«كفأرٍ يركض على عجلة»... 15 عادة تؤدي للإفراط في التفكير

ما هو التفكير المُفرط
ما هو التفكير المُفرط
TT

«كفأرٍ يركض على عجلة»... 15 عادة تؤدي للإفراط في التفكير

ما هو التفكير المُفرط
ما هو التفكير المُفرط

هل شعرت يوماً بأن عقلك عبارة عن فأر يركض على عجلة، ولا يتوقف أبداً للراحة؟ التفكير المفرط يشبه هذه الحالة.

ووفق تقرير لموقع «باور أوف بوزتيفيتي»، فإن التفكير المفرط حلقة مستمرة ومرهقة من الأفكار التي لا يبدو أنها تؤدي إلى أي مكان. إنها عادة يمكن أن تستنزف الطاقة، وتؤثر في الصحة العقلية، وتمنع المفرطين في التفكير من العيش في الحاضر.

بدايةً... ما التفكير المفرط؟

وفق التقرير، التفكير المفرط هو عندما تفكر في شيء كثيراً أو لفترة طويلة جداً. إنه مختلف عن التفكير الإنتاجي، إذ قد تحلل موقفاً لإيجاد حل. والأشخاص الذين لديهم تفكير مفرط يعيدون تشغيل الأحداث الماضية، ويقلقون بشأن المستقبل من دون التوصل إلى أي استنتاج. ويمكن لذلك أن يشل حركتهم؛ مما يجعل من الصعب اتخاذ القرار أو المضي قدماً في حياتهم.

وأشار التقرير إلى أن إدراك الشخص أنه يفكر كثيراً، هو الخطوة الأولى من خلال تحديد العادات التي تؤدي إلى الإفراط في التفكير، يمكّنه من تغيير أنماط وإزالة الفوضى الذهنية.

وعدّد التقرير الأسباب التي تؤدي إلى الإفراط في التفكير وفق التالي:

1- التسويف

التسويف عادة تؤدي غالباً إلى الإفراط في التفكير، فعندما يؤجل المفرطون في التفكير المهام فإنها تظل في العقل، مما يخلق شعوراً بالخوف والقلق.

على سبيل المثال، إذا كان لديك مشروع كبير مستحق، فإن التسويف يمكن أن يؤدي بك إلى الإفراط في التفكير في التفاصيل كلها، مما يجعل المهمة تبدو أكثر صعوبة.

لمكافحة ذلك، حاول تقسيم المهام إلى خطوات أصغر وأكثر قابلية للإدارة. حدد مواعيد نهائية لكل خطوة، ثم كافئ نفسك لإكمالها. يمكنك المساعدة في تقليل الشعور بالإرهاق والحفاظ على أفكارك مركزة ومنتجة.

2-الكمال

الكمال عدو التقدم وسبب كبير للإفراط في التفكير. عندما تسعى إلى الكمال، فإنك تضع لنفسك معايير عالية غير واقعية. ويصبح كل خطأ بمثابة كارثة في عقلك، مما يؤدي إلى النقد الذاتي المستمر والشك. وقد يجعلك هذا مهووساً بالتفاصيل وإعادة تشغيل الأحداث، متسائلاً كيف كان بإمكانك القيام بالأشياء بشكل مختلف.

تخيّل قضاء ساعات في مراجعة تقرير لأنك تريد أن يكون خالياً من العيوب، فقط لتشكك في كل كلمة. للتغلب على الكمال، ذكّر نفسك بأن لا أحد مثالياً، وأن ارتكاب الأخطاء جزء من التعلُّم والنمو. ركز على بذل قصارى جهدك بدلاً من تحقيق الكمال، واسمح لنفسك بأن تكون إنساناً.

3- قلة النوم

النوم ضروري لصحة الدماغ والتنظيم العاطفي. عندما لا تحصل على قسط كافٍ من النوم، تضعف قدرة دماغك على معالجة المعلومات وإدارة العواطف. يمكن أن يؤدي هذا إلى زيادة القلق والإفراط في التفكير، حيث يكافح عقلك لفهم الأشياء.

يمكن أن تجعلك ليلة دون نوم مستيقظاً، تعيد تشغيل المحادثات، أو تقلق بشأن المستقبل.

4- الحديث السلبي مع النفس

الحديث السلبي مع النفس عادة ضارة تغذي التفكير المفرط. عندما تنتقد نفسك باستمرار، فإنك تخلق بيئة ذهنية مليئة بالشك والسلبية. يمكن أن يؤدي هذا إلى التفكير المفرط في عيوبك وإخفاقاتك المتصورة.

