كيف تعرف أنك متضرر عاطفياً؟ 10 علامات تعطيك الإجابة

كيف يتصرف الشخص المتضرر عاطفيا للهروب من مشاعره (بي بي سي)
كيف يتصرف الشخص المتضرر عاطفيا للهروب من مشاعره (بي بي سي)
TT

كيف تعرف أنك متضرر عاطفياً؟ 10 علامات تعطيك الإجابة

كيف يتصرف الشخص المتضرر عاطفيا للهروب من مشاعره (بي بي سي)
كيف يتصرف الشخص المتضرر عاطفيا للهروب من مشاعره (بي بي سي)

هل لاحظت يوماً ما أن بعض الأشخاص يتعاملون بلامبالاة مع ظرف مؤلم، أو يهربون من الأحاديث التي ترتبط بمرحلة زمنية معينة من عمرهم، أو حتى يمارسون سلوكيات قهرية كالإفراط بممارسة الرياضة... كما لو أنهم يتجنبون أو يهربون من جوهر أمر ما؟

ربما يكون السبب في ذلك هو الطريقة التي يتجاهلون بها المسائل الجادة، وقد تكون هذه الإشارات الدقيقة علامات على وجود شخص متضرر عاطفياً، وفق تقرير لموقع «باور أوف بوزتيفيتي»، وتكشف هذه التلميحات أكثر بكثير مما تراه العين.

وبحسب التقرير، غالباً ما تكون معرفة علامات الضرر العاطفي هي الخطوة الأولى نحو الشفاء والتعافي. يمكن للضرر العاطفي أن يتسلل بمهارة إلى أفعالنا وردود فعلنا وقراراتنا اليومية، وأحياناً من دون أن نعرف ذلك.

ويكشف التقرير 10 علامات تشير إلى أن شخصاً ما قد يعاني من جروح عاطفية، ويقدم نظرة ثاقبة لكل من السلوكيات نفسها وطرق الشفاء:

1- اللامبالاة المنسقة

واحدة من أكثر العلامات المؤثرة في الضرر العاطفي هي اللامبالاة. ويحدث هذا عندما يبدو شخص ما منعزلاً بشكل غير عادي في المواقف التي يُتوقع فيها عادةً إظهار المشاعر.

قد يبدون غير مهتمين خلال أحداث الحياة المهمة أو غير مستجيبين للأخبار، الأمر الذي عادة ما يثير رد فعل قوياً. غالباً ما يكون هذا السلوك بمثابة إجراء وقائي، حيث يحمي الشخص نفسه من المشاعر التي يعدّها مؤلمة أو ساحقة.

مثال: لم تظهر أميليا مشاعرها في العمل عندما علمت أنها لم تحصل على الترقية المتوقعة، وبدلاً من إظهار خيبة الأمل، قامت على الفور بتحويل المناقشة إلى مشروع جديد.

2- تجنب الذاكرة القهرية

يعد تجنب الذكريات المؤلمة شائعاً بين أولئك الذين عانوا من الصدمات العاطفية. قد يتجلى ذلك في تغيير الموضوع فجأة أو المغادرة عند طرح موضوعات معينة. فالتجنب هو آلية دفاعية لإبعاد الذكريات المؤلمة.

على سبيل المثال: يقوم ليو بتغيير الموضوع إلى الأفلام أو البرامج التلفزيونية الحديثة كلما ذكر الأصدقاء ذكريات الكلية، خصوصاً إذا كانت تتضمن صديقته السابقة، مما يشير إلى عدم ارتياحه للماضي.

3- المبالغة في التفاصيل التافهة

في بعض الأحيان، أولئك الذين يتعاملون مع الضرر العاطفي سوف يقدمون تفسيرات مفصلة بشكل مفرط حول القضايا البسيطة أو الدنيوية. يمكن أن يكون هذا الإفراط في التفاصيل بمثابة تكتيك لتشتيت الانتباه لتجنب مناقشة موضوعات أعمق وأكثر عاطفية.

على سبيل المثال: غالباً ما تخوض ساندي في تفاصيل مفرطة حول المهام البسيطة خلال الاجتماعات، مثل تنظيم البريد الإلكتروني الخاص بها، وتتجنب المناقشات حول مشكلات المشروع الأكثر تأثيراً.

4- أنماط النوم المضطربة

يمكن أن تشير أنماط النوم المضطربة، خصوصاً تلك التي تنطوي على أحلام رمزية بشكل واضح، إلى صراعات عاطفية لم يتم حلها. غالباً ما تعكس اضطرابات النوم هذه محاولة النفس حل المشكلات التي لم يتم حلها.

