بالحياء بين الأب وابنته كان حاضراً بقوة حتى بدا الأمر وكأن ثمة حاجزاً نفسياً يفصل بينهما ويفاقم من تعقيد العلاقة.

وأوضح ممدوح أن اختيار زمن مختلف لأحداث الفيلم كان مقصوداً حتى تتحقق المصداقية، لأنه لو وقعت هذه المشكلة في الوقت الحالي لاعتمد البطل على التكنولوجيا في البحث والوصول لإجابات سهلة. وذكرت جيسكا حسام الدين التي أدت شخصية الابنة أن قضية البلوغ التي طرحها الفيلم رغم حساسيتها تشغل الكثير من الأسر.

فيما أكد المؤلف هيثم دبور أن فيلم «مشاكل داخلية 32B» يتناول جانباً مهماً من العلاقات الإنسانية التي نعيش تفاصيلها يومياً، وأنه أراد أن يُسلط من خلاله الضوء على المسافة العاطفية بين الأب وابنته، وأن جانباَ من المشكلة يكمُن في تضخمها في ذهن الأب حيث تتزايد التساؤلات لديه في ظل إدراكه أن ابنته كبرت مما يُفاقم من المشكلة.

وأشاد المخرج يسري نصر الله بالفيلم مؤكداً أنه «لا يتعالى على عقليات شخصياته»، لافتاً إلى أن من أبرز نقاط قوة العمل أنه يطرح أزمة الرجل وعلاقته بابنته دون تقديم إجابات مباشرة، بل يترك مساحة للتفكير، بينما شددت أروى البغدادي الناشطة بالمجتمع المدني على أهمية إنتاج هذه النوعية من الأفلام التي تُسهم بالفعل في تقريب المسافات بين الآباء وبناتهن، وأعربت عن أملها أن نصل لمرحلة لا تُصنف فيها هذه القضايا موضوعاتٍ حرجة أوحساسة.

وحاز فيلم «مشاكل داخلية 32B» جائزة التانيت الذهبي لأفضل عمل من مهرجان «قرطاج» خلال دورته الماضية، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة لمهرجان «مالمو» في دورته الـ16، وتم اختيار الفيلم للمشاركة في الدورة المقبلة لمهرجان «تريبيكا السينمائي».

وافتتحت الدورة الـ12 لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بحضور وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي، ومحافظ الإسكندرية المهندس أيمن عطية، اللذين أكدا على دعم الدولة لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير لما يحققه من نجاحات، ووجهت الوزيرة الشكر لرئيس المهرجان محمد محمود ومديره محمد سعدون، مؤكدة على إيمانها بقدرات الشباب المصري.

وشهد الحفل تكريم المخرج والمصور الفلسطيني أحمد الدنف الذي لم يتمكن من الحضور، لكنه تحدث عبر شريط مصور عن سعادته بهذا التكريم، فيما تسلم الفنان الفلسطيني كامل الباشا عضو لجنة تحكيم المسابقة الدولية بالمهرجان درع وشهادة تكريم الدنف، ووجه الباشا رسالة للمخرج الشاب قائلاً: «أنتم صوتنا للمستقبل».

فيما قام المخرج خيري بشارة بتكريم المونتيرة منى ربيع، والفنان حسن جاد الذي عمل مع كبار المخرجين وفي مقدمتهم يوسف شاهين.

وقام الفنان باسم سمرة بتكريم الفنان عصام عمر بعد أن شَكلا ثنائياً ناجحاً رمضان الماضي عبر مسلسل «عين سحرية»، ولفت عصام عمر في كلمته إلى أن هذا التكريم من مدينته الإسكندرية له طعم مختلف، مؤكداً أنه لا يزال في بداية مشواره الفني، وأن هناك عدداً من الفنانين يستحقون التكريم أكثر منه.


