السياسة تطرق باب «كان» من كل صوب

أفلام شرادر وستون والروسي تضرب يميناً ويساراً

المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
TT

السياسة تطرق باب «كان» من كل صوب

المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)
المنتجة سامانثا كوان والمنتج شون بيكر والممثل مارك إيدلشتاين لدى عرض فيلم «أنورا» في «كان» (أ.ف.ب)

ربما ينشد مهرجان «كان» عدم تعاطي سينمائييه الحاضرين، في لجان التّحكيم أو بين المخرجين المشتركين، السياسة، لكنها هي التي تطرق بابه كلّ يوم من دون هوادة، من خلال الأفلام المعروضة في برامجه المختلفة.

حتى ولو مررنا بالأفلام الكبيرة المشتركة في المسابقة الرسمية وحدها، فسنجد الطروحات والآراء السياسية تعصف بالعروض من كل جانب. هناك بالطبع من يختار تقديم أفلام حكايات لا علاقة لها بالجوانب السياسية أيّاً ما كانت (مثل «حبيسة المد» للصيني جيا جانكلي أو «أكفان» لديڤيد كروننبرغ أو «أنورا» لشون بايكر، وكلها جاءت مخيبة فنياً للآمال) أو طروحاتها الاجتماعية المختلفة، لكن في المقابل هناك «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا، و«أوه كندا» لبول شرادر، و«بذرة التين المقدّسة» لمحمد رسولوف، وهناك «ليمونوف» لكيريل سيريبرينيكوف، الذي يتعامل وسيرة حياة الشاعر (من بين أوصاف أخرى) إدوارد ليمونوف.

شاعر متمرد

«ليمونوف» إلى جانب «ميغالوبوليس» يتداولان الولايات المتحدة نقداً وتشريحاً ويختلفان في كلّ شيء آخر من فعل الكتابة والإخراج إلى نوعية القالب الفني والروائي المطروح في كل منهما.

«ليمونوف» هو عن ذلك الشاعر الروسي المولود خارج موسكو في 1943 والمتوفى فيها سنة 2020. كتب الشعر إلى جانب القصص القصيرة والمقالات وبعض الروايات وانبرى كشوكة في خاصرة النظام في زمن الاتحاد السوڤييتي، ما أدّى إلى السماح له بالهجرة مع زوجته آنا روبنستين. ولكونها يهودية سُمح لهما بالهجرة إلى إسرائيل، لكنهما اختارا فرنسا، حيث حاول هو شق طريقه في صفوف الأدباء والسّاعين للانخراط في الجو الثقافي للبلاد في مطلع السبعينات.

انتقل ليمونوف بعد ذلك إلى نيويورك مع عشيقته إيلينا (ساندرين بونير) حيث شقّت طريقها منفردة في علاقات غرامية تجلب لها الثراء غير آبهة بحبّه المتيّم بها. أما هو فعاش في ضنك الحياة يغسل الصحون ويخدم أحد الأثرياء الذي يعده بمساعدته ولكنه يتخلّى عنه، ليهيم في شوارع نيويورك الخلفية ويمارس اللواط مع رجل أسود يعيش على الرصيف.

بن ويشو في «ليمونوف» (مهرجان «كان»)

بعدما شبع من هذا الوضع عاد إلى فرنسا سنة 1980 طالباً لنفسه المكانة التي لم يفز بها. بعد ذلك، عاد إلى روسيا سنة 1999 حيث استمر في منهجه الراديكالي متمرداً على كل النّصوص والسُّلطات إلى أن أودع السجن لبضع سنوات.

بن ويشو مؤهل للفوز

يعرض سيريبرينيكوف قصّة حياة ليمونوف، لكن ليس كعرضه أي فيلم آخر لأي سيرة ذاتية. ما يختاره هذا المخرج الروسي هو أسلوب شكليّ يوازي جنوح الكاتب في مواقفه السياسية عامّة. الكاميرا تقفز قفزاً للتعبير عن منهج الحياة وللتوازي مع المواقف المعلنة للكاتب في الفيلم. وهذه المواقف ليست موجهة للشرق الروسي بقدر ما هي موجهة للغرب الأوروبي والأميركي. سيريبرينيكوف يعمد إلى تخصيص الولايات المتحدة وفرنسا (وما تمثلانه) بأوصاف الخديعة والهيمنة المادية والسّلطوية، والابتعاد عن روح الإنسان، وترك البشر غير المؤهلين للعمل أو غير القادرين على إيجاده يعيشون في سرب الحياة وفي قاعها.