على سبيل المثال: يصف ماكس غالباً ليالي مضطربة مليئة بأحلام غريبة ومفككة حول البحث عن شيء بعيد المنال، مما قد يعكس مشكلاته التي لم يتم حلها مع والده المنفصل عنه.

5- الصدى الاجتماعي

يمكن لعكس سلوكيات الآخرين وعواطفهم، بدلاً من التعبير عن ردود أفعال شخصية حقيقية، أن يكشف عن الشخص المتضرر عاطفياً. قد يحدث هذا الصدى الاجتماعي لأن الفرد يشعر بعدم الأمان أو عدم اليقين بشأن كيفية التعبير عن نفسه الحقيقية.

على سبيل المثال: تتبنى جون آراء وسلوكيات أصدقائها الصرحاء في المواقف الاجتماعية، ونادراً ما تعبّر عن آرائها وتعدّل موقفها بناءً على من توجد معهم.

6- التمسك بالروتين

قد يكون الالتزام الصارم بالروتين بشكل غير عادي بمثابة آلية للتكيف بالنسبة لأولئك الذين عانوا من اضطرابات عاطفية. توفر هذه الدقة في الروتين اليومي إحساساً بالسيطرة والقدرة على التنبؤ في عالم قد يبدو فوضوياً وغير آمن إلى حد كبير.

على سبيل المثال: يقوم كارلوس بجدولة يومه بالكامل بدقة ويصبح قلقاً وسريع الانفعال إذا عطلت أي أنشطة غير مخطط لها روتينه، مما يظهر اعتماده على جدول صارم لتحقيق الاستقرار العاطفي.

7- أخذ قيمتك من الآخرين

يمكن أن يكون البحث عن التطمين الدائم من الآخرين علامة واضحة على الضرر العاطفي. قد لا يكون الأفراد قادرين على الثقة في أحكامهم، وغالباً ما يتطلعون إلى الآخرين لتأكيد قيمتها.

مثال: تسعى ليزي باستمرار إلى الحصول على طمأنة من زملائها بشأن جودة عملها؛ إنها لا تثق في أفضل حكم لها من دون موافقتهم.

8- الإفراط في الخصوصية

يمكن أن تشير الحاجة المتزايدة للخصوصية ورد الفعل الشديد على التدخلات المتصورة إلى مشكلات الثقة الأساسية، التي غالباً ما تنبع من خيانات أو انتهاكات سابقة. يمكن أن تؤدي هذه اليقظة المفرطة إلى العزلة وصعوبة تكوين علاقات وثيقة.

مثال: يصبح أمير دفاعياً وغير مرتاح عندما يسأله زملاء العمل عن حياته الشخصية، مفضِّلاً إبقاء باب مكتبه مغلقاً وتجنب المحادثات غير المتعلقة بالعمل.

9 - عاطفة انتقائية

الانخراط عاطفياً فقط في السياقات «الآمنة»، مثل الحيوانات الأليفة أو في العلاقات السطحية، أمر ممكن لحماية النفس من التفاعلات الأعمق، التي تجعلنا أكثر ضعفاً. هذا الاستثمار العاطفي الانتقائي يبقي العلاقات الهادفة بعيدة، مما يقلل من خطر الألم العاطفي.

على سبيل المثال: تتفاعل تينا عاطفياً مع أصدقائها الذين يمارسون الألعاب عبر الإنترنت لساعات، وتتبادل القصص الشخصية والعواطف، لكنها تظل بعيدة ومتحفظة مع عائلتها.

10- استبدال سلوك قهري بآخر

إن التحول من سلوك قهري إلى آخر، سواء كان ذلك من تعاطي المخدرات إلى الإفراط في ممارسة الرياضة، يمكن أن يشير إلى محاولة التعامل مع الاحتياجات العاطفية التي لم تتم معالجتها. يمكن أن توفر هذه البدائل راحة مؤقتة ولكنها عادة ما تفشل في فحص الأسباب الجذرية للاضطراب العاطفي.

مثال: بعد الإقلاع عن التدخين، انغمس أليكس في التدريب الماراثوني. ثم تحول إلى تمضية ساعات وساعات على ألعاب الفيديو عندما تسببت إصابة بإيقافه عن الجري. دائماً ما يُستبدل سلوك قهري بآخر.

