سيلين ديون... متيبّسة وجاحظة العينين أمام الكاميرا

خيانة الصوت والجسد في وثائقيّ مبلّل بدموع الفنانة العالمية

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال إحدى نوبات «متلازمة الشخص المتيبّس»... (أمازون برايم)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال إحدى نوبات «متلازمة الشخص المتيبّس»... (أمازون برايم)
TT

سيلين ديون... متيبّسة وجاحظة العينين أمام الكاميرا

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال إحدى نوبات «متلازمة الشخص المتيبّس»... (أمازون برايم)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال إحدى نوبات «متلازمة الشخص المتيبّس»... (أمازون برايم)

ليس من السهل على أسطورة مثل سيلين ديون أن تظهر أمام الكاميرا متيبّسة الأطراف جاحظة العينَين، قابعةً تحت وطأة إحدى نوبات مرضها النادر. لكنّ النجمة الكنديّة العالميّة ارتضت أن تكشف عن الآلام والهشاشة والانكسار على الملأ، أمام عيون الملايين، على منصة «أمازون برايم» في وثائقيّ بعنوان «I Am: Celine Dion (أنا: سيلين ديون)».

يتفرّد الوثائقي؛ الذي أخرجته إيرين تايلور وانطلق عرضه قبل يومين، بمعاينةٍ عن قُرب لجلجلة ديون مع «متلازمة الشخص المتيبّس». تُرافقها الكاميرا في جلسات إعادة التأهيل الفيزيائيّ، وتوثّق تفاصيل النوبات؛ بما يتخلّلها من أنين، وتَجمُّد مفاجئ لأعضاء الجسد، وارتجاف في الفم، وغيبوبة مخيفة، وتدخّل للفريق الطبّي المُسعف، ونقلٍ على الحمّالة إلى المستشفى.

يحذّر الوثائقي في بدايته من قساوة المقاطع المرتبطة بوضع ديون الصحّي، إلا إنّها تقتصر على مشهدَين في مطلع الفيلم وفي ختامه. في المقابل، تُفرَد المساحة الكبرى للمعاناة النفسية ولدموع الفنانة.

إنه تلفزيون الواقع بأصدق حلّة. يتابع المُشاهد كواليس يوميات ديون من دون تجميل ولا إعادة تمثيل. بوجهٍ أرهقه المرض وهجرته المساحيق، تُطلّ محبوبة الجماهير لتتحدّث بعفويّة وحرقة عمّا قاسته خلال السنوات الثلاث الماضية؛ وما زالت، منذ تشخيصها بالمتلازمة النادرة.

يدخل فريق التصوير إلى كل حجرة في المنزل، حيث ألقى المرض بظلاله الكثيفة. هنا تتكدّس «حناجير الأدوية» التي تقرّ ديون بأنها تتناول كمياتٍ هائلة منها يومياً للتخفيف من أوجاعها، إلى درجة أنها كادت تدمنها. وهناك زاويةٌ معتمة تقبع فيها كلّما شعرت بأنها لا تقوى على الحراك؛ أين هي من أضواء المسارح التي يستعيدها الوثائقيّ بكثافة من خلال مقاطع أرشيفيّة من الحفلات والاستعراضات.

ملصق وثائقي «أنا: سيلين ديون»... (أمازون برايم)

«أحلم بأن أصير نجمة عالميّة وبأن أغنّي طيلة حياتي»، عبارة بريئة تُطلقها سيلين ديون المراهِقة في بداية الفيلم. أغنية تلو أغنية، يصير الحلم واقعاً، لكنّ المرض يأتي ليبتر الإنجاز. تكشف ديون: «قبل 17 عاماً بدأت تصيبني تشنّجات في الحبال الصوتيّة. لاحقاً؛ أي في السنوات التي سبقت التشخيص، اضطررنا إلى إلغاء بعض العروض. لكن لم أعد أستطيع أن أكذب على الجمهور».

تعترف بشكلٍ غير مباشر بأنها حمّلت صوتها أكثر من طاقته. أرهقته وها هو يخونها. يعود الوثائقي إلى عام 2021 ليوضح أنه، وبعد إصدار ديون 27 ألبوماً وبيعها 250 مليون أسطوانة وفوزها بعدد من جوائز الـ«غرامي» والـ«أوسكار» على مدى مسيرتها الغنائية، وجدت نفسها مرغمة على إلغاء عرضها الضخم المنتظر في لاس فيغاس.

