نجوم التسعينات في مصر أشعلوا الذاكرة وأبهجوا بيروت

حفل ضخم قلَّب المواجع وحرَّك رائحة الأيام الحلوة

نجوم الأغنية المصرية في التسعينات غنّوا روائع الذاكرة (الشرق الأوسط)
نجوم الأغنية المصرية في التسعينات غنّوا روائع الذاكرة (الشرق الأوسط)
TT

نجوم التسعينات في مصر أشعلوا الذاكرة وأبهجوا بيروت

نجوم الأغنية المصرية في التسعينات غنّوا روائع الذاكرة (الشرق الأوسط)
نجوم الأغنية المصرية في التسعينات غنّوا روائع الذاكرة (الشرق الأوسط)

سبقت جَمعة نجوم أغنيات التسعين في مصر، استعادة لما يؤكد أنّ الجوّ سيشتعل. كانت الشمس تغرق في الأفق، عاكسةً ظلالاً خافتة على واجهة بيروت البحرية، حين شغَّل «دي جي» الأمسية ما يُذكّر بالماضي. ترافق امتلاء المدرّجات مع «ماكاباي» من اليونان، و«لفّي بينا يا دنيا» من مصر. وبين «قلبي عشقها» وموسيقى زياد الرحباني، عبَرَت «إدّتهم كلّ حاجة وهمَّ استغنوا عنّي». التاسعة والربع ليل الخميس بدأ الحفل وامتدّ إلى ما بعد الأولى والربع من يوم الجمعة. 4 ساعات من تقليب المواجع واستعادة الأيام الحلوة.

أطلَّ حسام حسني لتلمع في البال «كلّ البنات بتحبّك» (الشرق الأوسط)

نجوم الأغنية المصرية في التسعينات، حسام حسني وحميد الشاعري ومحمد فؤاد وهشام عباس وإيهاب توفيق، غنّوا روائع الذاكرة في حفل حضره الآلاف بتنظيم مُتقَن لـ«Velvet Productionz» والمتعهّد أحمد عيتاني. أكّدت الأمسية عودة الحياة إلى بيروت بعد الألم. المصفّقون والراقصون والمغنّون لما تخطّى الـ4 ساعات، يشاؤون استحالة موتها. ومثلهم الفنانون الأربعة، فقدَّروا مكانتها واحتفلوا بروح شعبها، وأطلق محمد فؤاد جديده أمام جمهورها الكبير.

4 ساعات من تقليب المواجع واستعادة الأيام الحلوة (الشرق الأوسط)

أطلَّ حسام حسني، لتلمع في البال «كلّ البنات بتحبّك، كلّ البنات حلوين». احتفظ بها حتى النهاية لإدراكه وَقْعها على المشتاقين. «يلا نفتكر الأيام الحلوة... جاهزين؟»، سأل، فأجابته الهيصة. ثمة جمرٌ تُهمده المراحل الناضجة، والأربعة الآتون من مصر يمتهنون مدَّه بما يُحرِق. ذلك جمرُ الذكريات. والمشاعر التي اتّقدت ذات زمن، فأحالها زمنٌ آخر على الخفوت. أجَّجت أغنيات الأمسية النوستالجيا المنسيّة. كانت «إيه الحلاوة دي» أكثر من مجرّد تعليق لحسام حسني على الصخب. ولمّا غنّى «أمونة» و«الدنيا حرّ والجوّ نار»، وبعدهما «تتجوّزيني»، تأكّدت الحلاوة. «لمّا شفتك حتى هاي ما قُلتلي/ أنا بحبّك وغيرك إنت نو بودي!». يقصد «لا أحد»، وللمصريين مهارة في اللمسة على الأغنية.

غنّى محمد فؤاد «الحب الحقيقي» ذاكرة الجيل (الشرق الأوسط)

حضور محمد فؤاد حرَّك طبقات الذاكرة، فصوته وأغنياته بهجة. بإمكان أغنية أن تسلخ متلقّيها من مكانه وتُسقِطه في أماكن أصبحت بعيدة. الأغنيات أحياناً ورطة. بأدائه «كمانانا»، ذكَّر بشكل الفرح حين كان أصدق. وبحُب «ناديا ولولو» والإعجاب البريء. قال للبنان إنه يعشقه ولناسه إنهم يستحقون الحياة. سعادته دفعته لتطويل فقرته، مُهملاً الإشارة إلى أوان دخول فنان آخر. وحماسته تسبَّبت بشيء من اختلال التوازن، فقدَّم حميد الشاعري الفقرة الأقصر. وفاء محمد فؤاد للبنان دفعه إلى تقديم أغنيات أمكن الاستغناء عنها، فقط لئلا يُغادر. هذا مُقدَّر، لولا أنّ 3 فنانين سواه ينتظرهم الآلاف في ليل حارّ ووقت بدأ يتقدّم، مُكرِّساً تعب الأجساد بفعل الجلوس والرطوبة.