ما يُقدّمه المخرج هو حياة رجل لم يعرف طريقاً ترضيه. هو ثائرٌ ومنضو، يساريٌ ويمينيٌ، صاحب رؤية اجتماعية وبلا رؤية شخصية واضحة. هذا يجعل الفيلم مثيراً لاهتمام المشاهدين، خصوصاً أن ليمونوف ليس بشهرة الأدباء أو السياسيين أو حتى المهاجرين نفسها. ما يزيد الإثارة هو أسلوب المعالجة؛ يؤدّي البريطاني بن ويشو هذا الدّور ببراعة (ثاني فيلم بيوغرافي له بعد «أنا لست هناك»، 2007، الذي لعب فيه شخصية المغنّي بوب دايلان، كما أخرجه الأميركي تود هاينس). أداء ويشو ذهني وجسدي وفي كليهما بارعٌ في تشخيص الحالة والشخصية التي تقف، أكثر من مرّة، على مشارف الجنون. يُعدّ ويشو من هذا الموقف وقبل أيام قليلة من ختام الدورة، أقوى المرشّحين لجائزة أفضل ممثلٍ، إذا لم نقل إنه هو من سيفوز بها بالتأكيد.

السياسة التي يتّبعها الفيلم هي تلك التي خصّها ليمونوف لنفسه والتي تُشبه مروحية فالتة تدور حول نفسها وتصيب في كل الاتجاهات. لكن الحياة الأميركية ومفهوم نظامها هما الطلقة الكبرى في منظوره، وبعض ذلك ينضمّ إلى ما طرحه «ميغالوبوليس» من أوصاف وتُهم.

ذكريات مخرج

فيلم بول شرادر الجديد، «أوه، كندا»، يتحدّث ولو بحدود، عن الجيل الذي ترك الولايات المتحدة خلال الحرب الفيتنامية مفضلاً الهجرة إلى كندا عوض تنفيذ أوامر الانضمام إلى الجيش الأميركي الذي كان يخوض حرباً غير عادلة في تلك البقعة من العالم.

من «أوه كندا» لبول شرادر (مهرجان «كان»)

لكنّ الفيلم في الأساس، هو لقاء أمام كاميرا ثانية (غير كاميرا الفيلم)، بين مخرج تسجيلي كبير في السن اسمه ليونارد (ريتشارد غير)، ومخرج أصغر سناً اسمه مالكولم (مايكل إمبريولي)، بحضور زوجة الأول (إيما ثورمون). هي لا تتكلم بل ترقب وتكتشف جانباً من حياة زوجها لم يسبق لها معرفته. الحوار بين المخرجين (من جيلين متباعدين) يضيء لنا حكايات ومواقف تخصّ ليونارد وتكشف في الوقت نفسه عن اختيارات هذا المخرج من خلال حديثه عن حياته وأعماله.

يصوغ شرادر عملاً بديعاً كعادته، مقتبساً عن كتاب راسل بانسك «تحصيل حاصل» (Foregone)، وهذا ثاني تعاون بينهما، إذ كان شرادر اقتبس عن رواية لبانكس فيلمه «بلاء» (Affliction) سنة 1997. وهو اللقاء الثاني أيضاً بين شرادر والممثل ريتشارد غير بعد «أميركان جيغولو» سنة 1980. بالنسبة لكثيرين، وهذا الناقد بينهم، هذا الفيلم والفيلم الحالي، من بين نخبة الأفلام الأفضل في مسيرة الممثل.

مثل كوبولا، عمد شرادر إلى العمل من دون دعم استوديو هوليوودي، لكن بميزانية أصغر بكثير من تلك التي صرفها كوبولا من جيبه لتحقيق «ميغالوبوليس». هذا يتّضح لمن يُمعن في الكيفية التي عالج بها المخرج فيلمه بالتركيز على المشاهد الداخلية وتحديد معالم المشاهد الخارجية وأدوارها.