كانت تلك بداية الكابوس. لكنّ ديون امرأة قويّة، ورثت الصلابة عن والدتها تيريز التي كانت تعجن الطحين بالماء وقِطَع الجزر لتُطعم أولادها عندما تكون الثلّاجة فارغة. تتحصّن الفنانة كذلك بأبنائها الثلاثة. غالباً ما يظهرون معها في الوثائقيّ، لا سيّما الصغيرَين بينهم؛ إدي ونيلسون. تُجنّبهما تراجيديا الألم فتلهو معهما وتمازحهما وتهتمّ بهما، حتى إنهما يتولّيان تصويرها ومحاورتها في جزءٍ من الوثائقي.

قد تكون المَشاهد المُستقاة من أرشيف سيلين ديون زائدة على حدّها، وكأنّ المُخرجة تملأ الوقت بكثيرٍ من المقاطع الغنائية. غير أنّ ثنائية الماضي والحاضر مؤثّرة، لناحية المقارنة بين أمس ديون المجيد، واللحظة الحاليّة التي أرغمتها على الجلوس في الظلّ، بعيداً عن أكثر ما تحبّ؛ الميكروفون وخشبة المسرح والجمهور. عن الألم الأكبر تتحدّث: «لا زلتُ غير قادرة على استعمال صوتي». وبين دمعتَين تضيف: «الموسيقى... أفتقدها كثيراً. والناس... أشتاق إليهم». تقول حكمة سيلين ديون إنّ «الصعوبة ليست في تقديم عرض موسيقيّ؛ إنّما في إلغائه».

تذكّر المقاطع الغنائية المُستعادة من أبرز حفلات ديون حول العالم، لا سيّما باريس وطوكيو ولاس فيغاس، بالطاقة الهائلة التي حملتها حنجرتها. عن ذاك الصوت الثمين تقول إنه هو الذي قاد الطريق، وهو الذي قرر مصير حياتها وليست هي من فعلت. تقول ذلك وهي مدركة أنها فقدته؛ على الأقلّ مؤقّتاً. أضاعت البوصلة ونور الدرب، مما يبرّر حتماً الخيبة المرتسمة على ملامحها.

ديون مع مخرجة الوثائقي إيرين تايلور خلال عرضه الأول قبل أيام في نيويورك (أ.ب)

ولعلّ أقوى لحظات الوثائقيّ هي تلك التي تقدّم فيها ديون البرهان الحسّيّ على ما فعل المرض بصوتها. تغنّي فلا تستطيع. يخرج الصوت غريباً. لا تعرفه؛ بل تُنكره. هو صوتٌ مجروحٌ ومكسور، لا يشبه في شيء طبقاتها العالية التي عرفها الناس بها. تنهار باكيةً عندما تصغي إلى نفسها: «من الصعب جداً عليّ أن أسمع ذلك، وأن أُسمعكم إيّاه. لا أريد أن يسمعني الناس هكذا». لكنها تفعل، ويُحسَب لها كل هذا الصدق والجرأة والتصالح مع الضعف البشريّ.

ثمّ تصدح: «My Heart Will Go On» ضمن مشهد مُستعاد من إحدى الحفلات. وكما تقول أغنية فيلم «تيتانيك» الشهيرة، فإنّ قلب سيلين ديون يواصل الخفقان ويسير بها إلى الأمام. متطلّعةً إلى الشفاء؛ تواظب على جلسات العلاج. وبخُطىً متردّدة؛ إنما إيجابية، تعود إلى الاستوديو لتضع صوتها على أغانٍ جديدة. لا يحصل ذلك من دون صعوباتٍ وخيباتٍ ودموع بسبب التحوّلات التي ألمّت بصوتها. لكنها تحاول؛ «لا زلتُ أرى نفسي أرقص وأغنّي. دائماً أجد خططاً بديلة. إذا لم أتمكّن من الركض؛ فسأمشي، وإن لم أستطع المشي؛ فسأحبو. لكن لن أتوقّف».