مع ذلك، مُبهِر. في الخلفية شاشات عملاقة حرَّكت الدواخل باستعادتها صور الماضي: كاسيت وراديو و«ساكسفون» وديسكو؛ والأخير على اسم الحفل «ديسكو التسعينات». ولما بلغت المُغنّي أصوات نسائية تُطلق الحناجر، علَّق: «النساء يتقدّمن الرجال في المنزل والمطبخ وأيضاً الحفلات. أين الرجّالة؟». طلب سماع أصواتهم، لكنّ الغلبة بلون الزهر.

أطلق محمد فؤاد جديده أمام الجمهور اللبناني (الشرق الأوسط)

احتفظ بالروائع حتى النهاية: «كذاب مغرور»، «أنا لو حبيبك»، «فاكرك يا ناسيني»، و«الحب الحقيقي». الأخيرة ذاكرة جيل. غنّاها في أواخر التسعينات ولا تزال نابضة. مثل جميع المصريين أنَّث البلد: «لبنان ما بتموت»، فلقي حبّه الكبير أضعافَه بحرارة التصفيق وحفظ أرشيفه، بما يتعدّى أبناء التسعينات إلى مراهقي هذا العصر.

منح حميد الشاعري اللبنانيين بهجة (الشرق الأوسط)

أمكن أن يلقى حميد الشاعري مساحة أكثر إنصافاً، فلا يبدو أنه حضر ليغادر سريعاً. محترم في حرصه على شكر الموسيقيين ولطافة التفاعل. ارتدى ابتسامته تماماً مثل لباسه الأبيض، ومنح المسرح بهجة. ديو «لكان على الخاطر» مع هشام عباس، شكَّل نقلة. كان بعضٌ قد أوشك على الهمود لتقدُّم ساعات الليل، فألحقاه بمَن لا يأبهون سوى بالفرح. لا بالوقت ولا التعب ولا دوام العمل في اليوم التالي.

لافتٌ هشام عباس بامتلاكه أدوات المسرح (الشرق الأوسط)

لافتٌ هشام عباس بامتلاكه أدوات المسرح. يغنّي بِطاقة خاصة، ويُطلق رقصته الشهيرة بهزّ الكتفين وتحريك اليدين على طريقة «ناري نارين». غنّى روائعه: «بالحبّ هتاخدي عيني»، «بالليل تنام العيون»، «ليلة يا ليلة»، ووصل إلى «فينه» المُنتَظرة. الشاشة العملاقة تعرض مَشاهد من فيديو كليبات التسعينات لتأجيج الشوق، فتتأكّد الصلة العميقة بماضي الأشياء، وبكلّ قديم لا معنى لجديد من دونه.

كان الجميع في انتظار إيهاب توفيق نجم الذاكرة (الشرق الأوسط)

أجَّجت أغنيات الأمسية النوستالجيا المنسيّة (الشرق الأوسط)

الجميع في انتظار إيهاب توفيق، نجم الذاكرة. لم يغادر مُتعَبون لإدراكهم أنه مسك الختام. استقبله الآلاف بحرارة، لكأنه أطلق للتوّ رائعته «إزّي يعدّي يوم». تراءى حبٌّ كبير يحمله الجمهور اللبناني له، فردَّ بباقة بديعة من أرشيفه: «سحراني ليل ونهار»، «أكتر من كدة إيه»، «قلبي مش مرتحلو»، «ملهمش في الطيب»، «تترجّى فيي»، وتحفته «الله عليك يا سيدي». فرادة الحفل رفعته إلى بين الأهم هذا الصيف في لبنان. افتُقد فيه عزاء جراحنا ومُحاكي الآهات هاني شاكر.


مقالات ذات صلة

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

يوميات الشرق طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

عمّقت الزيادات المتتالية في أسعار حفلات نجوم الغناء «الفجوة الطبقية» بمصر مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)

نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

دعم عدد كبير من نجوم الفن المصريين والعرب المطرب هاني شاكر برسائل مؤثرة في ظل الساعات الحرجة التي يمر بها حالياً بعد تدهور حالته الصحية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج بفرنسا.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.