إذا ما فاز ريتشارد غير بجائزة أفضل ممثل، فإن ذلك قد يكون جرّاء نظرة عاطفية لتاريخه البعيد في مجال الفن. ليس لكونه لا يستحق الفوز، لكنّ ذلك التاريخ قد يشكّل عنصراً مفيداً له في هذا الاتجاه.

ستون بين حجرين

في المحيط السياسي نفسه شاهدنا «لولا» لمخرج أكثر عناية منذ سنوات، بالأفلام التوثيقية من تلك الروائية التي كان يُنجز منها كثير في الثمانينات والتسعينات.

بعد فيلمه عن كاسترو، وآخر عن ياسر عرفات، وثالث عن بوتين، ينتقل في «لولا» إلى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلڤا، ليضمه إلى سلسة مقابلاته السياسية.

إلى حد بعيد، يعكس ستون عبر اهتماماته هذه مبدأ التّعرف على وجهات النظر الأخرى. تلك المناوئة للسياسة الأميركية. من ناحية أخرى، هي تعبير عن بعدٍ وجفاءٍ بين المخرج وهوليوود، في زمن طغيان الأفلام الروائية الهزيلة التي لا يمكن له، ولعديد من سواه، الانخراط بها.

أوليڤر ستون يستمع في «لولا» (مهرجان «كان»)

ومن المؤسف أن ستون لم يكترث للبقاء في نطاق سياسي واضح عبر بعض أفلامه الروائية الأخيرة منضمّاً إلى مارتن سكورسيزي في تعميم وضعٍ بعيدٍ عن الجوهر. في فيلم سكورسيزي «ذئب وول ستريت» (2013)، يقف المخرج إلى جانب المضارب في البورصة (ليوناردو دي كابريو) واختلاساته وجنوح حياته التي قامت على الإثراء غير المشروع. قبله كان أوليڤر ستون منح صكّ براءةٍ لمضارب جشع آخر (مايكل دوغلاس) في «وول ستريت: المال لا ينام أبداً».

لكن ستون مختلف من ناحية واحدة في أفلامه التسجيلية من حيث إنه يعرض ولا يتبنّى، وهذا جيد من جهة وأقل من ذلك من جهة أخرى، إذ يتبدّى المخرج كما لو أنه ما زال بعيداً عن الانتماء لتيارٍ دون آخر.

في «لولا» الذي أنجزه مع مخرج آخر هو روب ويلسون استفادة كبيرة من المصادر الوثائقية لحياة الزعيم البرازيلي الذي كان رئيساً ثم أُسقط، ومن ثمّ أُعيد رئيساً للبلاد من جديد. شهد تاريخه صعوداً وهبوطاً متواليين في حياته. كيف عاش حياته في أسرة فقيرة، وكيف ارتقى معيشياً وسياسياً، وكيف دخل السجن ثم خرج منه قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية مرّتين؟

الفيلم جيد بالمعلومات، لكنه عادي بوصفه تشكيلاً، مع سرد ستون ما هو معروض بلا توقفٍ حتى ولو أن ما يقوله واضح من خلال المادّة الأرشيفية المستخدمة. هذه كافية لأن تُعلن عمّا حدث عندما أُلقي القبض على لولا سنة 2017 بتهمة الفساد وأُودع السجن، ثم عندما تذكر أن العملية التي أودت بالرئيس إلى السجن كانت ذات منطلق سياسي للتخلص منه. ليس هناك ما يثبت أيّ شيء محدد في هذا الاتجاه، لذلك يبقى الفيلم مثل استعراض تاريخي وشخصي يصلح لأن يكون نواة حكاية روائية أيضاً.


مقالات ذات صلة

مهرجان «الكاثوليكي» المصري: فيلم «دخل الربيع يضحك» يحصد 8 جوائز

يوميات الشرق عدد من أعضاء لجنة التحكيم على المنصة (إدارة المهرجان)

مهرجان «الكاثوليكي» المصري: فيلم «دخل الربيع يضحك» يحصد 8 جوائز

منحت جوائز الدورة الـ74 من مهرجان «المركز الكاثوليكي للسينما» 8 جوائز وشهادتَي تكريم لفريق عمل فيلم «دخل الربيع يضحك».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)

كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

فيلم «17» عُرض للمرة الأولى في «مهرجان برلين»، وهو العمل الروائي الطويل الأول للمخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش، ويقدم دراما إنسانية تدور في فضاء المراهقة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)

