«منطقة الفاو الأثرية» كنز الحضارات القديمة إلى واجهة العالم الثقافية

ثامن المواقع السعودية في قائمة التراث العالمي

عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)
عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)
TT

«منطقة الفاو الأثرية» كنز الحضارات القديمة إلى واجهة العالم الثقافية

عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)
عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)

الزمان القرن الثالث قبل الميلاد، المكان على حافة الربع الخالي، منطقة ناهضة بأسواقها التي يعلو منها دويّ المتسوقين وضجيج الحركة الذي يخترق سكون الصحراء التي تحيط بالمكان وتلفه بنعومة، مدينة حيوية تضجّ بالحياة وعامرة بالمساكن والحوانيت التي تعرض بضائع التجار والمسافرين بينها وبين الممالك المختلفة في الجزيرة العربية.

«فجوة في جبل»، هو الوصف التضاريسي لما تُسمى «الفاو» وهي المنطقة التاريخية التي تربعت على طريق التجارة القديمة، التي كانت تُعرف بطريق نجران-الجرفاء، وتربط جنوب شبه الجزيرة العربية بشمالها الشرقي، وفيها تلتقي قوافل التجار، للاستراحة والاتجار بالبضائع القادمة عبر القوافل من ممالك سبأ، ومعين، وقتبان، وحضرموت، وحمير إلى نجران، ومنها إلى قرية الفاو، ثم إلى الأفلاج، فاليمامة، ثم تتجه شرقاً إلى الخليج وشمالاً إلى وادي الرافدين وبلاد الشام.

كانت هذه المكانة الأثيرة للمنطقة، بطابعها التجاري وكونها نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية، مؤهلاً لتطور الفاو من محطة مرور قوافل صغيرة إلى مركز تجاري وديني وحضري مهم في وسط الجزيرة العربية، وقد اتخذها ملوك كندة العربية عاصمة لملكهم لـ8 قرون، منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع للميلاد، قبل أن يغادروها ويتخذوا من شمال الجزيرة العربية مركزاً لحكمهم. وقد تتبّع القدْرُ الميسورُ من الحفريات الأثرية التي اكتُشفت، مسيرةَ تطور المدينة، وطرفاً من سيرتها، حيث صمدت في وجه الهجمات والاعتداءات المختلفة من محيطها الذي يتذبذب بين الضعف والقوة، لا سيما في أواخر القرن الثاني الميلادي.

كانت مدينة حيوية تضجّ بالحياة وعامرة بالمساكن والحوانيت التي تعرض بضائع التجار والمسافرين منها وإليها (واس)

أقدم اكتشاف أثري عربي في السعودية

وهبت قرية الفاو، سرّها لعالم الآثار والمؤرخ السعودي عبد الرحمن الأنصاري، الذي توفي في مارس (آذار) 2023 بعد أن قضى أكثر من عقدين في البحث والتنقيب بهذه المنطقة، حيث قاد أستاذ الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض، فريقاً من الباحثين لإجراء أعمال التنقيب في منطقة الفاو جنوب الجزيرة العربية، بين عامَي 1972 و1995.

وتمكّن الأنصاري وفريقه من إعادة اكتشاف منطقة الفاو الأثرية، وأشرف على أعمال التنقيب فيها طوال المدة التي تزيد على عقدين، بعد أن ارتفعت التوقعات بشأن ما يختزنه المكان من ثروة آثارية، تنبأت بها الزيارات الاستكشافية التي قام بها عديد من علماء الآثار الأجانب، وبعض العاملين في شركة «أرامكو السعودية»، منذ الأربعينات، قبل أن ينبري لها الأنصاري وفريقه، للبدء في عمل تاريخي رصين أسفر عن استكشاف ما يعدّ من أهم المواقع الأثرية في شبه الجزيرة العربية، ويمثّل تجسيداً متكاملاً للمدن العربية قبل الإسلام.

