السياسة تطرق باب «كان» من كل صوب

أفلام شرادر وستون والروسي تضرب يميناً ويساراً

المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
TT

السياسة تطرق باب «كان» من كل صوب

المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)

ربما ينشد مهرجان «كان» عدم تعاطي سينمائييه الحاضرين، في لجان التّحكيم أو بين المخرجين المشتركين، السياسة، لكنها هي التي تطرق بابه كلّ يوم من دون هوادة، من خلال الأفلام المعروضة في برامجه المختلفة.

حتى ولو مررنا بالأفلام الكبيرة المشتركة في المسابقة الرسمية وحدها، فسنجد الطروحات والآراء السياسية تعصف بالعروض من كل جانب. هناك بالطبع من يختار تقديم أفلام حكايات لا علاقة لها بالجوانب السياسية أيّاً ما كانت (مثل «حبيسة المد» للصيني جيا جانكلي أو «أكفان» لديڤيد كروننبرغ أو «أنورا» لشون بايكر، وكلها جاءت مخيبة فنياً للآمال) أو طروحاتها الاجتماعية المختلفة، لكن في المقابل هناك «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا، و«أوه كندا» لبول شرادر، و«بذرة التين المقدّسة» لمحمد رسولوف، وهناك «ليمونوف» لكيريل سيريبرينيكوف، الذي يتعامل وسيرة حياة الشاعر (من بين أوصاف أخرى) إدوارد ليمونوف.

شاعر متمرد

«ليمونوف» إلى جانب «ميغالوبوليس» يتداولان الولايات المتحدة نقداً وتشريحاً ويختلفان في كلّ شيء آخر من فعل الكتابة والإخراج إلى نوعية القالب الفني والروائي المطروح في كل منهما.

«ليمونوف» هو عن ذلك الشاعر الروسي المولود خارج موسكو في 1943 والمتوفى فيها سنة 2020. كتب الشعر إلى جانب القصص القصيرة والمقالات وبعض الروايات وانبرى كشوكة في خاصرة النظام في زمن الاتحاد السوڤييتي، ما أدّى إلى السماح له بالهجرة مع زوجته آنا روبنستين. ولكونها يهودية سُمح لهما بالهجرة إلى إسرائيل، لكنهما اختارا فرنسا، حيث حاول هو شق طريقه في صفوف الأدباء والسّاعين للانخراط في الجو الثقافي للبلاد في مطلع السبعينات.

انتقل ليمونوف بعد ذلك إلى نيويورك مع عشيقته إيلينا (ساندرين بونير) حيث شقّت طريقها منفردة في علاقات غرامية تجلب لها الثراء غير آبهة بحبّه المتيّم بها. أما هو فعاش في ضنك الحياة يغسل الصحون ويخدم أحد الأثرياء الذي يعده بمساعدته ولكنه يتخلّى عنه، ليهيم في شوارع نيويورك الخلفية ويمارس اللواط مع رجل أسود يعيش على الرصيف.

بن ويشو في «ليمونوف» (مهرجان «كان»)

بعدما شبع من هذا الوضع عاد إلى فرنسا سنة 1980 طالباً لنفسه المكانة التي لم يفز بها. بعد ذلك، عاد إلى روسيا سنة 1999 حيث استمر في منهجه الراديكالي متمرداً على كل النّصوص والسُّلطات إلى أن أودع السجن لبضع سنوات.

بن ويشو مؤهل للفوز

يعرض سيريبرينيكوف قصّة حياة ليمونوف، لكن ليس كعرضه أي فيلم آخر لأي سيرة ذاتية. ما يختاره هذا المخرج الروسي هو أسلوب شكليّ يوازي جنوح الكاتب في مواقفه السياسية عامّة. الكاميرا تقفز قفزاً للتعبير عن منهج الحياة وللتوازي مع المواقف المعلنة للكاتب في الفيلم. وهذه المواقف ليست موجهة للشرق الروسي بقدر ما هي موجهة للغرب الأوروبي والأميركي. سيريبرينيكوف يعمد إلى تخصيص الولايات المتحدة وفرنسا (وما تمثلانه) بأوصاف الخديعة والهيمنة المادية والسّلطوية، والابتعاد عن روح الإنسان، وترك البشر غير المؤهلين للعمل أو غير القادرين على إيجاده يعيشون في سرب الحياة وفي قاعها.

