«شعاع الشمس»... دفقات فنية تحضّ على الإبداع

معرض مصري يضم 35 لوحة لـ20 فناناً

لوحة للفنان عمر عبد الظاهر في المعرض (إدارة الغاليري)
لوحة للفنان عمر عبد الظاهر في المعرض (إدارة الغاليري)
TT

«شعاع الشمس»... دفقات فنية تحضّ على الإبداع

لوحة للفنان عمر عبد الظاهر في المعرض (إدارة الغاليري)
لوحة للفنان عمر عبد الظاهر في المعرض (إدارة الغاليري)

بأفكار فنية تجمع بين الخيوط المشتركة التي تحرّك نسيج الثقافة المصرية والمجتمع والحياة، يقيم غاليري «سفر خان» في القاهرة معرضه الصيفي السنوي لعام 2024 بعنوان «شعاع الشمس»، وذلك بمشاركة 20 فناناً ينتمون لمدارس وأجيال مختلفة.

يتميّز المعرض بمفهوم «الالتقاء المزدوج»؛ حيث تلتقي الأفكار الغنية مع الأساليب والوسائط المتنوعة للفن المعاصر من جهة، ومن جهة أخرى يحتفي هذا الالتقاء الناجم عن تجارب وخبرات إبداعية مميزة، حسب منى سعيد مديرة الغاليري.

عفوية المعالجة الفنية وزخم الدّلالات النفسية في عمل لأحمد جعفري (إدارة الغاليري)

وتربط منى سعيد بين دفقة أشعة الشمس التي نستمتع بها بعد برد الشتاء، وبين الطاقات التي تولد داخل الفنانين والتي تحفّز بدورها على الإبداع والإنتاج الفنيين، انطلاقاً من أنه «إذا كانت الشمس وثيقة الارتباط بالإضاءة الطبيعية فإنها كذلك تكشف الحقائق المتشابكة واللامعة داخل النفس الإنسانية».

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «يفسح هذا المعرض الذي يضمّ نحو 35 عملاً، المجال لمجموعة متنوعة من الفنانين البارزين لتقديم أعمالهم عبر الوسائط والموضوعات المختلفة، إضافة إلى مجموعة من الأسماء الشابة الطموحة الذين نهدف إلى منح أعمالهم فرصة لتواصل الجمهور وتفاعلهم معها».

لوحة الفنان إبراهيم خطاب (إدارة الغاليري)

تتجذّر إحدى اللوحتين اللتين يشارك بهما الفنان إبراهيم خطاب في المعرض بالتاريخ، وذلك استناداً إلى اعتزازه بعراقة الحضارات التي شهدتها بلاده، فحملت هذه اللوحة مشهداً درامياً متعدّد الشخوص والحيوانات والعناصر، حيث جمع فيها ما بين الواقع والخيال.

في حين يحتفي العمل الآخر لـ«خطاب» بالذاكرة الجماعية لسكان الأحياء القديمة، وفيه استعان بقصّاصات الصحف القديمة، فضلاً عن الملصقات الإعلانية والدعاية الانتخابية المتناثرة في شوارع المناطق الشعبية المصرية بعد أن أزالها من حوائط البنايات أو جمعها من الأرض، ليعبر من خلال هذه الأوراق متعددة الطبقات عن مشاعر السكان وثقافتهم.

ومن خلال تجريد هذه الطبقات الزمنية في لوحاته القماشية المعالجة كيميائياً يكشف عن الروايات الخفية والعلامات الزائلة التي خلّفها عدد لا يحصى من الأفراد، ويُعد هذا الاكتشاف انعكاساً عميقاً لمرور الوقت والتأثير العابر والدائم للوجود البشري، وفق إبراهيم خطاب.

وتعكس اللوحة التي تشارك بها الفنانة الشابة فاطمة عمران، ميلها للدمج بين الشخوص والحيوانات والنصوص الفارسية، مع استخدام تقنية التركيب والتشريح الدقيق للحيوانات؛ إذ يصور هذا العمل الفني، المستوحى من المنمنمات الإسلامية، حصانين متعارضين، يحمل كلٌ منهما عدداً من الأفراد المزينين بالعمامات، ويشير النص المكتوب بالفارسية إلى «إنما الإنسان أثر فانظر ما أنت تارك خلفَك».