«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

الفيلم هو مراجعة؛ اعترافات لامرأة تجلس لساعات أمام حاسوبها بباريس، لتروي للمخرج الذي يحاورها على الجانب الآخر من بيروت...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

أهمية جوائز «النقاد للأفلام العربية» لا تقتصر على تكريم أفضل الإنتاجات، وإنما تمتد إلى دورها الحيوي في تسليط الضوء على السينما العربية ضمن سياق دولي واسع.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من صناع الأفلام بالذكاء الاصطناعي (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

سينما الذكاء الاصطناعي تفرض حضورها في الإسكندرية

فرضت «سينما الذكاء الاصطناعي» حضورها بالدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، حيث تم تخصيص مسابقة لها للعام الثاني على التوالي بمشاركة 16 فيلماً.

انتصار دردير (الإسكندرية (مصر))

ندى أبو فرحات وإيلي كمال... شراكةٌ على مسرح الحياة

الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)
الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)
TT

ندى أبو فرحات وإيلي كمال... شراكةٌ على مسرح الحياة

الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)
الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)

ندى أبو فرحات ابنةُ السينما والتلفزيون. تتنقّل نجمةً بين الشاشتَين الكبيرة والصغيرة، لكنّ صعودها المتكرر مؤخراً على الخشبة يضع في الصدارة أغلى الألقاب إلى قلب كل ممثل: «ابنة مسرح».

يقف إيلي كمال في غرفة التحكّم أعلى القاعة. يُراقب من فوق استعدادَ بطلة مسرحيّته لدخول الشخصيّة. وفيما العيونُ شاخصةٌ إلى ندى المستلقية بلا حراك فوق سريرٍ على الخشبة، لا يستطيع المخرج ضبطَ إيقاع حركته حماساً، يتمايل على أغاني فيلمون وهبه التي تسبق العرض.

بين إيلي كمال وندى أبو فرحات شراكةٌ مزدوجة. هما زوجان، والفنُّ ثالثُهما. منذ اللقاء الأوّل خلال تصوير أحد الأفلام عام 2012، وحتى أحدثِ موعدٍ لهما، مسرحيّة «حَنّة»، يسير الثنائيّ ما بين خطَّين متوازيَين هما الحب والفن.

«حنّة» ثالث مسرحية تجمع كمال تأليفاً وإخراجاً وأبو فرحات تمثيلاً (صور كمال)

في عمله المسرحيّ الجديد، اختار المخرج والكاتب إيلي كمال الممثلة ندى أبو فرحات لأداء شخصية «حَنّة»، ليس لأنها زوجته. يقول في حوار مع «الشرق الأوسط»: «حتى لو لم تكن هناك علاقة شخصية تجمعني بندى، لكانت حتماً من خياراتي الأولى في المهنة، فالعمل معها محترف ومنضبط».

تترك أبو فرحات المساحة الكبرى من الكلام لزوجها، ثم تدخل على خطّ الحوار لتتحدّث بلهفةٍ عن «إيلي المثقّف والقارئ النهم». تقول إنها معجبة بكتاباته وبكيفيّة سكبِ أفكاره على الورق، وبحِسّ الفكاهة الخاص به الذي لا يتناقض وأسلوب عمله المهذّب والمحترم.

هذا الرأي لم يتبدّل منذ لقائهما الأول قبل أكثر من 14 عاماً. عرض عليها حينها التمثيل في ثاني أفلامه القصيرة «تلج»، وهي وافقت لأنّ ملامح إعجابٍ شخصيٍ ومهنيّ كانت قد بدأت بالظهور على الطرفَين. ومن قلب الثلج اشتعلت المشاعر بين صانع الأفلام والممثلة ليُكملا الطريق معاً، ويُرزَقا بابنهما نَدي الذي بدأ خوض تجربته التمثيلية الخاصة رغم سنواته التسع.

إيلي كمال وابنُه نَدي من داخل غرفة التحكّم في المسرح (إنستغرام)

سار إيلي كمال دربه المستقلّ منشغلاً بأفلامه القصيرة والطويلة والوثائقية والإعلانية، إضافةً إلى المسرح. من جهتها، واصلت ندى أبو فرحات مشاريعها السينمائية والتلفزيونية والمسرحية. وبين فترةٍ وأخرى، كانا يجتمعان تحت سقفٍ فنّي واحد. هكذا حصل في مسرحية «مجنون يحكي»، من بطولة زياد الرحباني وإخراج لينا خوري، ثم في فيلم «تانغو الثورة» من إخراج كمال وتمثيل أبو فرحات.

