أطعمة صديقة للبيئة وأثاث غير مريح يثيران الانتقادات في القرية الأولمبية بباريس

شكاوى من قلة تقديم اللحوم وعدم استخدام أجهزة تكييف الهواء

المستشار الألماني أولاف شولتز تناول الطعام مع فريق بلاده في القرية الأولمبية بباريس (أ.ف.ب)
المستشار الألماني أولاف شولتز تناول الطعام مع فريق بلاده في القرية الأولمبية بباريس (أ.ف.ب)
TT

أطعمة صديقة للبيئة وأثاث غير مريح يثيران الانتقادات في القرية الأولمبية بباريس

المستشار الألماني أولاف شولتز تناول الطعام مع فريق بلاده في القرية الأولمبية بباريس (أ.ف.ب)
المستشار الألماني أولاف شولتز تناول الطعام مع فريق بلاده في القرية الأولمبية بباريس (أ.ف.ب)

للطعام الفرنسي سمعة شهية تخطت الحواجز والثقافات، ولذلك عندما يشتكي الرياضيون المشاركون في أولمبياد باريس من مستوى الطعام، يصبح الأمر مثاراً للتعجب. فعلى الرغم من الوعود التي أطلقتها فرنسا بتقديم أشهى الأطعمة التي تشتهر بها في القرية الأولمبية في باريس أثناء الألعاب، أبدى كثير من الرياضيين عدم رضاهم عن جودة الطعام، وعبروا عن توقهم لمزيد من اللحوم في قوائم الطعام الصديقة للبيئة بحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان رئيس اللجنة المنظمة للألعاب توني إستانغيه أكد خلال تجربة تشغيلية في مطعم القرية الأولمبية في يونيو (حزيران)، أن باريس 2024 تهدف إلى خفض متوسط انبعاثات الكربون لكل وجبة إلى النصف، مقارنة بالألعاب الأولمبية السابقة في طوكيو (2021) من خلال جعل 50 في المائة من الأطباق نباتية.

وعدت اللجنة المنظمة بعدم خذلان زوار فرنسا، كما استعانت بعدد من الطهاة الحاصلين على نجمة ميشلان بوصفهم مستشارين للعمل جنباً إلى جنب مع الشركة الفرنسية «سوديكسو» المسؤولة عن تأمين الطعام.

وزير الدفاع المجري في أثناء زيارته لمطعم لقرية الاولمبية بباريس (أ.ف.ب)

لكن الأيام القليلة الأولى في القرية، الواقعة في ضواحي شمال باريس، شهدت طلباً على مزيد من اللحوم والبيض وكميات أكبر من الطعام، لما له من تأثير كبير على الرياضيين الساعين لتجديد طاقتهم بعد المسابقات الشاقة أو التمارين في الصالة الرياضية.

قالت نجمة الجمباز الأميركية سيمون بايلز إنها شعرت بخيبة أمل إزاء قاعة الطعام التي تتسع لـ3300 مقعد، وتضمّ ست مناطق مختلفة لتناول الطعام تقدّم وجبات من جميع أنحاء العالم، وأضافت: «ليس هو المطبخ الفرنسي الحقيقي مثل الذي تتناولونه أنتم، لأنكم خارج القرية».

ولم تشذ كلمات هيزلي ريفيرا (16 عاماً) عن زميلتها في الفريق، إذ قالت: «أعتقد بالتأكيد أن الطعام الفرنسي جيد، ولكن ما نتناوله هناك لا أعتقد أنه الأفضل. ولكنه يؤدي الغرض المطلوب».

من ناحيته، وصف العداء الإيطالي مارسيل جاكوبس، حامل الذهبية الأولمبية لسباق 100م القرية بأنها «لطيفة، أما الطعام فلا»، بينما اتفقت الجامايكية شيريكا جاكسون، بطلة العالم مرتين في سباق 200م، معه قائلة: «الطعام ليس جيداً... لا نملك مطبخاً فرنسياً مناسباً في القرية».

وخلال زيارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» للمجمّع الصاخب هذا الأسبوع، قال كثير من الرياضيين إنهم واجهوا صعوبات في البداية مع قوائم الطعام، حيث كان هناك 50 طبقاً نباتياً متاحاً كل يوم بنسبة 100 في المائة.

أما السّباح خوليو هوريجو من هندوراس فقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين عندما سُئل عن الحياة في القرية: «المشكلة الوحيدة هي نقص الغذاء. إنه أمر مفاجئ بعض الشيء»، مؤكداً أنه يأكل ما يصل إلى 5 آلاف سعرة حرارية يومياً، وأنه وصل لتناول الإفطار صباح الأحد ليجد أنه لم يتبقَ سوى البيض.

وقال عند مدخل القرية التي تعجّ بالنشاط وتتّسع لنحو 10 آلاف و500 رياضي في نحو 40 برجاً منخفض الارتفاع: «إذا وصلت متأخراً قليلاً فلن يكون هناك ما يكفي» لتناول الطعام.