سيلين ديون: «إن لم أستطع المشي فسأحبو... لكن لن أتوقّف»... (أمازون برايم)

على وتر الماضي يلعب الوثائقي بقوّة. يعود بالمشاهدين إلى طفولة ديون في قريتها الكنديّة المثلجة، مغنيةً في زفاف شقيقها وهي في الخامسة. صغيرةً، تتوسّط العائلة ذات الأبناء الـ14؛ يرقصون ويغنّون. كان المال قليلاً، لكنّ الموسيقى أغنَتهم.

من الأرشيف كذلك، يطلّ رينيه أنجليل، زوجها الراحل وحبّ حياتها. كما يتفرّد العمل التلفزيوني بلقطات حصريّة من ولادة أبنائها ولحظات طفولتهم.

ولأنّ أحلام سيلين لم تتيبّس، فهي تشبّه نفسها بشجرة التفّاح التي ما زالت قادرة على العطاء، ما دام ثمّة جمهور ينتظر ثمارها.


مقالات ذات صلة

من الملكة رانيا إلى آل أوباما مروراً بديفيد بيكهام... الكل يلبِّي دعوة «شارع سمسم»

يوميات الشرق الملكة رانيا وديفيد بيكهام ومايلي سايرس مع شخصيات من «شارع سمسم» (موقع البرنامج)

من الملكة رانيا إلى آل أوباما مروراً بديفيد بيكهام... الكل يلبِّي دعوة «شارع سمسم»

برنامج «شارع سمسم»، أكثر البرامج التلفزيونية استقطاباً للمشاهير من كافة المجالات. من محمد علي كلاي إلى باراك أوباما. والغائب الأكبر دونالد ترمب.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق إرث معماري عالمي يُستعاد في مدينة الجذور (غيتي)

الموصل تستعيد زها حديد... قاعة تُخلّد أشهر معماريّات العالم

احتفلت جامعة «الحدباء» في الموصل بافتتاح قاعة باسم زها حديد...

«الشرق الأوسط» (الموصل)
يوميات الشرق تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

رسائل «مولانا» تسير بين السطور عبر سخرية خفيفة تبدو في ظاهرها لعباً لغوياً أو مزحة سريعة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ظهور مشترك أعاد إشعال شائعات علاقة عاطفية (إنستغرام)

مبابي وإستر إكسبوزيتو... لقطات باريسية تُشعل شائعات الحبّ

أثار ظهور لاعب كرة القدم كيليان مبابي والممثلة الإسبانية إستر إكسبوزيتو معاً، في مناسبات عدّة، شائعات حول علاقة عاطفية وليدة بينهما.

«الشرق الأوسط» (باريس)

تطبيق ذكي يحسّن المزاج ويقلل القلق والاكتئاب

التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

تطبيق ذكي يحسّن المزاج ويقلل القلق والاكتئاب

التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

طوّر باحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة تطبيقاً هاتفياً مبتكراً يهدف إلى تحسين الصحة النفسية والمزاج وتقليل أعراض القلق والاكتئاب.

وأوضح الباحثون أن التطبيق يوفر تدخلاً نفسياً مبنياً على الأدلة العلمية بطريقة سهلة الوصول، خصوصاً للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج التقليدي بسبب محدودية الموارد أو التكلفة أو الوصمة الاجتماعية. ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «Journal of Consulting and Clinical Psychology».

والاكتئاب هو اضطراب نفسي شائع يؤثر على المزاج والتفكير والسلوك، ويسبب شعوراً مستمراً بالحزن وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وقد ترافقه أعراض جسدية مثل التعب المزمن، وتغييرات في الشهية أو النوم، وصعوبة التركيز، كما يؤثر على جودة الحياة والعلاقات الشخصية ويزيد من صعوبة التعامل مع الضغوط اليومية.

وتشمل علاجات الاكتئاب الدعم النفسي، والعلاج السلوكي المعرفي، والأدوية، إلى جانب تطوير العادات الصحية التي تعزز المزاج وتساعد على التكيف مع الضغوط.