على سبيل المثال، إذا ارتكبت خطأ في العمل، فقد يؤدي الحديث السلبي مع النفس إلى التفكير فيه لأيام، والتشكيك في كفاءتك وقيمتك.

أظهر التعاطف مع النفس لمكافحة الحديث السلبي مع النفس. وعامل نفسك باللطف نفسه والتفهم الذي تقدمه لصديق.

5- المقارنة الاجتماعية

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، من السهل مقارنة نفسك بالآخرين. إن رؤية أبرز ما في حياة الآخرين قد تجعلك تشعر بالنقص، وتؤدي إلى الإفراط في التفكير بإنجازاتك وعيوبك.

قد تتساءل لماذا لا تكون ناجحاً أو سعيداً مثل الأشخاص الذين تراهم عبر الإنترنت. تذكّر أن وسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما تُظهر الجوانب الإيجابية فقط في حياة الأشخاص.

ركّز على رحلتك وحدد أهدافاً شخصية ذات مغزى بالنسبة لك. حدد وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي إذا وجدت أنها محفزة، وذكّر نفسك بأن مسار كل شخص مختلف.

6- التردد

يمكن أن يكون التردد مصدراً مهماً للإفراط في التفكير. عندما تتجنب اتخاذ القرارات، فإنك تخلق شداً وجذباً ذهنياً، وتزن باستمرار الإيجابيات والسلبيات من دون التوصل إلى استنتاج. يمكن أن يكون هذا مرهقاً ويمنعك من المضي قدماً.

على سبيل المثال، إذا كنت تحاول الاختيار بين عرضين لوظيفتين، فقد تفكر كثيراً في كل التفاصيل، وتقلق بشأن اتخاذ الاختيار الخاطئ. للتغلب على التردد، حدد موعداً نهائياً لاتخاذ القرار وجمع كل المعلومات. ثق بغريزتك وتذكر أن أي قرار ليس مثالياً.

7- طلب القبول الدائم

قد يؤدي طلب الموافقة من الآخرين إلى الإفراط في التفكير في كيفية تصور الآخرين لك، وما إذا كنت تلبي توقعاتهم. قد يشكك الأشخاص المفرطون في التفكير في أفعالهم وقراراتهم، مما يؤدي إلى التحليل العقلي المستمر.

قد تعيد تشغيل المحادثات، متسائلاً عمّا إذا كنت قد قلت شيئاً صحيحاً أو ما إذا كان الناس يحبونك. للتخلص من هذه العادة، ركز على التحقق من صحة الذات. افهم أن آراء الآخرين لا تحدد قيمتك. كن صادقاً مع نفسك وقيمك، واطلب ردود الفعل من الأفراد الموثوق بهم بدلاً من محاولة إرضاء الجميع.

8- جدول زمني مثقل

قد يؤدي وجود كثير من الالتزامات إلى إرهاق عقلك، والإفراط في التفكير في كيفية إدارة وقتك ومسؤولياتك. عندما يكون جدولك الزمني مثقلاً، فمن السهل أن تشعر بالتوتر والقلق، وتفكر باستمرار فيما يجب عليك القيام به بعد ذلك.

لإدارة ذلك، حدد أولويات المهام، وتعلم أن تقول «لا» عند الضرورة. فوّض المسؤوليات عندما يكون ذلك ممكناً وتأكد من جدولة وقت للراحة.

9- الشعور بالضغائن

يؤدي التمسك بالأذى والضغائن الماضية إلى المشاعر السلبية. ويمكن أن يبقي ذلك عقلك عالقاً في الماضي، ويعيد تشغيل الأحداث والمحادثات التي تسببت لك في الألم.

للتخلص من الضغائن، قم بممارسة التسامح. هذا لا يعني التسامح مع السلوك الضار. بدلاً من ذلك، يعني تحرير نفسك من عبء الغضب والاستياء. فكر في الدروس التي تعلمتها وركز على المضي قدماً. يمكن أن يجلب التسامح السلام إلى عقلك، ويقلل من الميل إلى الإفراط في التفكير في الأحداث الماضية.

10- تعدد المهام

في حين أن تعدد المهام قد يبدو طريقةً فعالةً لإنجاز الأمور، إلا أنه في الواقع قد يؤدي إلى الإفراط في التفكير. عندما تحاول التوفيق بين مهام متعددة، يصبح عقلك مشتتاً، مما يجعل من الصعب التركيز وإكمال أي مهمة بشكل فعال.

بدلاً من تعدد المهام، مارس مهمة واحدة. ركز على مهمة واحدة في كل مرة وامنحها انتباهك الكامل.