ما يُقدّمه المخرج هو حياة رجل لم يعرف طريقاً ترضيه. هو ثائرٌ ومنضو، يساريٌ ويمينيٌ، صاحب رؤية اجتماعية وبلا رؤية شخصية واضحة. هذا يجعل الفيلم مثيراً لاهتمام المشاهدين، خصوصاً أن ليمونوف ليس بشهرة الأدباء أو السياسيين أو حتى المهاجرين نفسها. ما يزيد الإثارة هو أسلوب المعالجة؛ يؤدّي البريطاني بن ويشو هذا الدّور ببراعة (ثاني فيلم بيوغرافي له بعد «أنا لست هناك»، 2007، الذي لعب فيه شخصية المغنّي بوب دايلان، كما أخرجه الأميركي تود هاينس). أداء ويشو ذهني وجسدي وفي كليهما بارعٌ في تشخيص الحالة والشخصية التي تقف، أكثر من مرّة، على مشارف الجنون. يُعدّ ويشو من هذا الموقف وقبل أيام قليلة من ختام الدورة، أقوى المرشّحين لجائزة أفضل ممثلٍ، إذا لم نقل إنه هو من سيفوز بها بالتأكيد.

السياسة التي يتّبعها الفيلم هي تلك التي خصّها ليمونوف لنفسه والتي تُشبه مروحية فالتة تدور حول نفسها وتصيب في كل الاتجاهات. لكن الحياة الأميركية ومفهوم نظامها هما الطلقة الكبرى في منظوره، وبعض ذلك ينضمّ إلى ما طرحه «ميغالوبوليس» من أوصاف وتُهم.

ذكريات مخرج

فيلم بول شرادر الجديد، «أوه، كندا»، يتحدّث ولو بحدود، عن الجيل الذي ترك الولايات المتحدة خلال الحرب الفيتنامية مفضلاً الهجرة إلى كندا عوض تنفيذ أوامر الانضمام إلى الجيش الأميركي الذي كان يخوض حرباً غير عادلة في تلك البقعة من العالم.

من «أوه كندا» لبول شرادر (مهرجان «كان»)

لكنّ الفيلم في الأساس، هو لقاء أمام كاميرا ثانية (غير كاميرا الفيلم)، بين مخرج تسجيلي كبير في السن اسمه ليونارد (ريتشارد غير)، ومخرج أصغر سناً اسمه مالكولم (مايكل إمبريولي)، بحضور زوجة الأول (إيما ثورمون). هي لا تتكلم بل ترقب وتكتشف جانباً من حياة زوجها لم يسبق لها معرفته. الحوار بين المخرجين (من جيلين متباعدين) يضيء لنا حكايات ومواقف تخصّ ليونارد وتكشف في الوقت نفسه عن اختيارات هذا المخرج من خلال حديثه عن حياته وأعماله.

يصوغ شرادر عملاً بديعاً كعادته، مقتبساً عن كتاب راسل بانسك «تحصيل حاصل» (Foregone)، وهذا ثاني تعاون بينهما، إذ كان شرادر اقتبس عن رواية لبانكس فيلمه «بلاء» (Affliction) سنة 1997. وهو اللقاء الثاني أيضاً بين شرادر والممثل ريتشارد غير بعد «أميركان جيغولو» سنة 1980. بالنسبة لكثيرين، وهذا الناقد بينهم، هذا الفيلم والفيلم الحالي، من بين نخبة الأفلام الأفضل في مسيرة الممثل.

مثل كوبولا، عمد شرادر إلى العمل من دون دعم استوديو هوليوودي، لكن بميزانية أصغر بكثير من تلك التي صرفها كوبولا من جيبه لتحقيق «ميغالوبوليس». هذا يتّضح لمن يُمعن في الكيفية التي عالج بها المخرج فيلمه بالتركيز على المشاهد الداخلية وتحديد معالم المشاهد الخارجية وأدوارها.