ويحمل التطبيق الجديد اسم «HabitWorks»، ويعتمد على تمارين قصيرة يومية تشبه الألعاب، تستغرق خمس دقائق فقط، وتركز على تعديل التحيز في التفسير؛ أي الميل إلى التوصل لنتائج سلبية تلقائياً عند مواجهة مواقف غامضة أو غير مؤكَّدة.

تمارين قصيرة

ومن خلال هذه التمارين القصيرة، يتمكن المستخدمون من فهم أنماط تفكيرهم بطريقة سهلة وجاذبة، ما يسهم في تحقيق تحسن ملموس. كما يوفر التطبيق أدوات لتسجيل المزاج اليومي ومتابعة العادات، مما يعزز وعي المستخدمين بتأثير أنماط تفكيرهم على مشاعرهم واستجاباتهم اليومية.

وجرى تصميم التطبيق بحيث تعتمد التمارين على فترات قصيرة ومتكررة تتناسب مع الطريقة التي يستخدم بها الناس هواتفهم، بدلاً من محاكاة جلسات علاجية طويلة ومعقدة. كما شاركت لجنة استشارية من أشخاص لديهم خبرة مباشرة مع القلق والاكتئاب في تصميم التطبيق؛ لضمان ملاءمته وفاعليته وسهولة التزام المستخدمين به.

وأظهرت نتائج تجربة سريرية شملت 340 بالغاً من 44 ولاية أميركية جرى توزيعهم عشوائياً لاستخدام التطبيق لمدة أربعة أسابيع أو للمجموعة الضابطة التي اكتفت بتعبئة استبيانات لتتبُّع الأعراض، أن مستخدمي التطبيق حققوا تحسناً ملحوظاً في تفسير الأحداث، والوظائف اليومية، وشدة الأعراض النفسية، مقارنة بالمجموعة الضابطة.

كما سجل التطبيق معدل التزام مرتفعاً، إذ استمر 77.8 في المائة من المشاركين في استخدامه حتى الأسبوع الرابع، وأكمل 84.4 في المائة التقييم بعد انتهاء التدخل.


المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
TT

المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)
محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)

«إنت أكيد متجوز عليا»، اتهام وجَّهته المصرية هند إبراهيم (اسم مستعار)، ربة المنزل الثلاثينية، إلى زوجها؛ بسبب تحججه بالذهاب إلى أحد المقاهي مساءً بشكل يومي وغيابه حتى منتصف الليل، رغم قرار إغلاق المقاهي عند التاسعة.

الاتهام نتج عنه شجار محتدم بين الزوجين، ولم تهدأ الزوجة إلا بعد أن قام الزوج بتصوير مقطع فيديو لنفسه داخل المقهى «المُظلم» رفقة أصدقائه، حيث تكون جلستهم خِلسةً؛ تحايلاً على القرار الحكومي.

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية، فيكون الغلق في العاشرة مساءً».

القرار استبشرت به هند؛ لجمع شمل الأسرة، لكن الزوج أبى الجلوس في المنزل بداعي الملل، خصوصاً أنَّه اعتاد الخروج يومياً، ما أغضب زوجته، متسائلة في غضب: «هل أنا بُعبع لكي يرفض الجلوس معي؟!»، لافتة إلى استمرار شكها في خيانته لها رغم فيديو المقهى.

في زاوية من منزله الكائن بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، يجلس محمد رأفت (45 عاماً)، وهو محاسب وأب لثلاثة أبناء، واضعاً يداً على خده وبالأخرى ممسكاً بـ«ريموت» التلفاز متجولاً بين قنواته.

يصف محمد حاله مثل «الأسير»، مبيناً أن «جلسة الصالة» بعد التاسعة تحوَّلت إلى مشاحنات متكررة مع أبنائه حول الأنوار المضاءة من دون فائدة، أو استهلاك الإنترنت المتزايد، أو الدخول في سجالات لا تنتهي مع زوجته.

يقول رأفت بضيق لـ«الشرق الأوسط»: «قبل الإغلاق كنت أهرب إلى المقهى من ضجيج الدروس الخصوصية وطلبات المنزل التي لا تنتهي، أما اليوم فأنا في مواجهة مباشرة مع زوجتي وأبنائي».