«ومع ذلك»... لوحات تعبُر فوق الجراح

يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)
يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)
TT

«ومع ذلك»... لوحات تعبُر فوق الجراح

يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)
يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)

في خضمّ التحدّيات التي تُثقل كاهل لبنان، يطلّ معرض «ومع ذلك» (Nevertheless) مثل مساحة ضوء تشقّ العتمة، وتلامس الجراح برهافة. لا يأتي صاخباً ولا يحتفي بنفسه، بل ينساب بهدوء، كأنه فعل نجاة صامت. يجمع المعرض نخبة من الفنانين الذين تنبض أعمالهم بقلق المرحلة وهشاشتها، فتتشكّل لوحاتهم مثل مرآة لواقع متقلّب، ونافذة على مكان آخر للحياة. ومن دون إعلان أو ضجيج، يفتح أبوابه لأعمالٍ تصمد في وجه الانقطاعات والتوترات وزمن مثقل بالظلال. هنا، لا تكون اللوحة مجرّد تعبير بصري، بل تتحوَّل إلى فعل بقاء، وتحيّة خفيّة لكلّ مَن لا يزال، رغم كل شيء، يبحث عن بصيص أمل.

ليلى داغر والطبيعة بذاكرة مجروحة (غاليري «آرت أون 56»)

يضمّ المعرض أعمالاً لكلٍّ من هيبات بلعة بواب، وجورج باسيل، ووسام بيضون، وزهير دباغ، ومنصور الحبري، وليلى داغر، وغيرهم. وتنبض غالبيتها بلبنان بكلّ تناقضاته، فتروي حكايته في أيّامه الحلوة والمرّة، في انكساراته وصموده، في فوضاه وحنينه، وفي ذاكرته المثقلة بما كان وما لا يزال. فلا يُقدَّم الوطن على هيئة صورة واحدة، بل حالة متعدّدة الوجوه، تتنازعها الظلال والضوء، ويُعيد الفنّ صياغتها بلغة أكثر عمقاً وصدقاً.

افتُتح المعرض مع أوائل شهر أبريل (نيسان) الحالي، ولم يُقفل أبوابه خلال الحرب، في غاليري «آرت أون 56» بمنطقة الجمّيزة.

وتقول منظِّمة الحدث وصاحبة المكان، نهى محرّم، لـ«الشرق الأوسط»: «أنا حالمة ومتفائلة بطبعي، وأعتز بكوني أتمسّك دائماً بالرجاء كي أستمر وأبقى. وكانت للغاليري روزنامة معارض كثيفة ننوي إدراجها في الموسم الأخير من السنة وقبل بداية الصيف، فجاءت الحرب لتنسف برنامجنا. لم ندرِ ماذا نفعل، وكيف يجب أن تكون خطوتنا المقبلة بعد إلغاء مواعيد معارضنا». وتتابع: «ألغينا معارض لشهرين مقبلين، لكننا رفضنا أن نقفل أبواب الغاليري. وقررنا أن نفتتح معرضاً يرتبط ارتباطاً مباشراً بالحالة التي نعيشها. ومن دون ضجيج فعلنا ذلك، ولاقينا الحماسة عند عدد لا يُستهان به من الفنانين التشكيليين. فانطلقنا في رحلة مليئة بالأمل، وأطلقنا على المعرض عنوان (مع ذلك)، للإشارة إلى استمرارية نتطلّع إليها».

لوحة غادة جمال التي تُضمّد فيها جراح لبنان (غاليري «آرت أون 56»)

من اللوحات التي تلفتك في المعرض، واحدة لغادة جمال تحكي عن لبنان الجريح والمضمَّد، تستخدم فيها تقنية «الميكسد ميديا» على الخشب. وتوضح نهى محرّم: «هذه اللوحة رسمتها الفنانة قبل سنوات، وأرادتها مثل جسر تمدّه بين لبنان الجريح وذاك الذي على طريق الشفاء. وقد اخترنا عرضها انطلاقاً من ذكرى اندلاع الحرب في لبنان في 13 أبريل 1975. وكانت غادة قد نفّذتها إثر انتهاء الحرب في لبنان».

وتجسّد اللوحة رؤيتها للبنان المتعافي، حيث توظّف مواد متنوّعة تنسج من خلالها طبقات متراكمة، كأنها تختزن مراحل قاسية مرَّ بها البلد. وتدرج ضمادات من الشاشّ الطبي داخل العمل، في إشارة مباشرة إلى جراحه المفتوحة ومحاولات تضميدها. لا تكتفي الفنانة بتوثيق الألم، بل تنخرط في فعل ترميم رمزي، فتُغلّف العواصف والدمار بطبقات من العناية، وتفتح، من قلب المعاناة، أفقاً لبداية مسار جديد نحو الشفاء.