إلّا أنّ السنوات القليلة الماضية شهدت نشاطاً مشتركاً متزايداً للثنائي؛ إذ أطلّت أبو فرحات في ثلاثٍ من مسرحيات زوجها، «لغم أرضي» عام 2018، و«آخدة كسرة» في 2025، و«حَنّة» التي تُعرض حالياً في بيروت، بانتظار المسرحية الرابعة التي يصفُها كلٌ من الفنانَين بـ«المشروع الحلم» الذي يطمحان إلى إنجازه معاً. «النص جاهز والتحضير لها متواصل»، تقول ندى.

تؤدّي أبو فرحات شخصية «حَنّة» التي فقدت ذاكرتها و«عايدة» التي خسرت أموالها في المصارف اللبنانية (صور كمال)

في كلِ مرةٍ يخطّط فنانٌ لبنانيّ لمشروعٍ ما، يشعر وكأنه يسير بين الألغام. هكذا كانت الحال مع إيلي وندى اللذَين أجريا التمارين وفريقَ المسرحيّة على وقع الغارات الإسرائيلية. «أول التدريبات حصلت في بيتنا لأنّ إمكانيات التنقّل كانت محدودة»، يوضح المخرج والكاتب. أما الآن، ورغم انطلاق العرض، فإن التمارين متواصلة على قاعدة أنّه، و«على عكس السينما، لا يتوقف العمل في المسرح حيث كل عرض هو بمثابة عرضٍ جديد، وحيث التشذيب اليوميّ ضروري».

فريق المسرحية خلال التمارين المنزلية على وقع الغارات الإسرائيلية (إكس)

كمال الذي وازنَ بين الكوميديا السوداء والمحتوى التراجيدي في «حَنّة»، عالجَ قضيةً تَحُزّ في قلبه. للمرة الثانية بعد «آخدة كسرة»، يطرح سرقة أموال المودعين في لبنان. لكنه هذه المرة صبّ التركيز كاملاً على تلك المأساة، موظِفاً شخصية «حَنّة» لتجسيد كل المتضرّرين. يحصل ذلك من دون استحضار ما يُثقِل قلوب المتفرّجين، فالضحكةُ والسخرية الهادفة هما جوهرُ المسرحيّة.

الممثلون جويس أبو جودة كريم شبلي سلمى شلبي وندى أبو فرحات (صور كمال)

عندما يكون الزوج هو المخرج والكاتب، وتكون الزوجة هي الممثلة، لا مَهربَ من أن ينتقل العمل معهما إلى البيت. هذا سيفٌ ذو حدَّين وفق كمال الذي يوضح أنّ «حساسية الفنان وتركيبته القلِقة قد تُترجَم شحناً عاطفياً ما يتسبب باختلافاتٍ في الرأي قصيرة الأمد، أو بفائضٍ من المشاعر الإيجابية».

في حالة ندى أبو فرحات وإيلي كمال، يُتَرجَم ذلك تعاوناً أيضاً. شخصيّة «حَنّة» على سبيل المثال بَنياها معاً. «شاركتُها رؤيتي ووصلنا معاً إلى صيغةٍ أفضل بكثير ممّا تخيّلت».

تستمدّ الممثلة الإلهام من أشخاصٍ يجاورونها في حياتها اليوميّة. «حنّة مزيج من ثلاثة أشخاص أعرفهم جيّداً»، تخبر أبو فرحات. «أحدهم شخص مصاب بمتلازمة التثلّث الصبغي (داون) وقد اقتبست منه طريقة تعامله البريئة والعفوية مع الحياة والناس. أما شكل حَنّة وتعابير وجهها وصوتها فمُستوحاة من والدة صديقتي. والناحية القاسية في شخصيّتها استمددتُها من عمّة صديقتي».