بعد «الريموت»، يمسك الأب بهاتفه بوصفه طوق نجاة آخر من الملل، يفرّ به من الصالون الصاخب إلى عالم «فيسبوك» الافتراضي، تتبدَّل ملامحه من الضيق إلى ابتسامة خافتة وهو يقرأ منشوراً يقول: «واضح إن الإغلاق الحكومي خلى كل واحد يقابل الحكومة الداخلية بتاعته وجهاً لوجه... البيوت داخلة على دوري أبطال العالم في الخناقات الزوجية».

بين «شكوك» الزوجة، والزوج «الأسير»، يأتي المشهدان ليسجِّلا تداعيات «الإغلاق المبكر»، الذي فتح الباب لقصص تُكتَب وراء جدران المنازل، بطلها «الملل»، وذروة أحداثها «الخناقات»، وتروي تفاصيلها «الكوميكس».

فمع تطبيق القرار الحكومي وجد المصريون أنفسهم أمام واقع جديد يفرض عليهم البقاء في المنازل لفترات أطول، ما انعكس مباشرة على الحياة الأسرية والاجتماعية، والحالة النفسية بتداخل مشاعر متعددة.

حظر فتح المحال في التاسعة مساء أثار انعكاسات اجتماعية على الأسر المصرية (محافظة الإسكندرية)

الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية العلاقات الأسرية والإنسانية وتطوير الذات، توضِّح أن «قرار الإغلاق المبكر فرض واقعاً جديداً داخل البيوت المصرية، فمن ناحية أتاح للأسر فرصةً نادرةً لقضاء وقت أطول معاً؛ ما يعزِّز الروابط العائلية، لكن في المقابل كشف هذا التغيير المفاجئ عن خلافات كامنة وزاد من التوتر بين الأزواج، خصوصاً مع عدم استعدادهم للتكيُّف مع البقاء الطويل بالمنزل»، وتُبيِّن أنَّ إغلاق المقاهي والمحال مبكراً حرم كثيرين من متنفسهم اليومي، وأدى إلى ضغوط نفسية واجتماعية واضحة، حيث يشعرون بالاختناق والقلق لأنَّهم لم يألفوا التقييد، بل اعتادوا براح الليل.

تضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الوجود الطويل داخل البيت بدأ يكشف عن صدوع مخفية في العلاقات الأسرية كانت تُغطَّى بالانشغال بالخارج، كما أنَّه لا يمكن فصل الأثر الاجتماعي عن الواقع الاقتصادي، فالوجود المستمر داخل المنزل في ظلِّ الأزمات المالية يزيد من سقف الطلبات المنزلية التي قد لا تُلبَّى، مما يولِّد عنفاً أسرياً ناتجاً عن العجز والضغط، هذا السيناريو يعيد للأذهان فترة جائحة (كورونا) وما تبعها من ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق والنزاعات العائلية؛ بسبب تراجع الدخل المباشر لبعض الأسر نتيجة الإغلاق».

بدوره، قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن تقارير منظمة الصحة العالمية خلال جائحة «كورونا»، أشارت إلى أنَّ الاحتباس المنزلي القسري رفع معدلات العنف الأسري بنسب مُقلقة. واليوم، يواجه المواطن المصري خطراً مماثلاً؛ ففقدان حرية الحركة ليلاً قد يؤدي إلى اعتلال الحالة المزاجية، والإصابة بحالات من الكآبة النفسية، وبالتالي تحوُّل المنزل من مكان للراحة إلى ساحة لـ«الاحتكاك».

ويتابع: «المواطن الذي اعتاد تفريغ طاقته في الفضاء العام (المقاهي والشوارع)، يجد نفسه فجأة داخل بيته لساعات طويلة، هذا الفراغ يدفع رب الأسرة أحياناً للتدخل في أدق تفاصيل المنزل، وفقاً للمثل الشعبي (الفاضي يعمل قاضي)، وهو ما يفتح أبواباً للصراعات واختلاق مشكلات أسرية غير مُبرَّرة».