أما لوحة ليلى داغر، التي تُعرض للمرة الأولى، فتأخذنا إلى مراحل من لبنان. تبدو لوهلة مثل مشهد طبيعي مُعاد تركيبه بذاكرة مجروحة. وتتراكم العناصر فيها ضمن تقنية «الكولاج»، فتتداخل القصاصات اللونية كما لو أنها شظايا أرض أُعيد جمعها. تمتدّ طبقات من الأزرق في الأعلى، توحي بسماء مثقلة أو أفق ملبّد، بينما تتدرّج في الوسط ألوان ترابية دافئة من البرتقالي والأحمر. ونلمس الأمل من خلال كثافة الخضرة بأشكال غير منتظمة، فتشكّل إشارات للحياة رغم كلّ شيء، في توازن بين الألوان الباردة والدافئة. هنا تتجاور القسوة مع لمسات من الطمأنينة، ويظلّ الأفق مفتوحاً على احتمال ترميم مقبل.

بدوره، يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة بالأبيض والأسود والأكريليك، للتركيز على ملامحها بعيداً عن الزينة والبهرجة. ونرى مجموعة شبان تتحلَّق حول الحلبة، حيث يتصارع عليها شخصان يضعان قفازات ملاكمة في يديهما. أحدهما يستريح، محاطاً بأجساد تتقاطع حركاتها ونظراتها نحوه، مما يوحي بالحصار أو الاحتدام. الوجوه شبه مطموسة، بلا ملامح دقيقة، ممّا يمنحها طابعاً إنسانياً عاماً. الفرشاة واضحة وخشنة، تضيف الإحساس بالقلق وعدم الاستقرار، فيما تتكسَّر الخطوط وتتشابك الأجساد في تكوين ديناميكي يقترب من الفوضى المنظَّمة.

مع لوحة هيبات بلعة بواب، بتقنيتَي «الميكسد ميديا» و«الكولاج»، ننتقل إلى مشهد لبناني نابض بالحنين، حيث تتجاور اللمّة العائلية مع سحر الطبيعة الخلابة، كأن المكان يحتفظ بذاكرة دفء مهدّد بالزوال. وجوه ساكنة وأجساد تتحرّك تحت ثقل الأيام، وألوان زاهية تمدّ شخصيات اللوحة بالطمأنينة في ظل واقع قاسٍ. فلا تبدو مجرد شخصيات عابرة، بل كائنات تبحث بصمت عن منفذ صغير إلى الخلاص.

في معرض «ومع ذلك»، يحضر لبنان بكلّ تناقضاته: المتألم، والجريح، والصامد في آنٍ واحد. بلد يُعرض لا بكونه صورة مكتملة، بل حالة شعورية مفتوحة على الشوق والخذلان والأمل. الزائر لا يكتفي بالمشاهدة، بل يدخل في رحلة وجدانية نحو لبنان آخر أكثر صدقاً.

وتلفت نهى محرّم إلى أنّ جمهور المعرض جاء من مختلف الأعمار، كأنّ الحاجة إلى الفنّ هنا تتجاوز الذائقة لتصبح ضرورة نفسية. وتقول: «كانوا يقصدون المعرض بدافع الرجاء، وسعداء بوجود هذه المساحة في قلب العاصمة. كثيرون وجدوا فيه متنفساً يبعدهم عن أجواء الحرب، وانسحاباً مؤقتاً من ثقل الواقع. كأن الأعمال الفنية تعيد إليهم شيئاً من القوة التي بدأت تتآكل بفعل الظروف».


رحيل منى القصبي... رائدة السريالية السعودية ومؤسسة «بيت التشكيليين»

الفنانة الراحلة منى القصبي (معهد مسك للفنون)
الفنانة الراحلة منى القصبي (معهد مسك للفنون)
TT

رحيل منى القصبي... رائدة السريالية السعودية ومؤسسة «بيت التشكيليين»

الفنانة الراحلة منى القصبي (معهد مسك للفنون)
الفنانة الراحلة منى القصبي (معهد مسك للفنون)

ودّعت الأوساط الثقافية والفنية في السعودية، مساء الأحد، الفنانة منى عبد الله عثمان القصبي، التي رحلت بعد مسيرة إبداعية حافلة وضعتها في مصافّ الرائدات اللواتي أسهمن في تشكيل المشهد الفني السعودي.