كانت المنطقة نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية (واس)

ثلاث حضارات متعاقبة

واصلت السعودية جهود استكشاف الموقع الأثري، وأسفرت تلك الجهود عن مكتشفات أثرية تروي قصص 3 حضارات تعاقبت في منطقة الفاو، وكانت المنطقة السكنية التي تضمّ منازل وساحات وشوارع وسوقاً، وبقايا المواضع التي تُخزّن فيها الحبوب وأفران الخبز، والمنطقة المقدسة المكونة من معابد ومقابر، من أوائل ما اكتُشف في المكان، بالإضافة إلى النقوش التي تنتشر في عدد من الواجهات ضمن نطاق القرية، مثل تلك التي تظهر في شرق المدينة، حيث يستقر جبل كبير يزخر بكهوف ونقوش صخرية، وبقايا معبد بُني من الحجارة، وما تبقى من مائدة لتقديم القرابين، بجانب عديد من النقوش التعبدية المنتشرة في المكان.

كما عُثر في الموقع على عدد من التماثيل البرونزية والنماذج، وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي، وضريح الملك معاوية المبني على شكل هرم مدرج صغير، وأضرحة النبلاء وعلية القوم. وفي 27 يوليو (تموز) 2022 أعلنت هيئة التراث السعودية نجاح فريق علمي سعودي وخبراء دوليين في التوصل إلى كشف جديد عن منطقة لمزاولة شعائر العبادة لسكان منطقة الفاو في الواجهة الصخرية لأطراف جبال طويق المعروفة باسم «خشم قرية» إلى الشرق من موقع الفاو الأثري.

تتبّع القدْرُ الميسورُ من الحفريات الأثرية التي اكتُشفت مسيرةَ تطور المدينة وطرفاً من سيرتها (واس)

إلى واجهة العالم الثقافية

في أقل من عام من انضمام محمية «عروق بني معارض» إلى «قائمة اليونيسكو للتراث العالمي»، نجحت السعودية في تسجيل الواجهة الثقافية لمنطقة الفاو الأثرية في القائمة الدولية، لتصبح ثامن موقع سعودي ينضم إلى القائمة اعترافاً بقيمته الاستثنائية بوصفه جوهرةً حضاريةً وآثاريةً ثمينةً.

وتعكس هذه الوتيرة المتسارعة لتسجيل المواقع الأثرية، ما تتمتع به السعودية من حيوية في تحقيق خطوات مهمة في القطاع الثقافي، منذ أطلقت «رؤية 2030» عوامل العمل على أسس جديدة. وفتحت هذه الاكتشافات في إطار الرؤية، أبواب المملكة على العالم، ورحّبت بالزوار من شتى بقاع الأرض، بوصفها وجهةً سياحيةً عالميةً؛ للوقوف من كثب على ما أنجزته البلاد من مبادرات في مجالات الآثار، والثقافة، والتعليم والفنون؛ للحفاظ على تراث المملكة الغني وجمالها الطبيعي، انطلاقاً من موقعها الجغرافي المتميز في قلب العالمَين العربي والإسلامي.


مقالات ذات صلة

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

يوميات الشرق بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الشرق الأوسط)

ولي العهد السعودي والرئيس الروسي يبحثان التطورات إقليمياً ودولياً

بحث الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء، عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

تشديد سعودي - مصري على أهمية احتواء التوتر في المنطقة

شدَّدت السعودية ومصر على «أهمية احتواء التوتر ومنع اتساع دائرة التصعيد في المنطقة»، عبر تكثيف الجهود الرامية إلى تحقيق التهدئة، وتغليب المسارات السياسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
عالم الاعمال من اليمين محمد شاهين رئيس «شنايدر إلكتريك» في السعودية وباكستان واليمن والبحرين وثامر الغفيص مدير الاستثمارات في الطاقة ووليد شيطا رئيس «الشرق الأوسط وأفريقيا» في «شنايدر إلكتريك»

«شنايدر إلكتريك» تطلق أكاديمية إقليمية لتقنيات الطاقة من السعودية

أعلنت شركة «شنايدر إلكتريك» عن إطلاق «أكاديمية تقنيات الطاقة للشرق الأوسط وأفريقيا»، وهي منصة إقليمية مختصة بتأهيل وتطوير المهارات ونقل المعرفة ومقرها السعودية.