لوحة للفنانة فاطمة عمران (إدارة الغاليري)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «أرمز من خلال العمائم التي ترتفع في السماء إلى الأفكار والأحلام، التي تتجاوز العالم المادي؛ ذلك أن تجاور الشخصيات الثابتة والعمامات المحمولة جواً يجسد الطبيعة العابرة للوجود الإنساني، والإرث الدائم لمساهماتنا الفكرية والثقافية؛ ما يدعو إلى التأمل في اللحظة الزائلة التي نعيشها، والأثر الدائم لأعمالنا على الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة».

جانب من معرض «شعاع الشمس» في غاليري «سفر خان»

يلتقي المشاهد على مسطح لوحات الفنان أحمد فريد بمساحات من الجمال والسلام والتأملات التجريدية المقترنة بالخطوط القوية والظلال المتباعدة والألوان المتعددة المتدفقة بسخاء لا سيما اللونين الأحمر والأزرق، وهو أحد الفنانين الذين يحرص الغاليري على وجودهم في المعرض الصيفي سنوياً؛ ومن المعروف أنه سجّل حضوراً في ساحات عالمية؛ ومن ذلك بيع بعض لوحاته في «دار كريستيز للمزادات»، ومنها لوحة «متروبوليس» عام 2017، ولوحة «نهر الصمت» عام 2018، فضلاً عن «الفوضى الحضرية» عام 2019.

ويضمّ المعرض كذلك عملين من التماثيل النصفية البرونزية للنّحات الأرمني السكندري المولد، سركيس توسونيان، باللون الأخضر الفيروزي مع لمسات ذهبية لامعة، ولوحة من الرسم بالنسيج للفنانة نعمة السنهوري، في حين تطلّ الفنانتان كاثرين باخوم، وتسنيم المشد، بحضور مميّز عبر أعمالهما الزاخرة بالمنمنمات المتناقضة في الأسلوب والمضمون.

لوحة للفنان عمر عبد الظاهر في المعرض (إدارة الغاليري)

وفي حين ينقل عمر عبد الظاهر المتلقي إلى قلب الريف وتفاصيل الحياة الهادئة البسيطة من خلال لوحاته، فإن اللوحة التركيبية لمحمد حسين تُؤكّد تأثره بنشأته في الفيوم، حيث يتنقل ما بين المناظر الطبيعية ومظاهر البيئة المصرية التي صاغها بتكوينات لونية ترابية.

ويلتقي زائر المعرض ببناء تشكيلي محكم من خلال أعمال أحمد جعفري، وهو بناء يقوم على عفوية المعالجة الفنية وزخم الدّلالات النفسية والوجدانية وجرأة المساحات اللونية، فضلاً عن رصانة أسلوب كريم عبد الملك، واحتفاء ياسمين حسن بالصّبار، وأحمد يسري بدفء البيوت، وتجسيد رنا شلبي للدراويش، وصلاح بطرس للأسواق التاريخية.


مقالات ذات صلة

« لغز مصر» يبرز الحياة اليومية لسكان «المحروسة» في قلب باريس

يوميات الشرق نقل محمد كمال بعدسته صور من مدن مختلفة (تصوير: محمد كمال)

« لغز مصر» يبرز الحياة اليومية لسكان «المحروسة» في قلب باريس

يضم المعرض 22 صورة التقطها كمال وهواري لمختلف المدن المصرية موزعة اليوم في مركز «كاروسيل اللوفر» للتسوق بالقرب من المتحف الفرنسي الشهير.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان أرمن أجوب (كريم كادل)

أرمن أجوب لتمثيل مصر في «بينالي البندقية 2026»

يُقدّم معرض الفنان في الجناح المصري تصوراً للفن بوصفه مساحة للصمت والإصغاء والتأمل، ويدعو الزوار للتأمل في تحولات عالمهم الداخلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض...

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى…

«الشرق الأوسط» (جدة)

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.