قرار الإغلاق المبكر للمقاهي فرض واقعاً جديداً داخل البيوت المصرية (محافظة الدقهلية)

تأثيرات أخرى يلفت إليها هندي، قائلاً: «نحن كذلك أمام خطر اختلال الساعة البيولوجية، فالقلق الناتج عن الحرمان من الخروج، يولِّد أرقاً وصعوبات في النوم؛ ما يدفع بالجلوس الطويل أمام الشاشات بديلاً للخروج، ما قد يرفع معدلات الإدمان الإلكتروني، وزيادة الخيانة الزوجية الافتراضية، علاجاً لحالة الملل الجماعي، مع ازدياد معدلات التدخين بوصفه آليةً لتفريغ القلق».

لمواجهة الأبواب المغلقة، وتداعياتها الاجتماعية والنفسية، فتح المصريون نافذةً للتكيُّف معها على منصات التواصل الاجتماعي، عبر تدوينات ساخرة وتوظيف «الكوميكس»، المستلهمة من الدراما الكوميدية.

وتوقَّع كثير من المتفاعلين «اشتعالاً» في العلاقات الزوجية نتيجة وضع «البنزين» بجوار «النار»، وأن تنتهي المشاحنات في مراكز الشرطة، في تعبير ساخر عن حالة الضيق التي خلَّفها القرار.

السخرية من الرجل المطرود من مقهاه، والزوجة التي فقدت هدوء المنزل، دارت حولها كثير من المنشورات، وبمسحة سياسية أشار آخرون إلى أنَّ الأمن الاجتماعي داخل البيت لا يقل أهمية عن الأمن الخارجي.

كما تضررت الكثيرات من أعباء إضافية بعودة الأزواج في التاسعة، ونقل طلبات المقهى إلى داخل المنزل، أو بتدخل الزوج في أدق أمور المنزل.

وللنجاة من هذا الفخِّ النفسي والاجتماعي، يوضِّح استشاري الصحة النفسية أنه يجب على المصريين إعادة هندسة وقتهم ومجهودهم داخل المنزل، من خلال إدارة ذكية للعقل عبر تبني سلوكيات تفاؤلية، وتنظيم أنشطة منزلية تعوض الفقد الاجتماعي، حتى لا يتحوَّل قرار بسيط إلى أزمة اكتئاب جماعي.

بينما توضِّح خبيرة العلاقات الأسرية أن «التحدي الحقيقي أن تتحوَّل الفترة الحالية إلى فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، عبر تنظيم أنشطة جماعية داخل المنزل، ومشاركة الأبناء في أنشطة بسيطة، واحترام المساحة الشخصية لكل فرد، فالأزمة قد تكون اختباراً صعباً، لكنها أيضاً فرصة لإعادة اكتشاف التواصل الأسري وتقوية الروابط الضعيفة».


«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
TT

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)
أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل (نيسان) الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية بفعاليات جديدة تتضمن عرض أفلام وثائقية للمرة الأولى، بالإضافة إلى التوسع في برنامج «أصوات من لوس أنجليس» الذي يقام للعام الثاني على التوالي.

ويفتتح المهرجان بالفيلم المصري «ولنا في الخيال حب» الذي يجمع بين أحمد السعدني ومايان السيد وعمر رزيق، فيما سيتم تكريم الممثلة المصرية ريهام عبد الغفور بجائزة عزيزة أمير في حفل الافتتاح؛ تقديراً لمشوارها الفني، على أن تشارك في ندوة حوارية بجانب عرض فيلمها الأحدث «برشامة» في حفل الختام الذي سيتضمن أيضاً تكريم الممثل المصري هشام ماجد.

وتتضمن المسابقة الرسمية عرض 6 أفلام سينمائية منها فيلم الافتتاح «ولنا في الخيال حب»، إلى جانب الفيلم السعودي «هجرة» للمخرجة شهد أمين، الذي بدأ عروضه العالمية في النسخة الماضية من مهرجان «البندقية السينمائي» وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم بالأمل.

كما تضم المسابقة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» للمخرجة كوثر بن هنية، الذي وصل إلى التصفيات النهائية لجوائز الأوسكار العام الحالي، ويوجد المخرج اللبناني سيريل عريس بفيلمه «نجوم الأمل والألم» الذي يحكي قصة «نينو» و«ياسمينة»، اللذين يولدان في نهاية الثمانيات، ومنذ الطفولة تتشكل بينهما علاقة قوية مبنية على فهم مشترك لمعاناة الطفولة في ظل الحرب، وحين تقترح «ياسمينة» على «نينو» الهرب من بيروت، تفشل خطتهما في الانفصال عن واقع المدينة، ليفترقا، ويجمعهما القدر مجدداً بعد 24 عاماً.