هل تحاول التعافي من هذه المشاعر؟ قدم التقرير هذه النصائح:

- اطلب المساعدة من الاختصاصيين: تمنحك استشارة المعالج التوجيه والدعم اللازمَين لفهم الجروح العاطفية وعلاجها. يمكن لأخصائي الصحة العقلية أن يقدم نصائح وتقنيات علاجية مصممة خصيصاً مثل العلاج السلوكي المعرفي، الذي يكون فعالاً بشكل خاص في علاج الصدمات والقلق.

- أوجد شبكة دعم: أحط نفسك بالأصدقاء أو العائلة أو مجموعات الدعم التي تفهم تجاربك ويمكنها تقديم الدعم العاطفي. تخلق هذه العلاقات شبكة أمان، مما يسهل مشاركة المشاعر والخبرات من دون إصدار أحكام، مما يقلل بشكل كبير من مشاعر العزلة.

- طور آليات صحية للتكيف: استبدل السلوكيات الصحية بالضارة؛ مثل ممارسة الرياضة أو التأمل أو الهوايات الإبداعية لإدارة التوتر والعواطف بشكل بنّاء. يساعد الانخراط في هذه الأنشطة على صرف الانتباه عن الأفكار السلبية، ويعزز هرمون الإندورفين، ويعزز الصحة العامة.

- ممارسة اليقظة الذهنية والتأمل: يمكن أن تساعدك هذه التقنيات على البقاء حاضراً، وتقليل تأثير الأفكار والمشاعر السلبية. يمكن أن تزيد تمارين اليقظة الذهنية المنتظمة أيضاً من الوعي الذاتي، مما يسمح لك بفهم محفزاتك العاطفية بشكل أفضل وكيفية إدارتها بفعالية.

- ضع الحدود: تعلم قول «لا» ووضع الحدود مع الآخرين. يمكن أن يساعد ذلك على حماية مساحتك العاطفية والمساهمة في الشفاء. يجب عليك توصيل احتياجاتك بوضوح وحزم، مع التأكد من احترام الآخرين لحدودك الشخصية وقدراتك العاطفية.

- قم بتدوين مشاعرك بانتظام: يمكن أن يكون تدوين مشاعرك طريقة علاجية لمعالجة المشاعر. من المثير للاهتمام أيضاً تتبع رحلة الشفاء الخاصة بك. يمكن أن تكون كتابة اليوميات بمثابة ممارسة تأملية، مما يساعدك على تحديد أنماط الأفكار والسلوكيات التي قد تحتاج إلى تعديل في أثناء سعيك نحو التعافي.


مقالات ذات صلة

5 طرق فعالة لإيقاظ الجسم من خمول الشتاء

يوميات الشرق الحرص على التعرض لضوء الشمس منذ الصباح يعزز النشاط (مجلة ريل سمبل)

5 طرق فعالة لإيقاظ الجسم من خمول الشتاء

مع انتهاء أشهر البرد وقِصر ساعات النهار، يشعر كثيرون بانخفاض في مستويات الطاقة وصعوبة في استعادة النشاط المعتاد مع بداية فصل الربيع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الدكتور شريف الشرقاوي الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كينجز كوليدج لندن يحمل مجسماً لجمجمة بشرية (جامعة كينجز كوليدج لندن)

مادة مبتكرة من الصوف لعلاج كسور العظام

تمكن باحثون في بريطانيا من تطوير مادة حيوية مبتكرة مشتقة من الصوف، قد تمثل بديلاً واعداً للمواد المستخدمة حالياً في علاج كسور وإصابات العظام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك مكملات «أوميغا 3» (أرشيفية - رويترز)

ماذا يحدث لذاكرتك عند تناول مكملات «أوميغا 3» مع التقدم في العمر؟

تبرز أحماض «أوميغا-3» الدهنية بوصفها عنصراً غذائياً أساسياً قد يلعب دوراً مهماً في دعم وظائف الدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الزعتر عشبة من عائلة النعناع (بيكساباي)

ما تأثير تناول الزعتر على صحة القلب؟

ظهرت الدراسات أن تناول الزعتر (Thymus vulgaris) له آثار إيجابية على صحة القلب، وذلك بفضل خصائصه القوية المضادة للأكسدة والالتهابات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الحليب يُعد مكوناً مرناً يمكن إدخاله بسهولة في النظام الغذائي اليومي (بيكسلز)

ما أفضل منتج ألبان لخفض الكوليسترول؟

عند محاولة خفض مستويات الكوليسترول يلجأ كثيرون إلى تقليل استهلاك منتجات الألبان، أو تجنبها تماماً، اعتقاداً بأنها ترفع الكوليسترول في الدم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».