إذا ما فاز ريتشارد غير بجائزة أفضل ممثل، فإن ذلك قد يكون جرّاء نظرة عاطفية لتاريخه البعيد في مجال الفن. ليس لكونه لا يستحق الفوز، لكنّ ذلك التاريخ قد يشكّل عنصراً مفيداً له في هذا الاتجاه.

ستون بين حجرين

في المحيط السياسي نفسه شاهدنا «لولا» لمخرج أكثر عناية منذ سنوات، بالأفلام التوثيقية من تلك الروائية التي كان يُنجز منها كثير في الثمانينات والتسعينات.

بعد فيلمه عن كاسترو، وآخر عن ياسر عرفات، وثالث عن بوتين، ينتقل في «لولا» إلى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلڤا، ليضمه إلى سلسة مقابلاته السياسية.

إلى حد بعيد، يعكس ستون عبر اهتماماته هذه مبدأ التّعرف على وجهات النظر الأخرى. تلك المناوئة للسياسة الأميركية. من ناحية أخرى، هي تعبير عن بعدٍ وجفاءٍ بين المخرج وهوليوود، في زمن طغيان الأفلام الروائية الهزيلة التي لا يمكن له، ولعديد من سواه، الانخراط بها.

أوليڤر ستون يستمع في «لولا» (مهرجان «كان»)

ومن المؤسف أن ستون لم يكترث للبقاء في نطاق سياسي واضح عبر بعض أفلامه الروائية الأخيرة منضمّاً إلى مارتن سكورسيزي في تعميم وضعٍ بعيدٍ عن الجوهر. في فيلم سكورسيزي «ذئب وول ستريت» (2013)، يقف المخرج إلى جانب المضارب في البورصة (ليوناردو دي كابريو) واختلاساته وجنوح حياته التي قامت على الإثراء غير المشروع. قبله كان أوليڤر ستون منح صكّ براءةٍ لمضارب جشع آخر (مايكل دوغلاس) في «وول ستريت: المال لا ينام أبداً».

لكن ستون مختلف من ناحية واحدة في أفلامه التسجيلية من حيث إنه يعرض ولا يتبنّى، وهذا جيد من جهة وأقل من ذلك من جهة أخرى، إذ يتبدّى المخرج كما لو أنه ما زال بعيداً عن الانتماء لتيارٍ دون آخر.

في «لولا» الذي أنجزه مع مخرج آخر هو روب ويلسون استفادة كبيرة من المصادر الوثائقية لحياة الزعيم البرازيلي الذي كان رئيساً ثم أُسقط، ومن ثمّ أُعيد رئيساً للبلاد من جديد. شهد تاريخه صعوداً وهبوطاً متواليين في حياته. كيف عاش حياته في أسرة فقيرة، وكيف ارتقى معيشياً وسياسياً، وكيف دخل السجن ثم خرج منه قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية مرّتين؟

الفيلم جيد بالمعلومات، لكنه عادي بوصفه تشكيلاً، مع سرد ستون ما هو معروض بلا توقفٍ حتى ولو أن ما يقوله واضح من خلال المادّة الأرشيفية المستخدمة. هذه كافية لأن تُعلن عمّا حدث عندما أُلقي القبض على لولا سنة 2017 بتهمة الفساد وأُودع السجن، ثم عندما تذكر أن العملية التي أودت بالرئيس إلى السجن كانت ذات منطلق سياسي للتخلص منه. ليس هناك ما يثبت أيّ شيء محدد في هذا الاتجاه، لذلك يبقى الفيلم مثل استعراض تاريخي وشخصي يصلح لأن يكون نواة حكاية روائية أيضاً.


مقالات ذات صلة

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

احتفت النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» بقطر، التي أُقيمت هذا العام بشكل افتراضي «استثنائياً»؛ بسبب الحرب التي تشهدها المنطقة، بإحياء الفلكلور.

داليا ماهر (القاهرة )
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية.

أحمد عدلي (القاهرة)

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.