عندما يكون الزوج هو المخرج والزوجة هي الممثلة ينتقل العمل معهما إلى البيت (إنستغرام)

انسحبَ التعاون بين الزوجَين على اختيار فريق الممثلين. «كانت في بالي أسماء تصوّرتها في شخصيات المسرحية، وثمة أسماء اقترحتها ندى»، يوضح كمال. مع العلم بأنّ الممثلين الذين أطلّوا إلى جانب أبو فرحات في «حَنّة»، وهُم سلمى شلبي، وكريم شبلي، وجويس أبو جودة، برَعوا في أدائهم وبثّوا الروح على الخشبة، وسط تناغمٍ كامل بينهم.

يُلهِم إيلي وندى بعضَهما البعض. يقول إنها «ضروريّة» بالنسبة إليه، لأنّ «عفويّتها وعاطفيّتها تحققان التوازن»، في عمله المرتكز على التخطيط والمنطق. أما هي فتحبّ الكاتب الذي فيه، مسلّمةً إياه أفكارها ليضعها على الورق، وتُقدّره مخرجاً «يفتح آفاق الخيال والحرية لممثليه». وكما بدأ زوجها الحوار تختمه هي: «لو لم يكن إيلي زوجي لكنتُ أحببتُ أن أعمل معه».


مهرجان «الكاثوليكي» المصري: فيلم «دخل الربيع يضحك» يحصد 8 جوائز

عدد من أعضاء لجنة التحكيم على المنصة (إدارة المهرجان)
عدد من أعضاء لجنة التحكيم على المنصة (إدارة المهرجان)
TT

مهرجان «الكاثوليكي» المصري: فيلم «دخل الربيع يضحك» يحصد 8 جوائز

عدد من أعضاء لجنة التحكيم على المنصة (إدارة المهرجان)
عدد من أعضاء لجنة التحكيم على المنصة (إدارة المهرجان)

مُنحت جوائز الدورة الـ74 من مهرجان «المركز الكاثوليكي للسينما» للأفلام ذات الطبيعة الفنية، مع منح 8 جوائز وشهادتَي تكريم لفريق عمل فيلم «دخل الربيع يضحك» الذي استحوذ على غالبية الجوائز، التي تنافست عليها 6 أفلام من إنتاجات العام الماضي هي: «فيها إيه يعني» للمخرج عمر رشدي، و«هابي بيرث داي» للمخرجة سارة جوهر، و«ضي... سيرة أهل الضي» لكريم الشناوي، بالإضافة إلى فيلمَي «6 أيام» للمخرج كريم شعبان، و«سنو وايت» للمخرجة تغريد أبو الحسن.

وخلال الحفل الذي أُقيم، الجمعة، في مقر المركز بحضور صناع غالبية الأفلام، أُعلنت الجوائز بعد عرض الأفلام الستة المتنافسة في المسابقة، وإجراء نقاشات مع عدد من صنّاعها بحضور جماهيري.

صناع «دخل الربيع يضحك» يحتفلون بالجوائز (إدارة المهرجان)

وحصل فيلم «دخل الربيع يضحك» على 8 جوائز، أبرزها: «أفضل فيلم»، بالإضافة إلى «أفضل إخراج»، و«سيناريو» لمخرجته نهى عادل، إلى جانب 3 جوائز في التمثيل هي «أفضل ممثلة» لبطلته رحاب عنان، وأفضل ممثل دور ثانٍ للفنان مختار يونس، بالإضافة إلى أفضل ممثلة دور ثانٍ للفنانة الشابة كارول العقاد.

«دخل الربيع يضحك» هو أول الأفلام الطويلة لمخرجته نهى عادل، ويروي 4 قصص قصيرة تنطلق في موسم الربيع، ويتّخذ من رباعية الشاعر الراحل صلاح جاهين «دخل الربيع يضحك لقاني حزين» عنواناً ومنطلقاً لأحداثه، ويقدِّم الفيلم 4 حكايات بين الغضب، والأحزان، والدّموع المخفيّة وسط ضحكات بطلاته الظاهرة خلال فصل الربيع، لكن مع بداية ذبول الأزهار يأتي الخريف، ليختتم القصص بشكل غير متوقع.

ترصد الحكايات قصصاً عن النساء، لتكشف عن علاقات تبدأ وردية ضاحكة مفعمة بالثقة والأمل، ومن ثَمّ تنقلب إلى معركة مفاجئة بين أطرافها، يكشف فيها كلّ طرف عن أسرار الآخر المخفية، في حين تعتمد كل قصة على التصوير داخل موقع واحد، عبر لقطات مقرّبة تكشف عن كثير مما أخفته الوجوه.