الاقتصاد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال منتدى الاستثمار السعودي - التركي في الرياض (الشرق الأوسط) play-circle 01:07

الفالح: الاستثمارات التركية في السعودية تتجاوز ملياري دولار

أكد وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح، أن الاستثمارات التركية في المملكة تجاوزت مليارَي دولار، بينما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 8 مليارات دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)
بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)
TT

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)
بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد بن عبد العزيز آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات في المؤسسات الإعلامية القطرية.

وكان في استقبال الشيخ حمد بن عبد العزيز والوفد المرافق لدى وصولهم إلى مقر المجموعة، جمانا الراشد الرئيس التنفيذي لـ«SRMG»، وعدد من القيادات التنفيذية.

جمانا الراشد الرئيسة التنفيذية لـ«الأبحاث والإعلام» لدى استقبالها الشيخ حمد بن عبد العزيز والوفد المرافق لدى وصولهم إلى مقر المجموعة (SRMG)

وشملت الزيارة جولةً على عدد من منصات المجموعة، بينها مكتبَا صحيفة «الشرق الأوسط»، و«مانجا العربية»، حيث استمع الوفد إلى شرح حول طبيعة أعمالها ومنتجاتها وإسهاماتها في صناعة المحتوى الإبداعي.

كما اطلع الضيوف على أبرز التطورات التي تشهدها المجموعة السعودية للأبحاث والاعلام في إطار خططها الاستراتيجية وتطوير المحتوى، بما يشمل تحديث المنصات الإعلامية، وتعزيز إنتاج المحتوى، وتبني أحدث التقنيات في مجال صناعة المحتوى.

غسان شربل يُطلع الوفد القطري على جانب من أرشيف «الشرق الأوسط» بحضور صالح الدويس وناصر الحقباني (SRMG)

وبحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي، وأكدا حرصهما على تعزيز العلاقات الإعلامية وتطويرها لما يخدم المشهد الإعلامي والمهني في المنطقة.

Your Premium trial has ended


وسام حنّا يعزز حضور «أكرم من مين» في رمضان

وسام حنا في موسم رمضاني جديد مع برنامج «إل بي سي آي» (إل بي سي آي)
وسام حنا في موسم رمضاني جديد مع برنامج «إل بي سي آي» (إل بي سي آي)
TT

وسام حنّا يعزز حضور «أكرم من مين» في رمضان

وسام حنا في موسم رمضاني جديد مع برنامج «إل بي سي آي» (إل بي سي آي)
وسام حنا في موسم رمضاني جديد مع برنامج «إل بي سي آي» (إل بي سي آي)

استطاع الممثل وسام حنّا أن يرسّخ حضوره في شهر رمضان من كل عام من خلال برنامج الألعاب والجوائز «أكرم من مين» على شاشة «إل بي سي آي» (LBCI)، ما جعله من الوجوه المرتبطة بهذا الموسم التلفزيوني، بعد أن أثبت كفاءة واضحة في تقديم برامج الترفيه والربح.

وانطلاقاً من ذلك، تعتمد المحطة المذكورة عليه في موسم يشهد منافسة بين محطات التلفزة على استقطاب أكبر عدد من المشاهدين؛ إذ خصّصت لبرنامجه ميزانية ملحوظة انعكست على قيمة الجوائز المادية المقدّمة للمشاركين، إضافة إلى تنفيذ الشارة الغنائية الخاصة بـ«أكرم من مين».