أعطى لاعب التجديف الروماني يوليان كيلارو إجابة واضحة عندما سُئل عما إذا كان هناك شيء مفقود: «اللحوم»، وأضاف: «لم يكن لدينا ما يكفي من اللحوم، لكن المشكلة تم حلّها الآن». أما السّباح الألماني لوكاس ماتسيرات (24 عاماً) فقال إن حجم الحصص الغذائية المقدمة للرياضيين لم تكن كبيرة، وإن الوضع تحسن كثيراً. وأضاف: «حجم الحصص الغذائية آخذ في الازدياد أيضاً».

وبدورها، قالت لاعبة الكرة الطائرة الشاطئية الكندية صوفي بوكوفيتش وهي تغادر المجمع: «نستمتع بالخضراوات، لذا فإن الأمر لا يمثل مشكلة. بعض الرياضيين يأكلون اللحوم بشراهة. وهم يحاولون إيجاد حلّ لهذه المشكلة. هناك بروتين، عليك فقط أن تعرف أين تجده».

شكاوى على «تيك توك»

وسارع الرياضيون إلى بث شكاواهم عبر مواقع التواصل، وخصوصا موقع «تيك توك»، فنشرت الرياضية الأميركية راتشيل غلين مقطعاً لها وهي تتناول طبقاً من المعكرونة في مطعم القرية الأولمبية مع إضافة عبارة «ساعدوني!»، بحسب مجلة «فوربس». أم لاعبة ألعاب القوى الأميركية رافن سوندرز التي تتنافس في دفع الجلة ورمي القرص، فنشرت مقطع فيديو على «تيك توك» في قاعة الطعام مع صوت يقول: «لقد خيبت أملي»، بينما تحمل قطعة من الطعام أمام الكاميرا - ولم يتمكن المعلقون من معرفة ما يفترض أن يكون الطعام. ونشرت إميليا تشاتفيلد، لاعبة ألعاب القوى التي تمثل هايتي، مقطع فيديو على «تيك توك» تمنح طعام قاعة الطعام تقييماً تقريبياً 0 - 10. ووصفته بأنه «مقزز»، لكنها اعترفت بأنه يمكن أن يكون 2 - 10 «في بعض الأيام». في مراجعة أكثر تبايناً، قالت السباحة السنغافورية كواه جينج وين إن نكهة بعض الطعام الذي حصلت عليه، وخاصة طبق السلمون الفرنسي ويلينغتون «فاجأتها»، لكنها أضافت أن الطعام يفتقر دائماً إلى الملح. وبالمثل، قالت لاعبة الجمباز الفلبينية ألياه فينيجان إن الطعام لم يكن سيئاً، لكنه لم يكن متبلاً بدرجة كافية.

سارع الرياضيون إلى بث شكاواهم عبر مواقع التواصل خصوصاً موقع «تيك توك»

وقد انتقدت لاعبات فريق الجمباز النسائي الأميركي عروض قاعة الطعام بعد أن سألهن أحد المراسلين عما إذا كن يستمتعن بالمطبخ الفرنسي. قالت سيمون بايلز للصحافيين: «لا أعتقد أننا نتناول مطبخاً فرنسياً لائقاً في القرية كما قد تأكلون لأنكم خارج القرية». وقالت هيزلي ريفيرا، أصغر عضو في فريق الجمباز: «لا أعتقد أنه جيد جداً، على الأقل ما نتناوله في قاعة الطعام». قال أحد الرياضيين البريطانيين، الذي تحدث دون الكشف عن هويته لصحيفة «ذا تايمز» البريطانية، إن «الطعام يمثل تحدياً في الوقت الحالي»، مشيراً إلى أن قاعات الطعام أكثر فوضوية وأقل تنظيماً مما كانت عليه في أولمبياد طوكيو 2020.

ومن جانب فريق بريطانيا، فقد اضطر المسؤولون إلى استقدام طاه للمساعدة في إعداد وجبات الطعام للاعبيه في نزل للأداء في كليشي بعد تقديم وجبات مخيبة للآمال، وتقنين الأطعمة الغنية بالبروتين داخل القرية الأولمبية؛ بحسب تقرير لصحيفة «الإندبندنت». وقد ألقى منظمو تقديم الطعام باللوم على مشاكل التوريد في انخفاض مستوى الطعام، حيث قالت الشركة المسؤولة عن تقديم الطعام، إنها زادت الطلب اليومي على كثير من أكثر العناصر شعبية بعد الشكاوى التي وردت عشية الألعاب.

على النار

أما شركة «سوديكسو» المسؤولة عن تأمين الطعام، فعلقت أنها عدّلت قوائم الطعام التي تقدمّها، وأضافت المتحدّثة باسم المجموعة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان الطلب على البيض واللحوم المشوية مرتفعاً، لذا زادت الكميات بشكل كبير. ومنذ عدّة أيام أصبحت الكميات المعروضة متماشية مع الطلب».