وحصد الممثل الشاب أحمد مالك جائزة «أفضل ممثل» عن دوره في فيلم «6 أيام»، وهو الفيلم الذي منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة لمخرجه كريم شعبان، وتدور أحداثه حول قصة حب قوية من أيام المراهقة لشاب وفتاة، لكن الظروف تفرقهما، ويلتقي الحبيبان عبر 6 لقاءات في فترات زمنية مختلفة مستعرضاً تغير مشاعرهما ونظرتهما للحب.

وبينما حصل فيلم «ضي... سيرة أهل الضي» على جائزة «أفضل تصوير» للمصور عبد السلام موسى، نالت الطفلة ضحى رمضان جائزة «لجنة التحكيم التشجيعية» عن دورها في فيلم «هابي بيرث داي»، في حين خرج فيلما «فيها إيه يعني؟!» و«سنو وايت» من دون جوائز.

ريهام عبد الغفور وأحمد مالك بعد تسلّم الجوائز (إدارة المهرجان)

وترأست المخرجة كاملة أبو ذكري لجنة تحكيم المهرجان هذا العام التي ضمت في عضويتها كلاً من الممثلين أشرف عبد الباقي، ويسرا اللوزي، والسورية سلاف فواخرجي، بالإضافة إلى الكاتبة والمؤلفة مريم نعوم، ومدير التصوير بيشوي روزفلت، والمونتيرة منى ربيع، والموسيقار تامر كروان، ومهندس الديكور فوزي العوامري.

وكان حفل الختام قد شهد تسلّم الفنانة ريهام عبد الغفور جائزة «أفضل ممثلة» درامية عن دورها في مسلسل «ظلم المصطبة».

وبينما عدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين مهرجان «المركز الكاثوليكي للسينما» واحداً من المهرجانات النوعية التي تبحث دائماً عن أفلام تحمل قيمة فنية وإنسانية حقيقية، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن «المهرجان لا ينشغل فقط بالجوانب التجارية أو الجماهيرية، وطبيعة اختياراته تعكس توجهاً واضحاً نحو دعم السينما الجادة التي تناقش قضايا مختلفة وتقدم رؤى إبداعية مغايرة».

المخرجة كاملة أبو ذكري وعدد من الفائزين برفقة بعض أعضاء لجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

وأضاف أن فيلم «دخل الربيع يضحك» يمثّل نموذجاً مهماً للسينما المستقلة التي تعتمد على الفكرة والطرح المختلف أكثر من اعتمادها على الإمكانيات الإنتاجية الضخمة، وهو ما يجعله قريباً من روح المهرجان وتوجهاته، مشيراً إلى أن «قرارات لجان التحكيم بطبيعتها تختلف من مهرجان إلى آخر، إذ تعكس في النهاية رؤى وتوجهات أعضائها وخلفياتهم الفنية، وبالتالي فإن الجوائز لا تُقاس بمعيار ثابت بقدر ما تُعبِّر عن وجهة نظر فنية محددة».

وأوضح أن «طبيعة الفيلم الفائز واختلافه من حيث الأسلوب والمعالجة لعبت دوراً في ترجيح كفته»، مؤكداً أن «الأعمال التي تمتلك خصوصية فنية ورؤية واضحة تكون فرصتها أكبر في لفت انتباه لجان التحكيم، لا سيما في المهرجانات التي تضع القيمة الفنية في المقام الأول».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حريق «بيت بابا» يعيد الجدل بشأن تأمين مواقع التصوير في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)
TT

حريق «بيت بابا» يعيد الجدل بشأن تأمين مواقع التصوير في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)

أعاد حريق الجزء الثاني من المسلسل الكوميدي «بيت بابا»، الذي يُصوِّر حالياً، الجدل بشأن تأمين «مواقع التصوير» في مصر، بعدما التهمت النيران ديكورات خشبية، صباح السبت، من دون حدوث أي إصابات بشرية.

ونشر الفنان عبد الرحمن حسن، أحد المشاركين في العمل، فيديو من موقع الحريق على خاصية «ستوري»، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، أظهر تصاعد النيران بشكل بالغ في الموقع قبل أن يُسيطر عليه سريعاً.