حفظ متابعو البرنامج شارة موسمه الأول «أنا المعلّم»، تلتها شارة «أكرم من مين» في موسمه الثاني. وفي موسمه الثالث، يُطلّ البرنامج بشارة غنائية جديدة كتب كلماتها وسام حنّا نفسه، وتتكرّر فيها عبارة «Money Money».

يقدّم في كليب البرنامج إطلالة جديدة (إل بي سي آي)

وكانت محطة «إل بي سي آي» قد دعت أهل الصحافة إلى موقع تصوير كليب البرنامج في مركز المعارض «فوروم دي بيروت»، حيث اطّلعوا عن قرب على مراحل تنفيذ العمل. وسترافق الأغنية مشاهدي «أكرم من مين» طوال شهر رمضان. وهي من إنتاج ميشلين شحّود، وألحان كارل أسمر، ويشارك فيها حنّا إلى جانب الفنانة بلقيس ضمن لوحات استعراضية راقصة. أما الكليب، فحمل توقيع المخرج بيار خضرا، وقد خُصِّص له فريق عمل كبير وإمكانات إنتاجية لافتة.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يوضح وسام حنّا أن مشاركة فنانة عربية في غناء شارة برنامج ألعاب تُعدّ خطوة غير مألوفة، مشيراً إلى أنها تجربة مختلفة عن الشارات الدرامية المعتادة. ويضيف أن هذه المشاركة تحمل بُعداً رمزياً يتناسب مع أجواء شهر رمضان، خصوصاً أن البرنامج يقوم على تقديم فرص ربح للمشاركين. ويرى أن هذه الخطوة تعكس الموقع الذي بات يحتلّه «أكرم من مين» ضمن خريطة البرامج الرمضانية، بعدما تجاوز النظرة إليه كبرنامج ترفيهي فقط.

ويُشير حنّا إلى أن الميزانية التي تخصّصها «إل بي سي آي» لإنتاج البرنامج كبيرة، وتغطي مختلف تفاصيله، من تصوير الشارة إلى كلفة الجوائز والهدايا. ويعبِّر عن تقديره لدعم المحطة وثقتها به، ويرى أن هذا الدعم ساهم في استمرار البرنامج وتطوّره.

يرى في تقديمه برامج التسلية ما يروي شغفه الفني (إل بي سي آي)

ويلاحظ المتابع لمسيرته الفنية تراجعه نسبياً عن العمل الدرامي في مقابل تركيزه على برامج التسلية والألعاب. وفي هذا السياق، يوضح حنّا أن الأمر مرتبط بضيق الوقت، لا بابتعاد نهائي عن التمثيل، مؤكداً أنه لا يمانع العودة إلى الدراما إذا عُرض عليه دور يتناسب مع طموحاته الفنية الحالية.

وعن النجومية التي يحققها من خلال «أكرم من مين»، يصفها بأنها مختلفة عن نجومية التمثيل، كونها تقوم على تواصل يومي ومباشر مع الناس. ويقول إن هذا القرب من الجمهور شكَّل تجربة غير متوقعة بالنسبة إليه، ويحرص على الحفاظ عليها.

ويختم حنّا بالإشارة إلى أن لكل مجال فني خصوصيته، ويؤكد أنه في مجال الدراما هناك من يسبقه بنجوميته وبخبراته؛ ولكن في مجال تقديم برامج الألعاب والجوائز يرى أنه الأكثر تميزاً. «قد يكون هناك شخص ثانٍ ينافسني وليس ثالثاً، فقلة هم الأشخاص الذين يستطيعون منافستي في ملعبي هذا».


المنتدى السعودي للإعلام يكاشف واقع القطاع في المنطقة العربية وتطلعاته للتأثير

سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)
سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)
TT

المنتدى السعودي للإعلام يكاشف واقع القطاع في المنطقة العربية وتطلعاته للتأثير

سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)
سلّط دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» (واس)

ألقى دبلوماسيون وخبراء في الصناعة الإعلامية الضوء على معالم «القوة الناعمة» وكيفية استثمارها في بناء سمعة الدول وتشكيل وعي الشعوب تجاه القضايا الدولية المعاصرة، وقدموا في جلسات متعددة، خلال ثاني أيام المنتدى السعودي للإعلام، مكاشفة صريحة عن واقع قطاع الإعلام في المنطقة العربية، ومتطلبات نهوضه للوفاء باستحقاقات المرحلة وبلوغ تأثيره الآفاق الدولية.