لا يشكّل الطعام النباتي الفارق الوحيد في القرية الباريسية مقارنة بالنسخ السابقة، ما دفع بعض المنتقدين إلى الصراخ بصوت عال «استيقظوا».

بُنيت القرية الأولمبية التي ستتحوّل بعد نهاية الألعاب إلى شقق، من دون أجهزة لتكييف الهواء، وبدلاً من ذلك تحتوي على نظام تبريد وتدفئة حراري متجدّد تحت الأرضية.

وقد اختارت بعض الفرق مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وفرنسا تركيب مبرّدات محمولة للاعبيها، لكنّ فرقاً أخرى لم تقم بذلك، حيث تجاوزت درجات الحرارة الثلاثاء والأربعاء 30 درجة مئوية مع ارتفاع نسبة الرطوبة.

عكست لاعبة الكرة الطائرة الشاطئية الإيطالية مارتا مينيغاتي ما تعانيه، قائلة: «أعاني من الطقس الحار، ولكن حتى الآن كنت أنام جيداً باستخدام مروحة فقط. لكن المكيّف سيكون أفضل للتعافي».

أسرّة من الورق المقوّى

وإلى جانب نقص أجهزة التكييف وجد آخرون صعوبة في التكيّف مع الأسرّة المبتكرة المصنوعة في اليابان والمستخدمة في القرية، والتي صُنعت قواعدها من الورق المقوّى، وصنعت المراتب من البلاستيك المعاد تدويره بما في ذلك شبكات صيد السمك، ما دفع البعض إلى المزاح في الماضي بأنها مصممة لمنع الرياضيين من القفز بين الأغطية.

وفي حديث مع «وكالة الصحافة الفرنسية» قالت لاعبة كرة اليد الإسبانية ليزا تشابتشيت: «سريري صلب للغاية، إنه ليس الأفضل»، وهي الكلمات التي ردّدتها المبارزة البولندية مارتينا فساتوفسكا - فينغلارتشيك.

وجد البعض صعوبة في التكيّف مع الأسرّة المبتكرة المصنوعة في اليابان والمستخدمة في القرية والتي صُنعت قواعدها من الورق المقوّى (أ.ف.ب)

وأعرب آخرون عن حماسهم للجهود التي تبذلها اللجنة المنظمة لأولمبياد باريس 2024 لتحقيق مزيد من الاستدامة، بما في ذلك خفض الانبعاثات، والتأكد من إمكانية إعادة تدوير جميع المعدات، بما في ذلك الأسرّة، أو إعادة استخدامها بعد ذلك.

وقال السبّاح الدنماركي سيغن برو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أستمتع بهذا المكان وأنا مُعجب بما فعلوه في القرية. إنه يؤدي وظيفته الآن، ولكن من الرائع أن نعرف نحن الرياضيين كيف سيتم استخدامه في المستقبل، وأنه تم بناؤه بطريقة مستدامة».

وختم قائلاً: «يمكنك أن تضحك على الأسرّة، ولكن من الجيد أن تعرف أنه لن يتبقى لديك 10 آلاف سرير في النهاية».


مقالات ذات صلة

أولمبياد لوس أنجليس 2028: بيع 4 ملايين تذكرة في الطرح الأول

رياضة عالمية المنظمون قالوا إن التذاكر بيعت في 85 دولة وفي جميع الولايات الأميركية الخمسين (أ.ب)

أولمبياد لوس أنجليس 2028: بيع 4 ملايين تذكرة في الطرح الأول

أعلن منظمو دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجليس 2028، الخميس، أنهم باعوا أكثر من أربعة ملايين تذكرة في الطرح الأول هذا الشهر، وهو مؤشر مبكر على الطلب القوي.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية سيقام الملعب المؤقت في بومونا بجنوب كاليفورنيا (أ.ب)

انطلاق أعمال البناء في ملعب الكريكيت لأولمبياد لوس أنجليس 2028

أعلن المجلس الدولي للكريكيت، أمس (الأربعاء)، انطلاق أعمال البناء في ملعب الكريكيت الذي سيستخدم خلال دورة الألعاب الأولمبية لوس أنجليس 2028.

رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية القرار يشكل انقساماً متصاعداً داخل أوساط السباحة الدولية (الاتحاد النرويجي للسباحة)

النرويج تنضم إلى بولندا في رفض استضافة سبّاحي روسيا

قال كاتو براتباك، رئيس «الاتحاد النرويجي للسباحة»، إن الاتحاد لن يستضيف أي بطولات دولية ما دام «الاتحاد الدولي للألعاب المائية» يسمح للاعبين الروس بالمشاركة.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
رياضة عالمية إدي نكيتيا (رويترز)

العداء السريع نكيتيا يعزز طموحات أستراليا في المسافات القصيرة

بعد أسبوع واحد فقط من استيعاب الأستراليين أداء العداء جوت جوت المذهل في سباق 200 متر في البطولة الوطنية لألعاب القوى.

«الشرق الأوسط» (ملبورن )

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.