من جانبه، قال الفنان المصري محمد محمود، بطل مسلسل «بيت بابا»، إن ديكور منزل «أسعد»، الذي يجسد شخصيته خلال الأحداث لم يحدث به أي أضرار، موضحاً أن الحريق طال ديكور «منزل ابنته في العمل».

وأكد أنه لم يكن حاضراً في موقع التصوير في أثناء اندلاع الحريق، لكنه اطمأن على جميع العاملين في المسلسل، ولم تحدث أي إصابات بشرية، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «النيران التهمت الديكور بسبب خارج عن الإرادة، وهو انفجار جهاز إضاءة، ربما لتعرُّضه لأحمال زائدة، لكن المطافي سيطرت على الوضع».

وكشف محمد محمود عن استكمال التصوير بشكل طبيعي في مواقع التصوير الأخرى، على أن تُشيَّد ديكورات الموقع المحترق مجدداً، ويُعاد تصوير المشاهد التي تخصه.

مسلسل «بيت بابا»، الذي عُرض الجزء الأول منه قبيل بداية موسم دراما رمضان الماضي، بطولة محمد أنور، ومحمد محمود، وانتصار، ومريم الجندي، وسامي مغاوري، وأحمد عبد الحميد، ورانيا محمود ياسين، وعبد الرحمن حسن، وغيرهم، تدور أحداثه في إطار كوميدي اجتماعي حول مشكلات وتفاصيل أسرة مصرية.

لقطة من ستوري الفنان عبد الرحمن حسن عن الحريق (فيسبوك)

الناقد الفني المصري عماد يسري، أكد أن تجنب وقوع الحرائق المتكررة في مواقع التصوير بشكل عام هي مهمة إنتاجية في المقام الأول، ولا بد من تأمين الديكورات التي تحتوي على مواد سريعة الاشتعال، واعتماد منظومة حماية صارمة ومضمونة.

وأضاف يسري لـ«الشرق الأوسط» أن «استعمال بعض المواد والخامات الرديئة، بهدف التوفير في الميزانية أحياناً، هي أحد الأسباب الرئيسية فيما يحدث»، لافتاً إلى أن مضاعفة الجهد والأموال لإعادة تشييد الديكورات بعد أي حريق، ستكون أكبر مما توفّر.

وأشار الناقد الفني إلى أن هناك تهاوناً في بناء الديكورات أحياناً، فلا بد أن يكون التصريح بشروط وضوابط، وباستخدام خامات معينة، ونظم تأمينية شديدة، والاستعانة بمتخصص في هذا الشأن، حتى لا تتكرر تلك الكوارث مرة أخرى.

من جانبها، أكدت نقابة «الممثلين»، متابعتها لحريق موقع تصوير المسلسل، المفاجئ منذ اللحظات الأولى، والاطمئنان على فريق العمل، مشيرة، في بيان صحافي، السبت، إلى أنها أجرت اتصالات مباشرة مع الجهة المنتجة، وعدد من الأبطال، وتأكدت من سلامة الجميع عقب السيطرة على الحريق، إلى جانب متابعتها جميع التفاصيل الخاصة بالحادث حتى عودة التصوير بشكل طبيعي.

وأوضحت النقابة، في بيانها، أنها تواصلت مع المشرف العام على الإنتاج، الذي أكد أن قوات الحماية المدنية تمكنت من احتواء النيران سريعاً، وأن الحادث لم يُسفر عن إصابات بشرية، في حين تعرَّضت أجزاء كبيرة من الديكور للتلف.

وقبل حريق مسلسل «بيت بابا»، شهدت مواقع تصوير لمسلسلات رمضانية أخيراً حرائق أيضاً منها «علي كلاي» الذي تعرَّض لحريق محدود في أحد المواقع بسبب إشعال «ألعاب نارية»، وسُيطر عليه سريعاً من دون خسائر، وكذلك مسلسل «إفراج»، بسبب «ماس كهربائي».

وشهدت السنوات الماضية وقائع مماثلة، من بينها حريق «ستوديو الأهرام» خلال تصوير مسلسل «المعلم»، وحريق موقع تصوير في أثناء تصوير مسلسلي «جودر»، و«الكبير أوي»، وأيضاً «ستوديو مصر»، و«الحارة الشعبية» في مدينة الإنتاج الإعلامي.