وناقشت جلسات وورشات اليوم الثاني من المنتدى السعودي للإعلام الذي عُقد في الرياض تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل»، محاور عدة تنوعت بين دور صحافة المواطن في صناعة مشهد الأخبار، وتحديات مواكبة البنية التحتية الرقمية لتحولات صناعة المحتوى، وآليات صناعة القصص الصحافية النوعية في ظل زخم التقنيات الإعلامية واتجاهات المحتوى المتعددة.

ثاني أيام المنتدى السعودي للإعلام في مكاشفة صريحة عن واقع قطاع الإعلام بالمنطقة العربية (واس)

مواجهة الأخبار المزيفة والتضليل

ناقشت جلسة «دبلوماسية التأثير... الإعلام وتشكيل الصورة» دور الإعلام في صناعة الصورة الذهنية وتعزيز القوة الناعمة للدول، بمشاركة عدد من السفراء المعتمَدين لدى السعودية.

وقال ضياء الدين بامخرمة، سفير جيبوتي وعميد السلك الدبلوماسي لدى السعودية، إن الدبلوماسية شهدت تطوراً كبيراً انتقلت معه من إطارها التقليدي إلى الدبلوماسية العامة، مؤكداً أن «القوة الناعمة» باتت أداة رئيسة للدول للتعريف بنفسها وخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية.

وأوضح بامخرمة أن السعودية تقدم نموذجاً بارزاً في دبلوماسية التأثير عبر تنظيم المنتديات الدولية، والاستثمار في الثقافة والرياضة، ولا سيما كرة القدم، التي أسهمت في إيصال الحضور السعودي إلى مختلف أنحاء العالم.

وأكد بامخرمة أن نجاح «دبلوماسية التأثير» يعتمد بشكل جوهري على فهم عقلية المتلقي وثقافته؛ لضمان إيصال السردية بالشكل الصحيح وتحقيق الأثر المطلوب، مشدداً على أن نجاح الخطاب الإعلامي والدبلوماسي مرهون بالسردية الواضحة والصادقة، وأنها هي وحدها القادرة على خلق تأثير واقعي وبناء ثقة متينة بين المرسل والمتلقي، مما يجعل خطاب السياسي مفهوماً ومقبولاً.

وأضاف بامخرمة: «في ظل تقارب العالم وتحوله إلى قرية صغيرة، تسقط السرديات الكاذبة والمزيفة سريعاً، ولا يمكن لها الصمود أمام تدفق المعلومات والحقائق»، وعَدَّ أن الإعلام الرقمي، اليوم، جعل كشف الزيف أسرع، وأن السردية الصادقة وحدها هي القادرة على التأثير وبناء علاقة مستدامة مع الرأي العام.

جلسات متعددة خلال ثاني أيام المنتدى السعودي للإعلام (واس)

من جانبه، أكَّد خافيير كارباجوسا سانشيز، سفير مملكة إسبانيا لدى السعودية، أن العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية علاقة تاريخية، وأصبحت أكثر تعقيداً وتأثيراً في عصر الاتصالات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، مبيناً أن الإعلام لم يكن يوماً مجرد ناقل، بل فاعل ومؤثر، مشيراً إلى أن العمل السياسي لا يمكن فصله عن إدارة الحضور الإعلامي.

بدوره، أكَّد الدكتور سهيل إعجاز خان، سفير الهند لدى السعودية، أن بناء الصورة الذهنية وصناعة الانطباع يمثلان جوهر الدبلوماسية العامة والثقافية، موضحاً أن إيصال الرسالة الصحيحة إلى الجمهور المناسب هو مفتاح التأثير، وأن الفن والمطبخ الوطني يعدان من الأدوات الفعالة للقوة الناعمة.