من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

ويوجد الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس في المسابقة الرسمية، وهو الفيلم الذي ينتمي للدراما العائلية الممتدة عبر 3 أجيال من الفلسطينيين، من عام 1948 حتى 2022، إلى جانب الفيلم المصري «كولونيا» للمخرج محمد صيام، الذي تدور أحداثه في ليلة واحدة بمواجهة بين الأب وابنه.

وللمرة الأولى سيعرض المهرجان أفلاماً وثائقية عربية، حيث جرى اختيار الفيلم الليبي «بابا والقذافي» للمخرجة جيهان الكيخيا، الذي توثق من خلاله حياة والدها منصور رشيد الكيخيا السياسي الليبي البارز ووزير الخارجية الأسبق، وأحد أهم رموز المعارضة السلمية لنظام معمر القذافي.

كما سيعرض المهرجان الفيلم الوثائقي المصري - الفرنسي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح، الذي يتناول موضوعات الهوية والانتماء عبر معالجة إنسانية عميقة لأزمة الفقد، من خلال رواية وفاة والدته إثر إصابتها بمرض السرطان مستعيداً جوانب من حياتها ومشاهد لها، كما يصور جنازتها وحالة الفقد التي عاشت تفاصيلها الأسرة بعد رحيل سهام، وسؤال أطفال الأسرة أين ذهبت الجدة؟

ويعرض المهرجان 13 فيلماً ضمن 3 مسابقات مختلفة هي «أفلام الطلبة» التي تضم 5 أفلام و«أصوات من لوس أنجليس» التي تتضمن عرض 6 أفلام جديدة قدمها مخرجون وصناع أفلام عرب يقيمون بالولايات المتحدة، بينما تضم مسابقة الأفلام القصيرة 7 أفلام من عدة دول عربية.

مدير المهرجان مايكل باخوم (الشرق الأوسط)

وقال رئيس مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» مايكل باخوم لـ«الشرق الأوسط» إن اختيار الأفلام لا يعتمد على مشاركاتها في المهرجانات أو الجوائز التي حصلت عليها، بقدر ما يعتمد على قيمتها الفنية، لافتاً إلى أن بعض الأفلام المشاركة هذا العام سبق عرضها ضمن فعاليات مرتبطة بسباق «الأوسكار» من خلالهم في المهرجان قبل الحفل السنوي بعدة أسابيع، إلا أن تميزها الفني جعل من الضروري وجودها ضمن البرنامج الرسمي للمهرجان.

وأوضح أنهم حريصون على إتاحة الأفلام العربية التي لا يتوافر عرضها في المدينة أو تتاح عبر المنصات ليكون عرضها الأول بالمهرجان، مشيراً إلى أن قسم «أصوات من لوس أنجليس»، يشهد تطوراً ملحوظاً هذا العام بعد النجاح الكبير الذي حققه في الدورة الماضية، حيث تم توسيع عدد الأفلام وتنوعها، خصوصاً مع مشاركة أعمال من طلاب وصناع أفلام من مؤسسات سينمائية كبرى داخل الولايات المتحدة، وهو ما انعكس على حجم الإقبال الجماهيري.

ويؤكد باخوم أن المهرجان يعمل على عدة مستويات لجذب الجمهور، تشمل حضور النجوم، وتقديم أفلام ذات طابع تجاري، إلى جانب الأعمال الحاصلة على جوائز، وكذلك أفلام الطلبة، ما يخلق حالة من التنوع تلبي اهتمامات فئات مختلفة، سواء من الجمهور العربي أو غير العربي.

وفيما يخص الإقبال الجماهيري، أشار إلى أن المهرجان يعتمد على عدة عوامل، منها تنوع البرنامج، وحضور النجوم، بالإضافة إلى التعاون مع جامعات سينمائية كبرى في الولايات المتحدة، التي تحرص على إرسال طلابها لمتابعة العروض، في إطار التعرف على تجارب سينمائية وثقافية مختلفة.