وتُعد الفنانة منى القصبي من رموز الفن التشكيلي التعبيري في السعودية، وتولّت مهمة افتتاح أول مركز تشكيلي في السعودية، احتضنته مدينة جدة، والذي أسهم في دعم الفنون التشكيلية من خلال المعارض والدورات التدريبية، وبرحيلها تفقد الساحة الفنية مؤسسة ثقافية بذلت وقتها وطاقتها في رعاية الفن ودعم أجيال من المبدعين.

وُلدت منى القصبي بمدينة جدة، ونشأت في كنف بيئة ثقافية رصينة؛ فهي ابنة أحد رواد الصحافة السعودية عبد الله القصبي، واختارت مبكراً اللون والريشة وسيلة للتعبير، وانحازت لموهبتها التشكيلية طوال مسيرة حياتها. وتلقّت القصبي تعليمها الجامعي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة (قسم الأدب الإنجليزي)، وكان شغفها الفني المُحرك الأساسي لمسيرتها، بدعم وتشجيع من والدها الذي هيأ لها سُبل صقل مهارتها ليصبح لاحقاً اسمها مهماً في مشهد الفن السعودي.

لوحة «عبق» للفنانة القصبي في مدخل المركز السعودي للفنون التشكيلية بجدة (حساب الفنانة على «إكس»)

شريان للفن في «عروس البحر»

في عام 1408هـ، وفي قلب مدينة جدة، أطلقت القصبي مشروعها الأبرز «المركز السعودي للفنون التشكيلية»، الذي تجاوز وظيفته من مجرد صالة للعرض إلى كونه أول مركز متخصص يفتح أبوابه للنساء والرجال، ويقدم برامج تعليمية ودورات تدريبية صهرت مواهب أسماء باتت، اليوم، من نجوم الصف الأول في الساحة الفنية.

ونظّم المركز السعودي للفنون التشكيلية، منذ إنشائه، مجموعة من الدورات الفنية التي يجري من خلالها رعـاية وتنمية كثير من المواهب الفنية للأطفال أو الكبار على حد سواء، بالإضافة إلى الدور الذي يقوم به لتفعيل الحركة التشكيلية في مدينة جدة، من خلال إقامة المعارض الفنية والندوات التشكيلية. وقد شهد المركز ولادة عدد من الطاقات الفنية التي شقّت طريقها في المجال.

وعلى مدار عقود، استضاف المركز أكثر من 200 معرض تشكيلي، ولم يقتصر على التجارب المحلية، بل كان نافذة أطلّ منها الفنانون العرب والأجانب على الجمهور السعودي، مما خلق حالة من المثاقفة البصرية أسهمت في إنضاج التجربة التشكيلية المحلية.

لوحة «بسيمة» من أعمال الفنانة الراحلة منى القصبي (حساب الفنانة على «إكس»)

مدرسة التعبيرية والسريالية

فنياً، عُرفت القصبي بأسلوبها التعبيري الذي يمزج بين الواقعية والخيال السريالي، وشاركت في أكثر من 100 معرض جماعي، إضافة إلى 4 معارض شخصية عكست فلسفتها الخاصة، كان آخِرها في يناير (كانون الثاني) 2022 بعنوان «حنين»، وضم عدداً من اللوحات ذات القيمة الفنية والثقافية.

وجابت لوحات القصبي عواصم الفن من باريس إلى القاهرة، ومن المغرب إلى اليمن، حاصدةً دروع التكريم وشهادات التقدير الدولية.

من أعمال الفنانة الراحلة منى القصبي (حساب الفنانة على «إكس»)

وفي عام 2019، تُوّجت مسيرتها بتكريمٍ من «معهد مسك للفنون» بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، ضِمن قائمة النخبة الذين أسهموا في إثراء الحركة التشكيلية السعودية، في لفتةِ وفاء لمسيرةٍ امتدت لعقود من العطاء. ويرى نقاد وفنانون أن تأثير منى القصبي يتجاوز حدود اللوحة، فقد آمنت بأن الفن وسيلة للتغيير الاجتماعي وإثراء التجربة الإنسانية، وبرحيلها يغلق «المركز السعودي للفنون التشكيلية» فصلاً من فصول التأسيس، لكنه يفتح فصولاً من الوفاء لفنانةٍ جعلت بيتها ومراسمها منارةً لكل باحث عن الإبداع والعطاء الفني.