وقال السفير الهندي إن الدبلوماسية الثقافية تعتمد على تفعيل أدوات القوة الناعمة مثل الفنون والموسيقى والمطبخ لتعزيز التواصل الإنساني المباشر وبناء الجسور بين الشعوب، مؤكداً أن الجالية الهندية في المملكة وثقافة السينما والمطبخ تسهم في بناء الصورة الذهنية وتعزيز الشراكات بفاعلية وتأثير قد يفوق أحياناً الجهود الرسمية المباشرة للسفارة.

وفي مواجهة الأخبار المزيفة والتضليل في الفضاء الرقمي، قال السفير سهيل إعجاز خان إن الاستجابة تتطلب دبلوماسية تتسم بالسرعة والصدق والمباشرة لتقديم الحقائق قبل انتشار الشائعات.

من جانبه أوضح موغوبو ديفيد موغابي، سفير جنوب أفريقيا لدى السعودية، أن الاحترام المتبادل والحوار يشكلان ركيزة أساسية للعمل الدبلوماسي، مشيراً إلى أن التحديين الرئيسين اللذين يواجهان الدبلوماسية، اليوم، يتمثلان في انتشار المعلومات المضللة، وتسارع إيقاع الإعلام الحديث، مقارنة بطبيعة العمل الدبلوماسي القائم على التدرج وبناء العلاقات طويلة الأمد.

اليوم الثاني من المنتدى السعودي للإعلام الذي عُقد بالرياض تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل» (واس)

مكاشفة الإعلام العربي

وفي جلسة حوارية لمكاشفة الإعلام العربي ومتطلبات توسيع تأثيره عالمياً، قال الصحافي السعودي جميل الذيابي إن الإعلام المحلي العربي موجَّه في الأغلب إلى الداخل، وتعمل من وراءه عقلية تخاطب الداخل ولا تفكر كثيراً في النطاق العالمي، مشيراً إلى أن الإعلام في المنطقة العربية يتسم بحالة من الانفعالية، وأن العقلية العربية متفاوتة في النظر إلى المحتوى الإعلامي والتعامل معه.

وحثّ الذيابي إعلام المنطقة العربية على مواكبة المرحلة، وأضاف: «ينبغي على الإعلام المواكبة، بعد تحقيقه، خلال السنوات الأخيرة، تأثيراً لافتاً، حيث بدأت الوكالات الأجنبية تنقل عنه باستمرار، لكن موثوقيته لدى الرأي العام العربي لا تزال محدودة ومتأثرة بنوعية الإعلام بين القادم من الخارج والنابع من داخل الحدود».

المعرض المصاحب للمنتدى بمشاركة عارضين من دول العالم (واس)

من جهته قال الكاتب الصحافي مأمون فندي إن القصة التي تكتب في العالم العربي يُنظر إليها في العالم انطلاقاً من موقعها أو طبيعتها، مشيراً إلى أن العالم يضع معاييره الخاصة بالمصداقية والدقة والمصدرية، ثم يقوم بتطبيقها على ما يصله من العالم العربي.

وتابع أن هناك غياباً للوسيلة التي تحقق وصول المعلومة والخبر الدقيق من المنطقة العربية إلى العالم، مشيراً إلى أن العالم، اليوم، يعيش في زمن الشبكات المعقدة، وأن الوسائل الإعلامية والعربية منها ينبغي أن تتموضع ضمن هذه الشبكات.

وختم فندي: «يستطيع العالم العربي أن تكون لديه قصة صحافية خاصة، تبدأ تياراً من التأثير، وذلك من خلال القصة الخاصة والسبْق الفريد»، مُبدياً أسفه على أن أغلب المؤسسات والهيئات العربية الرسمية تُفضل أن تختار وسيلة أجنبية لتمرير أخبارها والوصول بها إلى العالم.