11- الإفراط في استخدام وسائل التواصل

يمكن أن يؤدي الإفراط في متابعة الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة تحميل عقلك بالمعلومات، مما يؤدي إلى الإفراط في التفكير في الأحداث والقضايا التي قد لا تؤثر فيك بشكل مباشر. يمكن أن يؤدي التدفق المستمر للمعلومات إلى خلق القلق ويجعل من الصعب إيقاف أفكارك.

12- تجاهل العناية بالنفس

يمكن أن يؤدي إهمال العناية الذاتية إلى زيادة التوتر وجعلك أكثر عرضة للإفراط في التفكير. عندما لا تأخذ وقتاً للعناية بنفسك، فإن صحتك العقلية والجسدية تعاني، مما يؤدي إلى حلقة من الأفكار السلبية والقلق.

دمج ممارسات العناية الذاتية في روتينك اليومي. حاول ممارسة الرياضة والتأمل والهوايات وقضاء الوقت مع عائلتك. إن إعطاء الأولوية للعناية الذاتية يمكن أن يساعدك على أن تصبح متوازناً ومرناً، مما يجعل إدارة أفكارك وعواطفك أسهل.

13- عدم التعامل مع الصدمات

يمكن أن تطفو الصدمات الماضية التي لم تتم معالجتها على السطح على شكل تفكير مفرط. يمكن أن تخلق الصدمة غير المحلولة حالة مستمرة من اليقظة المفرطة والقلق، مما يجعل من الصعب التحكم في أفكارك.

إذا كنت قد تعرضت لصدمة، ففكر في طلب المساعدة المهنية من معالج أو مستشار.

14- الخوف من الفشل

قد يشل الخوف من الفشل حركتك ويؤدي إلى التفكير المفرط في القرارات والأفعال. وغالباً ما يخشى المفرطون في التفكير ارتكاب الأخطاء.

للتغلب على هذا الخوف، احتضن الفشل بوصفه فرصةً للتعلم. افهم أن الجميع يرتكبون أخطاءً. ومع ذلك، فإن الفشل جزء طبيعي من النمو.

15- عدم وضع حدود

عدم وضع حدود شخصية واضحة يمكن أن يؤدي إلى تحمل الكثير، والتفكير المفرط في كيفية إدارة المطالب المختلفة. دون حدود، من السهل أن تغمرك وتشعر بالمسؤولية عن أشياء ليست تحت سيطرتك.

ضع الحدود، وتواصل بها بوضوح مع الآخرين. تدرب على قول «لا» وإعطاء الأولوية لرفاهيتك.


مقالات ذات صلة

كم راتبك... كيف تجيب عن أكثر الأسئلة حساسية؟

يوميات الشرق من حق أي شخص أن يتردد أو يرفض الإفصاح عن راتبه بحسب الخبراء (بكسلز)

كم راتبك... كيف تجيب عن أكثر الأسئلة حساسية؟

بين من يرى السؤال عن الراتب أمراً طبيعياً، ومن يعتبره تعدياً على الخصوصية، يثار الجدل حول حدود اللياقة الاجتماعية في هذا الملف.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك إكتشف العلاقة بين النوم وبناء العادات الصحية (بكسلز)

قبل أي شيء... حسّن نومك أولاً لبناء عادات تدوم

فهل يمكن أن تكون اضطرابات النوم السبب الحقيقي وراء فشل محاولاتك لتغيير نمط حياتك؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تشير الدراسات إلى أن العلاقة بين البكاء وتحسين المزاج ليست مباشرة أو فورية بل تعتمد بشكل كبير على السبب (بيكسلز)

ما علاقة البكاء بتحسين المزاج؟

على الرغم من الاعتقاد الشائع بأن البكاء يخفف التوتر ويحسن المزاج، فإن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذه العلاقة أكثر تعقيداً مما يبدو.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يُعدّ الانضباط الذاتي من أهم المهارات التي تساعد الطفل على تنظيم سلوكه والتحكم في اندفاعاته (بيكسباي)

6 مهارات أساسية تسهم في بناء شخصية الطفل

تتطلب تنشئة الأطفال في عالم سريع التغيّر اليوم التركيز على تنمية مجموعة من المهارات الأساسية التي تساعدهم على التكيّف مع التحديات الحديثة وبناء شخصية متوازنة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك تلعب هرمونات السعادة دوراً محورياً في تنظيم المزاج والحالة النفسية (بكسلز)

«هرمونات السعادة» الأربعة... كيف تنشطها لتحسين مزاجك وحياتك؟

هل لاحظت شعورك الجيد بعد ممارسة الرياضة، أو التعرض للشمس، أو معانقة شخص تحبه؟ هذا ما يُعرف بـ«هرمونات السعادة» في الجسم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».